من سنن النبي (ص ) البكاء على الميت
تاليف
السيد مرتضى العسكري
(لـقـد كـان لـكـم
فـي رسـول اللّه اسـوة حـسنة لمن كان يرجو اللّه واليوم الاخر و ذكر اللّه
كثيرا)(الاحزاب /21)
الوحدة حول مائدة الكتاب و السنة
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الـحـمـد للّه رب الـعـالـمـيـن ,
و الـصـلاة عـلى محمد و آله الطاهرين , والسلام على اصحابه
البرره الميامين .
و بـعـد: تـنـازعـنـا مـعـاشـر
المسلمين على مسائل الخلاف في الداخل ففرق اعداء الاسلام من
الـخـارج كـلمتنا من حيث لانشعر,
وضعفنا عن الدفاع عن بلادنا, و سيطر الاعداء علينا, وقد قال
سبحانه وتعالى : (واءطيعوا
اللّه و رسوله و لا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) (الانفال / 46)
و يـنـبـغـي لـنـا الـيـوم و فـي
كـل يـوم ان نرجع الى الكتاب و السنة في ما اختلفنا فيه و نوحد
كلمتناحولهما, كماقال
تعالى : (فان تنازعتم في شي ء فردوه الى اللّه و الرسول ) (النساء / 59)
و في هذه السلسلة من البحوث نرجع
الى الكتاب والسنة ونستنبط منهما ما ينير لنا السبيل في مسائل
الخلاف , فتكون باذنه تعالى وسيلة لتوحيد كلمتنا.
راجين من العلماء ان يشاركونا
في هذا المجال , ويبعثوا الينا بوجهات نظرهم على عنوان : بيروت -
ص .ب 124/24
العسكري
الروايات الواردة
في بكاء النبي (ص ) على المتوفى و حثه على ذلك
1-
بكاء الرسول (ص ) في مرض سعد بن عبادة :
في صحيح مسلم :
عـن عـبـد اللّه بـن عـمـر
قال : اشتكى سعد بن عبادة شكوى له , فاتى رسول اللّه (ص ) يعوده مع
عـبـدالـرحـمن بن عوف ,
و سعد بن ابي وقاص , و عبد اللّه بن مسعود, فلما دخل عليه وجده في
غـشـية ,فقال : اقد قضى ؟,
قالوا: لا يا رسول اللّه
رسـول اللّه (ص ) بكوا, فقال :
الا تسمعون ؟ اناللّه لا يعذب بدمع العين , و لا بحزن القلب , و لكن
يعذب بهذا(واشار الى لسانه ) او يرحم
((1)) .
2-
بكاء النبي (ص ) على ابنه ابراهيم :
في صحيحي البخاري و مسلم
و سنن ابي داود و ابن ماجة واللفظللاول :
قال انس : دخلنا مع رسول
اللّه (ص )... وابراهيم يجود بنفسه .فجعلت عينا رسول اللّه تذرفان ,فقال
لـه عبد الرحمن بن عوف (رض ): وانت
يا رسول اللّه
بـاخـرى فـقـال (ص ): ان الـعين
تدمع والقلب يحزن ,و لا نقول الا ما يرضي ربنا, وانابفراقك يا
ايراهيم
لمحزونون ((2)) .
و في سنن ابن ماجة :
عـن انـس بـن مـالـك , قـال
لما قبض ابراهيم , ابن النبي (ص ), قال لهم النبي (ص ): لا تدرجوه
في اكفانه حتى انظر اليه , فاتاه فانكب عليه و
بكى ((3))
و في سنن الترمذي :
عـن جـابـر بـن عـبـد
اللّه قـال : اخـذ النبي (ص ) بيد عبد الرحمن بن عوف فانطلق به الى ابنه
ابـراهـيم ,فوجده يجود
بنفسه , فاخذه النبي (ص ) فوضعه في حجره فبكى , فقال له عبد الرحمن :
اتـبـكـي , اولـم تـكن نهيت عن
البكاء ؟ قال : لا, و لكن نهيت عن صوتين احمقين فاجرين : صوت
عـنـدمـصـيـبـة : خمش وجوه
و شق جيوب و رنة شيطان , و في الحديث كلام من هذا. قال ابو
عيسى هذا حديث
حسن ((4)) .
3-
بكاء الرسول (ص ) على سبطه :
جاء في صحيحي البخاري و مسلم و
سنن ابي داود و سنن النسائي و اللفظ للاول :
ان ابـنـة النبي (ص ) ارسلت اليه :
ان ابنا لي قبض فاتنا. فقام ومعه سعد بن عبادة ورجال من اصحابه .
فرفع الى رسول اللّه (ص ) ونفسه
تتقعقع . ففاضت عيناه , فقال سعد: يا رسول اللّه , ما هذا ؟فقال : هذه
رحمة جعلها اللّه في قلوب عباده , وانما يرحم اللّه من عباده
الرحماء ((5)) .
4-
بكاء الرسول (ص ) على عمه حمزة :
في طبقات ابن سعد و مغازي
الواقدي و مسند احمد وغيرها واللفظللاول :
قـال : لـمـا سـمـع
رسـول اللّه (ص ) بعد غزوة احد البكاء من دور الانصار على قتلاهم , ذرفت
عـيـنـارسول اللّه (ص ) و بكى , و
قال : لكن حمزة لا بواكي له , فسمع ذلك سعد بن معاذ, فرجع
الـى نـسـاء بـنـي عـبـد
الاشهل فساقهن الى باب رسول اللّه (ص ) فبكين على حمزة , فسمع ذلك
رسـول اللّه (ص ) فـدعـا لـهن
وردهن . فلم تبك امراة من الانصار بعد ذلك الى اليوم على ميت , الا
بدات بالبكاء على حمزة , ثم بكت على
ميتها ((6)) .
5-
بكاء الرسول على الشهداء بغزوة مؤتة :
في صحيح البخاري : ان النبي نعى زيدا و جعفرا
و ابن رواحة للناس قبل ان ياتيهم خبرهم .قال :
اخـذ الـرايـة زيـد,
فـاصـيـب . ثـم اخـذ جـعـفـر, فاصيب . ثم اخذ ابن رواحة , فاصيب , و
عيناه تذرفان ... ((7)) .
6-
بكاء الرسول (ص ) على جعفر بن ابي طالب :
في الاستيعاب و اءسد الغابة
و الاصابة و تاريخ ابن الاثير وغيره ما موجزه :
لـمـا اصـيـب جـعـفـر
و اصحابه دخل رسول اللّه (ص ) بيته و طلب بني جعفر, فشمهم و دمعت
عـيـنـاه ,فقالت زوجته اسماء: بابي
و امي ما يبكيك ؟ ابلغك عن جعفر و اصحابه شي ء ؟ قال : نعم
اصـيـبـواهذا اليوم , فقالت
اسماء: فقمت اصيح و اجمع النساء, ودخلت فاطمة وهي تبكي و تقول :
واعماه , فقال رسول اللّه (ص ): على مثل جعفر فلتبك البواكي
((8)) .
7-
بكاء الرسول (ص ) على اءمه عند قبرها:
فى صحيح مسلم و مسند احمد و سنن ابي
داود و النسائي و ابن ماجة و اللفظ للاول :
عن ابي هريرة قال : زار النبي (ص ) قبر امه فبكى وابكى من
حوله ((9)) .
بكاء
الرسول (ص ) على سبطه الحسين في مناسبات عديدة
1-
حديث ام الفضل :
في مستدرك الصحيحين و تاريخ ابن عساكر
و مقتل الخوارزمي و غيرها و اللفظ للاول :
عـن ام الـفـضـل
بـنـت الـحـارث , انهادخلت على رسول اللّه (ص ) فقالت : يا رسول اللّه اني رايت
حـلـمـامـنـكرا الليلة ,قال : و ما هو ؟
قالت : انه شديد, قال : و ما هو ؟ قالت : رايت كان قطعة
مـن جسدك قطعت و
وضعت في حجري , فقال رسول اللّه (ص ): رايت خيرا, تلد فاطمة -ان شاء
اللّه - غـلامـا فـيـكـون
في حجرك , فولدت فاطمة الحسين فكان في حجري - كما قال رسول
اللّه (ص ) - فـدخـلـت
يـوما الى رسول اللّه (ص ) فوضعته في حجره , ثم حانت مني التفاتة , فاذا
عـيـنـارسول اللّه (ص ) تهريقان
من الدموع , قالت : فقلت : يا نبي اللّه
اتاني جبرئيل عليه الصلاة و السلام
فاخبرني ان اءمتي ستقتل ابني هذا , فقلت : هذا ؟ قال : نعم ,
و اتاني بتربة من تربته حمراء .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم
يخرجاه ((10)) .
2-
رواية زينب بنت جحش :
في تاريخ ابن عساكر و مجمع الزوائد و
تاريخ ابن كثير وغيرها واللفظ للاول بايجاز :
عـن زينب , قالت : بينا
رسول اللّه (ص ) في بيتي و حسين عندي حين درج , فغفلت عنه , فدخل على
رسول اللّه (ص ) فقال : دعيه
- الى قولها - ثم مد يده فقلت حين قضى الصلاة : يا رسول اللّه
رايتك اليوم صنعت شيئا ما رايتك تصنعه
؟ قال : ان جبرئيل اتاني فاخبرني ان هذاتقتله امتي فقلت :
فارني تربته , فاتاني بتربة
حمراء ((11)) .
3-
رواية عائشة :
عـن ابـي سـلـمـيـة بن عبد الرحمن في تاريخ
ابن عساكر, و مقتل الخوارزمي ومجمع الزوائد,
وغيرها و اللفظ للثاني :
عن عائشة , قالت : ان
رسول اللّه (ص ) اجلس حسينا على فخذه , فجاء جبرئيل اليه , فقال : هذاابنك
؟ قال : نعم , قال : اما
ان امتك ستقتله بعدك , فدمعت عينا رسول اللّه (ص ), فقال جبرئيل : ان شئت
اريتك الارض التي
يقتل فيها, قال : نعم , فاراه جبرئيل ترابا من تراب الطف .
و فـي لـفـظ آخـر: فاشار له
جبرئيل الى الطف بالعراق , فاخذ تربة حمراء فاراه اياها, فقال : هذه
من تربة مصرعه
((12)) .
4-
روايات ام سلمة :
في مستدرك الصحيحين , و طبقات ابن سعد,
و تاريخ ابن عساكر, وغيرها, و اللفظ للاول :
قال : اخبرتني ام سلمة
- رضي اللّه عنها -: ان رسول اللّه (ص ) اضطجع ذات ليلة للنوم فاستيقظو
هـو حـائر, ثـم اضـطـجـع
فـرقـد, ثم استيقظ و هو خائر ما دون ما رايت به المرة الاولى , ثم
اضـطـجـع فـاسـتـيـقـظ و في
يده تربة حمراء يقلبها, فقلت : ما هذه التربة يا رسول اللّه ؟ قال :
اخـبرني جبرئيل (ع ) ان هذا
يقتل بارض العراق , فقلت لجبرئيل : ارني تربة الارض التي يقتل بها,
فهذه تربتها .
فقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه
((13))
5-
حديث انس بن مالك :
في مسند احمد, و المعجم الكبير للطبراني ,
و تاريخ ابن عساكر وغيرها, و اللفظ للاول :
عـن انس بن مالك , قال : استاذن
ملك القطر ربه ان يزور النبي (ص ), فاذن له و كان في يوم ام سلمة ,
فقال النبي (ص ): يا ام سلمة احفظي
علينا الباب , لا يدخل علينا احد . قال : فبينا هي على الباب اذ
جـاء الحسين بن علي (ع ) فاقتحم
ففتح الباب فدخل فجعل النبي (ص ) يلتزمه ويقبله , فقال الملك :
اتـحبه ؟ قال : نعم , قال : ان امتك ستقتله ,
ان شئت اريتك المكان الذي يقتل فيه ؟ قال : نعم , قال :
فقبض قبضة من المكان الذي
قتل فيه فاراه فجاء بسهلة او تراب احمر فاخذته ام سلمة فجعلته في
ثوبها. قال ثابت : فكنا نقول انها كربلاء
((14)) .
روايات نهي النبي (ص ) عن البكاء و منشؤها:
في
صحيح مسلم و سنن النسائي و اللفظ للاول :
عن عبد اللّه , ان حفصة بكت على عمر.
فقال : مهلا يا بنية
((15)) .
و في رواية اخرى :
عن عمر, عن النبي (ص ) قال : الميت يعذب في قبره بما نيح
عليه ((16)) .
و في اخرى :
عـن ابـن عـمـر, قـال : لما طعن
عمر اغمي عليه , فصيح عليه , فلما افاق قال : اما علمتم ان رسول
اللّه (ص ) قال : ان الميت يعذب ببكاء اهله عليه
((17)) .
استدراك عائشة على حديث عمر و ابنه :
و في صحيحي البخاري
و مسلم و سنن النسائي و اللفظ لمسلم :
عـن ابـن عـباس ما موجزه : لما قدمنا
المدينة لم يثبت امير المؤمنين ان اصيب , فجاء صهيب يقول :وا
اخاه
بكاء اهله .
فقمت فدخلت على عائشة ,
فحدثتها بما قال ابن عمر, فقالت : لا واللّه
ان الـميت ليعذب ببكاء احد ولكنه قال :
ان الكافر يزيده اللّه ببكاء اهله عذابا وان اللّه لهواضحك
وابكى . و لا تزر وازرة وزر اخرى .
و عـن الـقـاسـم بـن مـحـمـد
قال : لما بلغ عائشة قول عمر و ابن عمر قالت : انكم تحدثوني عن
غيركاذبين و لا مكذبين , و لكن السمع
يخطى ء ((18)) .
و جاء في
صحيحي مسلم و البخاري و سنن الترمذي وموطا مالك و اللفظ للاول :
عـن هـشـام بـن عـروة عـن
ابـيـه , قـال : ذكرعند عائشة قول ابن عمر: الميت يعذب ببكاء اهله
عـلـيه ,فقالت : رحم
اللّه ابا عبد الرحمن , سمع شيئا فلم يحفظه , انما مرت على رسول اللّه (ص )
جنازة يهودي وهم يبكون عليه , فقال : انتم تبكون و انه
يعذب ((19)) .
قـال الامـام النووي (ت
/ 676 ه) في شرح صحيح مسلم عن روايات النهي عن البكاء المروية عن
رسـول اللّه (ص ):
و هـذه الـروايـات مـن روايـة عـمـر بـن الخطاب و ابنه عبد اللّه (رض )
وانـكـرت عـائشـة ونسبتهاالى
النسيان و الاشتباه عليهما, و انكرت ان يكون النبي (ص ) قال ذلك
((20)) .
الرسول (ص ) يزجر عمر عند نهيه عن البكاء:
في سنن النسائي
و ابن ماجة و مسند احمد و اللفظ للاول :
عـن سـلـمـة بـن
الازرق قـال : سـمعت ابا هريرة قال : مات ميت من آل رسول اللّه (ص ) فاجتمع
الـنـسـاءيـبكين عليه , فقام
عمر ينهاهن و يطردهن , فقال رسول اللّه (ص ): دعهن يا عمر , فان
العين دامعة و القلب مصاب والعهد قريب
((21)) .
و في مسند احمد:
عن وهب بن كيسان , عن
محمد بن عمرو انه اخبره : ان سلمة بن الازرق كان جالسا مع عبد اللّه بن
عـمـر بـالـسـوق , فـمر بجنازة
يبكى عليها,فعاب ذلك عبد اللّه بن عمر فانتهزهن , فقال له سلمة
بـن الازرق : لا تـقـل ذلـك فـاشهد
على ابي هريرة لسمعته يقول : و توفيت امراة من كنائن مروان
وشهدها وامر مروان بالنساء التي
يبكين فجعل يطردن , فقال ابو هريرة : دعهن يا ابا عبد الملك ,فانه
مر على النبي (ص ) بجنازة يبكى
عليها و انا معه و معه عمر بن الخطاب , فانتهر عمر اللاتي يبكين
مـع الـجنازة , فقال رسول اللّه (ص ):
دعهن يا ابن الخطاب فان النفس مصابة و ان العين دامعة و ان
العهد
حديث . قال انت سمعته ؟ قال : نعم , قال : فاللّه ورسوله اعلم
((22)) .
مقارنة الروايات و نتيجتها:
اثبت القسم الاول من الروايات انه كان من سيرة النبي
(ص ) البكاء على من رآه مشرفا على الموت و
على من توفى شهيدا او غير شهيد وعلى قبر المتوفى .
و اثبت القسم الثاني من الروايات
بكاء النبي (ص ) عدة مرات على سبطه الشهيد و بذلك يلحق بكاؤه
على الحسين (ع ) بالقسم الاول و يعد من سيرة النبي و سنته .
و اثـبـت الـقـسـم الـثـالـث
مـن الـروايـات ان روايـات نهي الرسول (ص ) عن البكاء على الميت
انـحـصـرت بـالخليفة الثاني وابنه
عبد اللّه , و ثبت من استدراك ام المؤمنين عائشة عليهما واقوال
صحابة آخرين مثل ابي هريرة و ابن عباس حول الامر:
ان ما رواه الخليفة الثاني
و ابنه عبد اللّه من نهي النبي (ص ) عن البكاء على الميت كان خطا.
و ان البكاء على من يخاف موته
و على المتوفى و على قبر المتوفى من سيرة النبي (ص ) و سنته ,و
بذلك يكون البكاء على الحسين (ع ) اتباعا لسيرة النبي (ص ) و سنته .