عصمة الانبياء و الرسل

تاليف : السيد مرتضى العسكري

(و اذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال اني جاعلك للناس اماما قال و من ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين ) ((1)) الوحدة حول مائدة الكتاب و السنة بسم اللّه الرحمن الرحيم الـحـمـد للّه رب الـعـالمين , و الصلاة على محمد و آله الطاهرين , والسلام على اصحابه البرره الميامين .
و بـعـد: تـنازعنا معاشر المسلمين على مسائل الخلاف في الداخل ففرق اعداء الاسلام من الخارج كـلمتنامن حيث لانشعر, وضعفنا عن الدفاع عن بلادنا, و سيطر الاعداء علينا, وقد قال سبحانه و تعالى :(واطيعوا اللّه و رسوله و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم ).
((2)) و يـنـبـغـي لـنا اليوم و في كل يوم ان نرجع الى الكتاب و السنة في ما اختلفنا فيه و نوحد كلمتنا حولهما,كماقال تعالى : (فان تنازعتم في شي ء فردوه الى اللّه و الرسول ) ((3)) .
و في هذه السلسلة مـن الـبحوث نرجع الى الكتاب والسنة ونستنبط منهما ما ينير لنا السبيل في مسائل الخلاف , فتكون باذنه تعالى وسيلة لتوحيد كلمتنا.
راجين من العلماء ان يشاركونا في هذا المجال , ويبعثوا الينا بوجهات نظرهم على عنوان : بيروت - ص .
ب 124/24 - العسكري

ابليس لا سلطان له على خلفاء اللّه في الارض

اخـبـر اللّه سـبـحانه في سورة الحجر ان ابليس لا سلطان له على عباده المخلصين , في ذكره ما داربينه و بين ابليس من محاورة , وذلك في قوله تعالى : قال ... ت (رب بما اغويتني لا زينن لهم في الا رض و لا غوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين ) ((4)) .
و اخبر تعالى عما جرى بين يوسف و زليخا, و كيف يعصم اللّه المخلصين من اغواء الشيطان ,حيث قال تعالى في سورة يوسف : (و لقد همت به و هم بها لولا ان راءى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء و الفحشاء انه من عبادنا المخلصين ) ((5)) و عـرفـنـا ان الـوصـف الـمذكور من شروط الامامة في ما اخبر اللّه عما دار بينه و بين خليله ابراهيم (ع ) في سورة البقرة , و قال : (و اذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال اني جاعلك للناس اماما قال و من ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين ) ((6)) و ذكر في سورة الانبياء ان الذين جعلهم ائمة , يهدون بامره , و قال تعالى : (و جعلناهم ائمة يهدون بامرنا...) ((7)) و ذكـر مـنـهـم فـي تلك السورة نوحا و ابراهيم و لوطا و اسماعيل و ايوب و ذا الكفل و يونس وموسى و هارون و داود و سليمان وزكريا و يحيى و عيسى (ع ).
و كان في من وصفهم بالامامة في هذه السورة : النبي والرسول و الوزير و الوصي .
اذا فقد بان لنا ان اللّه تبارك و تعالى اشترط لمن جعله اماما ان يكون غير ظالم .
و قد وصف اللّه الامام بانه خليفته في الارض , كما ورد في خطابه لداود (ع ) في سورة ص : (يا داود انا جعلناك خليفة في الا رض ) ((8)) و ورد في وصفه لادم (ع ) في خطابه للملائكة في سورة البقرة : (واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الا رض خليفة ...) ((9)) كما سنشرحه بعد تفسير كلمات الايات ان شاء اللّه تعالى .
شرح الكلمات : ا - اغويتني , و لاغوينهم , و الغاوين : غوى فهو غاو: انهمك في الغي .
و اغـواه : اضـلـه و اغراه , و قصد اللعين بقوله اغويتني : انه تعالى بلعنه و قوله له قبل هذه الاية : (وان عـلـيـك الـلـعنة الى يوم الدين ), ابعده عن رحمته جزاء تمرده و امتناعه عن السجود لادم , كماقال تعالى في سورة البقرة : (يضل به كثيرا و يهدي به كثيرا و ما يضل به الا الفاسقين ) ((10)) ب - لازينن لهم : اي : اءحسن لهم سوء اءعمالهم ,كما قال سبحانه و تعالى : (زين لهم الشيطان اعمالهم ) ((11)) و(زين لهم سوء اعمالهم ) ((12)) ج - المخلصين : المخلصون : هم الذين اخلصهم اللّه لنفسه بعدما اخلصوا انفسهم للّه , فليس في قلوبهم محل لغيره .
د - ابتلى : بلاه بلاء و ابتلاه ابتلاء: امتحنه و اختبره بالخير و الشر والنعمة و النقمة .
ه - بكلمات : المقصود من الكلمات هنا قضايا امتحن اللّه بها ابراهيم (ع ), مثل ابتلائه بعباد الكواكب و الاصنام ,و احراقه بالنار, و تضحيته بابنه , و امثالها.
و - فاتمهن : اي : اكمل اداءهن .
ز - جاعلك : وردت جعل بمعنى : خلق و اوجد و حكم و شرع و قرر وصير, و الاخير هو المقصود هنا.
خ - اماما: الامام : هو المقتدى للناس في الاقوال و الافعال .
ط - الظالمين : الظلم : وضع الشي ء في غير موضعه , و الظلم - ايضا - تجاوز الحق .
و الظلم ثلاثة انواع : اولا: ظـلـم بـيـن الانـسـان و ربه , و اعظمه الشرك و الكفر, كما قال سبحانه في سورة لقمان : (ان الشرك لظلم عظيم ) ((13)) و في سورة الانعام : (فمن اظلم ممن كذب بيات اللّه ...) ((14)) ثانيا: ظلم بين الانسان و غيره , كما قال سبحانه و تعالى في سورة الشورى : (انما السبيل على الذين يظلمون الناس ) ((15)) ثـالـثـا: ظلم الانسان نفسه , كما قال سبحانه و تعالى في سورة البقرة : (... و من يفعل ذلك فقدظلم نفسه ) ((16)) و في سورة الطلاق : (و من يتعد حدود اللّه فقد ظلم نفسه ) ((17)) و كل نوع من الظلم ظلم للنفس .
يقال لمن اتصف بالظلم في اي زمان من عمره المتقدم منه او المتاخر: ظالم .
ي - همت به و هم بها: هم بالامر: عزم على القيام به و لم يفعله .
ك - راى : راى بالعين : نظر, و بالقلب : ابصر, و ادرك .
ل - برهان : البرهان : اوكد الادلة , و الحجة البينة الفاصلة , و ما رآه يوسف اكثر من هذا.
تاويل الايات : قـال ابليس لرب العالمين : رب بما لعنتني و ابعدتني عن رحمتك لازينن للناس في دار الدنياالاعمال السيئة , كما قال سبحانه : ا - في سورة النحل : (لقد ارسلنا الى اءمم من قبلك فزين لهم الشيطان اعمالهم ) ((18)) ب - في سورة الانفال : (و اذ زين لهم الشيطان اعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم ...) ((19)) ج - فـي سـورة الـنمل : (... يسجدون للشمس من دون اللّه وزين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن السبيل ...) ((20)) و قال الشيطان : لازينن للناس اعمالهم و لاغوينهم اجمعين الا عبادك الذين اصطفيتهم لنفسك .
و قـال اللّه فـي جـوابـه : انـك لا سـلـطة لك على من اتبعك من المنهمكين في الغي و الضلالة , و اخـبـرتـعـالـى عن شان عباده المخلصين في ما حكاه عن خبر يوسف (ع ) و زليخا, حيث قال : (و لقدهمت به و هم بها لولا ان راءى برهان ربه ) في بيت خلا عن كل انسان ما عدا يوسف (ع ).
و زلـيـخا عزيزة مصر و مالكة يوسف , همت ان تنال ماربها من يوسف , و لولا ان يوسف راى برهان ربه لهم بقتلها و هو السوء, او هم بالفحشاء كما هو مقتضى طبيعة الحال التي كان عليهاالفتى مكتمل الـرجـولـة غير المتزوج مع مالكته الفتاة مكتملة الانوثة المترفة في بيت خلا من كل احد, و لكنه راى برهان ربه و استعصم , فقد كان ممن اخلصه اللّه لنفسه .
فما هو البرهان الذي رآه يوسف (ع )؟ و كيف رآه ؟ ان يوسف (ع ) راى آثار العملين على نفسه كالاتي بيانه :

اثر العمل و خلوده و انتشار البركة و الشؤم من بعض الاعمال على الزمان و المكان

امـعـرفـة معنى عصمة الانبياء ينبغي ان ندرس كيفية انتشار البركة و الشؤم على الزمان و المكان وآثار اعمال الانسان في الدنيا و الاخرة , فنستعين اللّه و نقول : قال اللّه سبحانه و تعالى : ا - في سورة البقرة : (شهر رمضان الذي اءنزل فيه القرآن هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) ((21)) ب - في سورة القدر: ت ليلة القدر خير من الف شهر ت و ما ادريك ما ليلة القدر ت (انـا انـزلـنـاه فـي لـيـلـة الـقدر سلام هي حتى مطلع الفجر).
ت تنزل الملائكة و الروح فيها باذن ربهم من كل امر انـزل اللّه الـقـرآن عـلـى خـاتـم انـبيائه في ليلة من ليالي شهر رمضان , فاصبحت تلك الليلة ليلة القدرتتنزل الملائكة و الروح فيها كل سنة بامر ربهم ابد الدهر , و انتشرت البركة من تلك الليلة الى كل شهر رمضان كذلك ابد الدهر.
و ان الجمعة اصبحت مباركة منذ عهد آدم (ع ), و ان عصر التاسع من ذي الحجة اصبح مباركايغفر اللّه ذنوب عباده فيه بمنى لنزول المغفرة على آدم (ع ) فيه , و اصبحت اراضي عرفات والمشعر و منى اراضي مباركة في التاسع و العاشر كم ذي الحجة على كل بني آدم (ع ) بعد ذلك , وبقي اثرها كذلك ابد الدهر.
و كـذلـك اصـبـح اثـر قـدمـي ابـراهيم (ع ) في البيت على تلك الكتلة من الطين التي رقى عليها ابـراهـيـم (ع ) لـبـنـاء جـدار البيت مباركا, فامرنا اللّه باتخاذها مصلى بعد ذلك ابد الدهر و قال : (واتخذوامن مقام ابراهيم مصلى ).
و كذلك الشان في انتشار الشؤم كما كان من امر بيوت عاد في الحجر بعد نزول العذاب عليهم ,كما اخـبـرنـا رسـول اللّه (ص ) عـنـهـا عـنـد مروره عليها في غزوة تبوك , و جاء خبره في كتب الحديث والسيرة , و قالوا ما موجزه : لـمـا سـار رسـول اللّه (ص ) الـى غزوة تبوك في سنة تسع من الهجرة مر بالحجر - ديار ثمود بـوادي الـقـرى فـي طـريـق الشام من المدينة - فنزل قبل ان يمر بها, فاستقى الجيش من بئرها, فـنادى منادي النبي ان : لا تشربوا من ماء بئرهم , و لا تتوضاوا منه للصلاة , فجعل الناس يهريقون ما في اسقيتهم و قالوا: يا رسول اللّه قد عجنا, قال :اعلفوها الابل خوف ان يصيبكم مثل ما اصابهم .
و لما ارتحل و مر بالحجر, سجى ثوبه على وجهه واستحث ((22)) راحلته و فعل الجيش كذلك , وقال رسول اللّه (ص ): لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا الا و انتم باكون .
و جـاء رجل بخاتم وجده في الحجر في بيوت المعذبين , فاعرض عنه و استتر بيده ان ينظر اليه ,و قال :القه ((23)) .
و وقـع نـظـيـر ذلـك لـلامـام عـلـي (ع ) كما رواه نصر بن مزاحم وغيره , و اللفظ لنصر في كتابه وقعة صفين بسنده , قال : كان مخنف بن سليم يساير عليا ببابل ((24)) , فقال الامام علي (ع ): ان ببابل ارضا خسف بهافحرك دابـتك لعلنا نصلي العصر خارجا منها .
قال : فحرك دابته و حرك الناس دوابهم في اثره ,فلما جاز جسر الصراة نزل فصلى بالناس العصر ((25)) .
و في رواية راو آخر: قطعنا مع امير المؤمنين جسر الصراة في وقت العصر, فقال :ان هذه ارض معذبة لا ينبغي لنبي ولا وصي نبي ان يصلي فيها ((26)) .
هكذا كان للبركة انتشار من الزمان الذي بارك اللّه فيه لعبد من عباده المخلصين , و للشؤم انتشارمن الزمان الذي غضب فيه على عبيده الاشقياء.

عصمة خلفاء اللّه عن المعصية

ان لاعمال الناس آثارا خالدة في الدنيا و في الاخرة تتجسد لتخلد ناراوقودها الناس والحجارة , او نـعـيـما في جنات عدن , وكل ذلكم الانتشار و تلكم الاثار يراها عباد اللّه المخلصون ويدركونها, فـتـدفـعـهم الى الاجتهاد في اداء الاعمال الصالحة واجتناب الاعمال السيئة من الفحشاءو السوء و المنكر.
و تـلـكـم الـرؤية هي برهان اللّه الذي يؤتي اللّه من عباده من تزكى و آثر رضى اللّه على هوى النفس الامارة بالسوء, و من ثم لا تصدر من عباده المخلصين معصية موبقة , و مثلهم في ذلك مثل انسان بـصـيـر و آخـر ضـريـر يـسـيـران معا في طريق واحد كثيرة العثرات و المهاوي المردية , يتجنبهاالبصير و ينبه صاحبه الضرير ليتجنبها, او كمثل اءناس عطاشى امامهم ماء تتوق انفسهم الى شـربـه ليبردوا به حرارة عطشهم , و فيهم طبيب معه مجهر نظر من خلاله الى الماء وابصر فيه انواعا من الجراثيم المهلكة , و اخبر صحبه بلزوم تصفية الماء قبل الاستفادة منه .
هـكـذا مـثل عباد اللّه المخلصين في رؤيتهم البرهان و تبصرهم بحقائق الاعمال و آثارها السيئة اوالـحـسـنـة , فـهـم مع تلك الرؤية لقبح فعل المعصية و شناعتها في الدنيا و تجسده نارا محرقة خـالـدة فـي الاخـرة , لا يـمكن ان يقدموا على العمل بها مختارين و غير مجبورين على تركها, او ممنوعين من قبل اللّه من اتيانها.
و مـا يوردون من شبهات حول عصمة الانبياء مستشهدين بايات متشابهة , اخطاوا في تاويل بعضها و فسروا بعضها الاخر بروايات زائفة .
و لكي لا يطول البحث نكتفي بايراد امثلة من النوعين في ماياتي :

روايات مكذوبة على نبي اللّه داود و على خاتم الانبياء

نـدرس مـن هـذا الـنـوع مـن الـروايـات التي وردت في خبر زواج داود بارملة اوريا, و زواج خاتم الانبياء (ص ) بمطلقة زيد كالاتي : زواج داود (ع ) في القرآن الكريم : قال اللّه سبحانه في سورة ص : انا سخرنا الجبال معه ت (اصـبـر عـلـى مـا يـقـولـون و اذكـر عـبـدنا داود ذا الا يد انه اواب و شددنا ملكه و آتيناه الحكمة ت والطير محشورة كل له اواب ت يـسـبـحن بالعشي و الا شراق اذ دخلوا على داود ففزع منهم ت و هل اتاك نباء الخصم اذ تسوروا المحراب ت وفـصل الخطاب قـالـوا لاتـخـف خـصـمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق و لا تشطط و اهدنا الى سواء ان هذا اخي له تسع و تسعون نعجة و لي نعجة واحدة فقال اكفلنيها و عزني في الخطاب ت الصراط قـال لـقد ظلمك بسؤال نعجتك الى نعاجه وان كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض الاالذين ت ت آمـنوا و عملوا الصالحات و قليل ما هم و ظن داود انما فتناه فاستغفر ربه و خر راكعا واناب يا داود انا جعلناك خليفة في الا رض فاحكم بين ت فـغفرنا له ذلك و ان له عندنا لزلفى و حسن مب الناس بالحق ...) ((27))

تاويل الايات في روايات مدرسة الخلفاء:

الـروايـات بـمـدرسـة الـخـلفاء في تاويل آيات خبر حكم داود (ع ) كثيرة , و نحن نكتفي في ما ياتي بايراد ثلاثة نماذج منها باذنه تعالى : ا - رواية وهب بن منبه : روى الطبري في تاويل الاية عن وهب انه قال : لـمـا اجـتمعت بنو اسرائيل على داود, انزل اللّه عليه الزبور, وعلمه صنعة الحديد, فالانه له , و امـرالـجـبـال و الـطـير ان يسبحن معه اذا سبح , و لم يعط اللّه - فيما يذكرون - احدا من خلقه مـثـل صـوتـه , كان اذا قرا الزبور - فيما يذكرون - تدنو له الوحوش حتى ياخذ باعناقها, و انها لـمصيغة تسمع لصوته , و ما صنعت الشياطين المزامير و البرابط و الصنوج الا على اصناف صوته , و كـان شـديـد الاجتهاد, دائب العبادة , فاقام في بني اسرائيل , يحكم فيهم بامر اللّه نبيا مستخلفا, و كـان شـديـد الاجـتـهاد من الانبياء, كثير البكاء, ثم عرض من فتنة تلك المراة ما عرض له , و كان لـه مـحـراب يـتـوحـد فـيـه لتلاوة الزبور و صلاته اذا صلى , و كان اسفل منه جنينة لرجل من بني اسرائيل , كان عند ذلك الرجل المراة التي اصاب داود فيها ما اصابه .
و انـه حين دخل محرابه ذلك اليوم , قال : لا يدخلن علي محرابي اليوم احد حتى الليل , و لايشغلني شـي ء عما خلوت له حتى اءمسي , و دخل محرابه و نشر زبوره يقرؤه , و في المحراب كوة تطلعه على تلك الجنينة , فبينا هو جالس يقرا زبوره , اذ اقبلت حمامة من ذهب حتى وقعت في الكوة , فرفع راسـه فـرآها فاعجبته , ثم ذكر ما كان قال : لا يشغله شي ء عما دخل له , فنكس راسه , و اقبل على زبـوره , فـتصوبت الحمامة للبلاء و الاختبار من الكوة , فوقعت بين يديه ,فتناولها بيده , فاستاخرت غير بعيد, فاتبعها, فنهضت الى الكوة , فتناولها في الكوة , فتصوبت الى الجنينة , فاتبعها بصره اين تقع , فاذا المراة جالسة تغتسل , بهيئة اللّه اعلم بها في الجمال و الحسن والخلق .
فـيـزعـمون انها لما راته نقضت راسها فوارت به جسدها منه , واختطفت قلبه , و رجع الى زبوره ومـجـلـسـه , و هـي مـن شانه , لا يفارق قلبه ذكرها, و تمادى به البلاء, حتى اغزى زوجها, ثم امرصاحب جيشه - فيما يزعم اهل الكتاب - ان يقدم زوجها للمهالك , حتى اصابه بعض ما اراد به من الهلاك , و لداود تسع و تسعون امراة , فلما اصيب زوجها خطبها داود, فنكحها, فبعث اللّه اليه وهو فـي مـحـرابه ملكين يختصمان اليه , مثلا يضربه له و لصاحبه , فلم يرع داود الا بهما واقفين على راسـه فـي محرابه , فقال : ما ادخلكما علي ؟ قالا: لا تخف , لم ندخل لباس و لا لريبة (خصمان بغى بـعضنا على بعض ) فجئناك لتقضي بيننا (فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط و اهدناالى سواء الصراط) اي : احـمـلـنـا على الحق , و لا تخالف بنا الى غيره , قال الملك الذي يتكلم عن اوريا بن حنانيا زوج الـمـراة : (ان هـذا اخي ) اءي : على ديني (له تسع و تسعون نعجة و لي نعجة واحدة فقال اكفلنيها) اءي : احملني عليها, ثم (عزني في الخطاب ) اءي : قهرني في الخطاب ,وكان اقوى مني هو و اعز, فحاز نعجتي الى نعاجه , و تركني لا شي ء لي .
فـغـضب داود, فنظر الى خصمه الذي لم يتكلم , فقال : لئن كان صدقني ما يقول , لاضربن بين عينيك بـالفاس , ثم ارعوى داود, فعرف انه هو الذي يراد بما صنع في امراة اوريا, فوقع ساجداتائبا منيبا بـاكـيا, فسجد اربعين صباحا صائما لا ياكل فيها ولا يشرب , حتى انبت دمعه الخضرتحت وجهه و حتى اندب السجود في لحم وجهه , فتاب اللّه عليه و قبل منه .
و يـزعـمون انه قال : اي رب غفرت ما جنيت في شان المراة , فكيف بدم القتيل المظلوم ؟ قيل له :يا داود - فيما زعم اهل الكتاب - اما ان ربك لم يظلمه بدمه و لكنه سيساله اياك فيعطيه , فيضعه عنك , فـلما فرج عن داود ما كان فيه رسم خطيئته في كفه اليمنى : بطن راحته , فما رفع الى فيه طعاما و لا شرابا قط الا بكى اذا رآها, و ما قام خطيبا في الناس قط الا نشر راحته فاستقبل بهاالناس ليروا رسم خطيئته ((28)) .
ب - رواية الحسن البصري : روى الطبري و السيوطي في تفسير الاية عن الحسن البصري انه قال : ان داود جـزا الـدهـر اربـعـة اجزاء: يوما لنسائه , و يوما لعبادته , و يوما لقضاء بني اسرائيل , و يـومـالـنـبي اسرائيل , يذاكرهم ويذاكرونه , و يبكيهم و يبكونه , فلما كان يوم بني اسرائيل قال : ذكروا,فقالوا: هي ياتي على الانسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فاضمر داود في نفسه انه سيطيق ذلك , فـلـمـاكـان يوم عبادته , اغلق ابوابه , و امر ان لا يدخل عليه احد, و اكب على التوراة , فبينما هو يـقـرؤهـا,فـاذا حمامة من ذهب , فيها من كل لون حسن , قد وقعت بين يديه , فاهوى اليها لياخذها , قـال :فـطـارت , فـوقـعـت غير بعيد من غير ان تؤيسه من نفسها, قال : فما زال يتبعها حتى اشرف عـلـى امـراة تـغـتـسـل , فـاعـجـبه خلقها و حسنها, قال : فلما رات ظله في الارض , جللت نفسها بـشعرها,فزاده ذلك ايضا اعجابا بها, وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه , فكتب اليه يسير الى مكان كذا و كذا, مكان اذا سار اليه لم يرجع , قال : ففعل , فاءصيب , فخطبها فتزوجها ((29)) .
ج - رواية يزيد الرقاشي عن انس بن مالك : اخرج الطبري و السيوطي بتفسير الاية بسندهما عن يزيد الرقاشي ما موجزه : عن يزيد الرقاشي عن انس بن مالك , سمعه يقول : سمعت رسول اللّه (ص ) يقول :ان داود (ع )حين نظر الى المراة قطع على بني اسرائيل و اوصى صاحب الجيش , فقال : اذا حضر العدوتضرب فلانا بـين يدي التابوت , و كان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به من قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يـقـتـل او يـنـهزم منه الجيش , فقتل و تزوج المراة , و نزل الملكان على داود(ع ), فسجد فمكث اربـعـيـن لـيلة ساجدا حتى نبت الزرع من دموعه على راسه , فاكلت الارض جبينه و هو يقول في سـجـوده : رب زل داود زلـة ابعد مما بين المشرق و المغرب , رب ان لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنوبه جعلت ذنبه حديثا في المخلوق من بعده .
فـجـاء جـبرئيل (ع ) من بعد.
ربعين ليلة فقال : يا داود ان اللّه قد غفر لك و قد عرفت ان اللّه عدل لايميل , فكيف بفلان اذا جاء يوم القيامة فقال : يا رب دمي الذي عند داود؟ قال جبرئيل : ما سالت ربك عـن ذلـك فان شئت لافعلن , فقال : نعم , ففرح جبرئيل و سجد داود (ع ), فمكث ما شاء اللّه ثم نزل فـقـال : قـد سـالـت اللّه يـا داود عـن الـذي ارسـلـتني فيه , فقال : قل لداود ان اللّه يجمعكما يوم الـقـيامة فيقول :: هب لي دمك الذي عند داود, فيقول : هو لك يا رب , فيقول : فان لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضا... ((30)) .
هكذا جاءت الروايات عن خبر نبي اللّه داود (ع ) في التفاسير, و في ما ياتي ندرس اسانيدها: دراسة اسانيد الروايات ا - وهب بن منبه : كان ابوه من ابناء الفرس الذين بعث بهم كسرى الى اليمن , وفي ترجمته بطبقات ابن سعد ماموجزه : قـال وهب : قرات اثنين و تسعين كتابا كلها اءنزلت من السماء, اثنان و سبعون منها في الكنائس وفي ايدي الناس , و عشرون لا يعلمها الا قليل .
و قـال الدكتور جواد علي : يقال ان وهبا من اصل يهودي , وكان يزعم انه يتقن اليونانية والسريانية و الحميرية و قراءة الكتابات القديمة .
و ذكر في كشف الظنون من تليفه قصص الانبياء ((31)) .
ب - الحسن البصري : ابـو سعيد, كان ابوه مولى زيد بن ثابت الانصاري , ولد لسنتين بقيت من خلافة عمر, و عاش ومات فـي الـبصرة 110 ه, و كان غاية في الفصاحة و البلاغة , مهابا عند الناس و سلطة الخلافة , واماما لاتباع مدرسة الخلفاء بالبصرة ((32)) .
رايه : يـظـهـر مـن روايـات وردت بـترجمته في طبقات ابن سعد انه كان يقول بالقدر و يناظر فيه , ثم رجع عنه , و انه كان لا يرى الخروج على السلطة الظالمة كسلطة الحجاج .
قيمة رواياته : في ترجمته بميزان العتدال ((33)) : كـان الـحـسن كثير التدليس فاذا قال في حديث : عن فلان ضعف لحاجة , و لا سيما عمن قيل انه لم يسمع منهم كابي هريرة ونحوه , فعدوا ما كان له عن ابي هريرة في جملة المنقطع , و ا للّه اعلم .
اي : ان الـحـسـن اذا قال في الحديث :عن فلان ضعفت روايته عن فلان لحاجته الى ذلك القول ,لا سـيما في ما يرويه عمن لم يسمعهم , مثل رواياته عن ابي هريرة و نحوها ممن روى عنهم في حين انه لم يشاهدهم .
و برتجمته بطبقات ابن سعد عن علي بن زيد انه قال : حـدثـت الحسن بحديث فاذا هو يحدث به , قال : قلت : يا ابا سعيد حدثتكم .
و روى - ايـضـا - انه قيل له : ارايت ما تفتي الناس اشياء سمعتها ام برايك ؟ فقال : لا و اللّه ما كل ما نفتي به سمعناه , و لكن راينا خير لهم من رايهم لانفسهم ((34)) .
تـخـرج مـن مـدرسـتـه واصل بن عطاء (ت :131ه) مؤسس مذهب الاعتزال , و ابن ابي العوجاء احدمشاهير الزنادقة .
قيل له : تركت مذهب صاحبك و دخلت في ما لا اصل له ولا حقيقة طورا بالقدر وطورا بالجبر, فما اعلمه اعتقد مذهبا فدام عليه .
قـتله على الزندقة والي الكوفة 155 ه, قال عند قتله : لئن قتلتموني لقد وضعت اربعة آلاف حديث اءحـرم فـيـه مـا اءحـل اللّه , واءحـلـل فـيـه مـا حـرم اللّه , فـطـرتكم يوم صومكم و صومتكم يوم فطركم ((35)) .
ج - يزيد بن ابان الرقاشي : المحدث القاص البصري و الزاهد البكاء من غير دراية و فقه .
في ترجمته في تهذيب الكمال للمزي و تهذيب التهذيب لابن حجر ما موجزه ((36)) : ا - عن زهده : جوع نفسه و عطشها, ذبل جسمه و نهك بدنه و تغير لونه , كان يبكي و يبكي جلساءه و يقول -مثلا -: تـعالوا نبكي على الماء البارد يوم الظما, و يقول : على الماء البارد السلام بالنهار, قال :وفعل ما لم يقله رسول اللّه و لم يفعله , و قال اللّه سبحانه : (قل من حرم زينة اللّه التي اخرج لعباده و الطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا).
ب - عن رايه : كان ضعيفا قدريا ((37)) .
ج - عن قيمة رواياته : رووا عـن شـعـبـة انه قال : لان اقطع الطريق احب الي من ان اروي , و قال : لان ازني احب الي من ان اروي عنه .
و قالوا في حديثه : منكر الحديث , متروك الحديث , لا يكتب حديثه و قال ابو حاتم : كان واعظا بكاء كثير الرواية عن انس بما فيه نظر, و في حديثه ضعف .
و فـي تـهـذيب التهذيب : قال ابن حبان : كان من خيار عباد اللّه من البكائين بالليل , لكنه غفل عن حفظ الـحـديـث شـغـلا بـالعبادة حتى كان يقلب كلام الحسن فيجعله عن انس عن النبي (ص ), فلاتحل الرواية عنه الا على جهة التعجب .
وفاته : توفي يزيد بن ابان قبل العشرين و مائة هجرية ((38)) .
دراسة متون الروايات اولا - رواية وهب : مـوجـز الـروايـة : ان الـنـبـي داود (ع ) خلا بنفسه يوما للعبادة واكب على التوراة يقرؤها, اذ اقـبـلـت حـمـامـة من ذهب فوقعت بين يديه , فاهوى اليها لياخذها, فطارت غير بعيد عنه , فما زال يتبعهاحتى اشرف على امراة جاره اوريا, و كانت عارية تغتسل , فاعجبه جمالها, فلما احست به جللت نـفـسها بشعرها, فازداد افتتانا بها, فدبر امر قتل زوجها الذي كان في الغزو, ثم تزوجها,فتسور عليه الملكان , و كان من امرهما ما تحدث عنه القرآن الكريم .
فـي هذه الرواية جاء مرة : قال وهب , و اخرى : قال في ما يزعم اهل اكتاب , و بذلك خرج من عهدة روايتها.
و لـمـا رجـعـنـا الى التوراة وجدنا في سفر صموئيل الثاني خبر رؤية داود يستتبع زوجة جاره اوريـامـن سـطـح داره , و اعـجـابـه بها, وجلبه اياها الى داره , و انه ضاجعها فحملت سفاحا, الى آخرالقصة .
و يـظـهـر مـن مـقـارنة رواية وهب هذه بما جاء في خبر داود في سفر صموئيل من التوراة انه اخـذبـعـض القصة من التوراة و بعضا آخر منها من كتب اسرائيلية اءخرى كان قراءها - كما كان يـخـبـرعـن قـراءتـه ايـاهـا -, و هـذا الـنـوع مـن الـروايـات سـمي في علم دراية الحديث ب:الروايات الاسرائيلية اوالاسرائيليات .
ثانيا - رواية الحسن البصري : ان مـوجـز روايـة البصري هو موجز رواية وهب نفسه , غير ان البصري اضاف في اول القصة : ان داود كـان قـد جـزا الـدهر اربعة ايام , و لسنا ندري هل اضافه اليها من خياله و ابتكاره , او انه اخذه من راو آخر من رواة الاسرائيليات ؟ و عـلـى اي حـال , لم يذكر البصري سند روايته هذه , و انما ارسلها ارسالا, و لو انه حين رواها ذكـرمـصـدرها و قال : انه رواها من وهب من منبه , او غيره من رواة الروايات الاسرائيلية , لهان الامـر وتـمـكـن الـبـاحـثـون من العثور على مصدر الرواية و ادركوا بسهولة انها من الروايات الاسـرائيلية , وبارسالها الرواية غم امر الرواية على الباحثين , و بما انه امام الائمة في العقائد في مدرسة الخلفاء, فقد كان لروايته اثر مضاعف على فهم العقائد الاسلامية .
و جـل رواة الـروايـات الاسـرائيـلـيـة يـفـعـلـون مـا فعله البصري ويرسلون ما يروونه من الـروايـات الاسـرائيـلية دون ذكر مصدر الرواية , و من ثم يغم امر تلك الروايات على غير اهل دراية الحديث .
ثالثا - رواية يزيد الرقاشي : ان يـزيـد بن ابان قال : انه سمعها من الصحابي انس الذي سمعها من رسول اللّه (ص ), و بذلك كذب عـلى انس و على رسول اللّه (ص ), و هو الزاهد العابد البكاء, و كم يكون اثر رواية يرويهاامثال يـزيد من العبادفي وعظهم و قصصهم ؟ الـرقاشي اسند ما سمعه من الحسن البصري الى الصحابي انس الى رسول اللّه (ص ), و ياتي بعدهم الـمـفـسـرون امـثـال الـطـبري (ت 310ه) الى السيوطي (ت 911ه) و يوردون تلك الاساطير في تفاسيرهم .
و الامـر لا يـقتصر على من ذكرناهم هنا من رواة الروايات الاسرائيلية , بل يتعداهم الى غيرهم من صحابة و تابعين , مثل : 1- عـبد اللّه بن عمرو بن العاص : الذي اصاب راحلتين من كتب اهل الكتاب في بعض الغزوات ,و كان يروي عنهما دونما ذكر لمصدر رواياته .
2- تـميم الداري : الذي اسلم بعد ان كان راهب النصارى , وكان يقص في مسجد الرسول (ص )يوم الجمعة قبل خطبة عمر بن الخطاب , و يقص يومين في الاسبوع على عهد عثمان .
3- كـعـب الاحـبـار: كـان قـد اسلم على عهد عمر, و اصبح من علماء المسلمين على عهد عمر وعثمان .
ثم من اخذ من هؤلاء و الف تفسير القرآن مثل : 4- مقاتل بن سليمان المروزي الازدي بالولاء (ت 150ه).
كان مشهورا بتفسير كتاب اللّه , و قال الشافعي : الـنـاس كـلـهـم عـيـال على ثلاثة : على مقاتل بن سليمان في التفسير, و على زهير بن ابي سلمى في الشعر, و على ابي حنيفة في الكلام .
كـم يـا تـرى دس مـقـاتـل مـن الاسـرائيليات في رواياته التي اعتمدوها, و كم اختلق مما روى واسند؟ ((39)) .
نتيجة الدراسة : نقل وهب الرواية المفتراة على نبي اللّه داود (ع ) من كتب اهل الكتاب و صرح بمصدرها, ورواها الحسن و ارسلها دون الاشارة الى مصدرها, و دلس المحدث القاص الزاهد العابد البكاءيزيد بن ابان و قال : سمعها انس من رسول اللّه (ص ).
و لا يـقـتـصـر هـذا الـنوع من التدليس و اسناد الروايات الاسرائيلية الى الصحابة بهذا المورد وحده ,و الى هذا الصحابي وحده , فقد اكثروا في اسناد امثالها الى الصحابي ابن عم النبي (ص ) عبد اللّه بـن عـبـاس , و نـحتاج لدراستها الى بحوث مقارنة مبسوطة , و بمراجعة الصفحة الاخيرة من تفسيرالسيوطي الدر المنثور ينكشف لنا بعض الامر.
و هـكـذا نـجـد مـنـشـا الـخـبـر الـمـفـترى على داود (ع ) قصص التوراة , و كذلك تسربت الاخبارالاسرائيلية الى تفسير القرآن , فكونت للمسلمين رؤية غير صحيحة عن سيرة الانبياء, و كـان ذلـكـم خبر زواج داود (ع ) بارملة اوريا و ما افتروا عليه في ذلك , ومنشاءه , و الصحيح من خبره , وفي ما ياتي الصحيح من خبر زواج زينب بنت جحش بزيد ثم برسول اللّه (ص ).
خبر زواج الرسول بزينب بنت جحش في الرواية : قال الخازن في تفسير آية : (و تخفي في نفسك ...).
و اصـح مـا فـي هذا الباب ما روي عن سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان , قال : سالني زين العابدين علي بن الحسين قال : ما يقول الحسن - اي البصري - في قوله تعالى : (وتخفي في نفسك ما اللّه مـبديه و تخشى الناس و اللّه احق ان تخشاه )؟قلت :: يقول : لما جاء زيدالى رسول اللّه (ص ) فقال : يا رسول اللّه فـقـال عـلـي بن الحسين :ليس كذلك , فان اللّه عز و جل اعلمه انها ستكون من ازواجه , و ان زيدا سـيـطلقها, فلما جاء زيد قال : اني اريد ان اطلقها, قال له : امسك عليك زوجك , فعاتبه اللّه و قال : لم قلت امسك عليك زوجك و قد اعلمتك انها ستكون من ازواجك ؟.
قال الخازن : و هذا هو الاولى و الاليق بحال الانبياء, و هو مطابق للتلاوة ....
و تفصيل خبر زواج زينب بزيد اولا ثم بالنبي (ص ) في الايات و الروايات كالاتي : الايات في خبر زواج الرسول (ص ) بزينب بنت جحش قال اللّه سبحانه في سورة الاحزاب : (و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة اذا قضى اللّه و رسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم و من يعص و اذ تقول للذي انعم اللّه عليه و انعمت عليه امسك عليك ت اللّه و رسـولـه فـقد ضل ضلالا مبينا زوجـك و اتق اللّه و تخفي في نفسك ما اللّه مبديه و تخشى الناس و اللّه احق اءن تخشاه فلماقضى زيـد مـنـهـا وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ازواج ادعيائهم اذا قضوامنهن ما كان على النبي من حرج فيما فرض اللّه له سنة اللّه في ت وطـرا و كـان امـر اللّه مـفـعـولا الذين يبلغون رسالات اللّه و يخشونه و لا ت الـذيـن خـلـوا من قبل و كان امر اللّه قدرا مقدورا ما كان محمد ابا احد من رجالكم و لكن رسول اللّه و ت يـخـشون احدا الا اللّه و كفى باللّه حسيبا خاتم النبيين و كان اللّه بكل شي ء عليما) ((40)) تاويل الايات في روايات مدرسة الخلفاء: روى الطبري في تاويل الاية عن وهب بن منبه : ان النبي (ص ) كان قد زوج زيد بن حارثة زينب بنت جـحش ابنة عمته , فخرج رسول اللّه (ص ) يوما يريده , و على الباب ستر من شعر, فرفعت الريح الستر فانكشف و هي في حجرتها حاسرة , فوقع اعجابها في قلب النبي (ص ), فلما وقع ذلك كرهت الى الاخر, فجاء زيد فقال : يا رسول اللّه (ص ) اني اريد ان اءفارق صاحبتي , قال : مالك ؟ ارابك منها شي ء؟ قال : لا و اللّه ما رابني منها شي ء يا رسول اللّه و لا رايت الا خيرا...الحديث ((41)) .
و وردت - ايـضـا - روايـة اءخـرى فـي هـذا الـصـدد بـالمضمون نفسه عن الحسن البصري , سوف نوردها ضمن روايات اهل البيت في تاويل الايات ان شاء اللّه تعالى .
دراسة الروايتين : ا - سندهما: نقلوا الروايتين عن وهب بن منبه و الحسن البصري , و نضيف الى ما اوردناه في ترجمتها: ان كليهما كـانـا قـد ولـدا بعد رسول اللّه (ص ) باعوام , فكيف يرويان عما حدث في عصر رسول اللّه (ص ) ويرسلانه ارسالا دونما ذكر مصدرهما؟ ب - متنهما: مـحور الخبر ان الرسول (ص ) اعجبه جمال زينب عندما رآها بغتة بلا حجاب , و رغب في طلاق زيد اياها, و اخفى ذلك في نفسه .
و بـيان زيف ذلك : ان زينب كانت ابنة عمة النبي (ص ), و قد نزل حكم الحجاب بعد زواج الرسول (ص ) بـزيـنـب , و كـان قـد رآهـا قـبـل ان يـتـزوجـها من زيد مرارا و تكرارا, و قد افترى عـلـى رسـول اللّه (ص ) مـن قـال ذلـك , و الـصحيح في الخبر ما ننقله عن كتب السيرة في ما ياتي باذنه تعالى : خبر زواج زينب بزيد اولا ثم النبي (ص ) بعد طلاق زيد اياها : كـان مـن خبر زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي انه اصابه سباء في الجاهلية و بيع في بعض اسواق الـعرب , فاشتري لخديجة , ثم وهبته خديجة للنبي (ص ) قبل ان يبعث و هو ابن ثماني سنين , فنشا عند النبي (ص ), و بلغ الخبر اهله , فقدم ابوه و عمه مكة لفدائه , فدخلا على النبي (ص ) و قالا: يا ابـن عـبد المطلب فدائه اءدعـوه وخيروه فان اختاركم فهو لكم , و ان اختارني فو اللّه ما اءنا بالذي اختار على من اختارني احدا, قالا: زدتنا على النصف و احسنت , فدعاه رسول اللّه (ص ) فقال :هل تعرف هؤلاء؟ قال : نعم هذا ابي , و هذا عمي و مـا انـا بـالذي اختار عليك احدا, انت مني مكان الاب والعم على الحرية و على ابيك و اهل بيتك ؟ قال : نعم , ورايت من هذا الرجل شيئا ما انا بالذي اختار عليه احـدا ابدا, فلما راى رسول اللّه (ص ) ذلك اخرجه الى الحجر - في بيت اللّه - فقال : يا من حضر اشهدوا ان زيدا ابني يرثني و ارثه , فلماراى ذلك ابوه وعمه طابت نفوسهما و انصرفا ((42)) .
و نـسـب زيـد بـعد ذلك الى رسول اللّه (ص ) و قيل له : زيد ابن محمد (ص ), و زوجه الرسول (ص )مـن امته و حاضنته السوداء الحبشية , و كانت قد تزوجت قبله من عبيد الحبشي و ولدت له ايمن فكنيت باءم اءيمن , فولدت في مكة اءسامة من زيد ((43)) .
كان ذلكم خبر تبني الرسول (ص ) لزيد, ثم تزوج النبي (ص ) زينب كالاتي خبره : خبر زواج زيد من زينب ابنة عمة الرسول (ص ): بـعـد الـهـجـرة الـى الـمـديـنـة خـطب زينب ابنة اميمة ابنة عبد المطلب عدة من اصحاب النبي (ص ),فـارسـلت اخاها الى النبي (ص ) تستشيره في امرها, فقال : فاين هي ممن يعلمهاكتاب ربها و سـنـة نـبيها؟ فسالت : من هو؟ فقال : زيد انـاخير منه حسبا ((44)) , فانزل اللّه تعالى : (و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة اذا قضى اللّه ورسـولـه امـرا اءن يـكـون لـهم الخيرة من امرهم و من يعص اللّه و رسوله فقد ضل ضلالا مـبـيـنـا) ((45)) ,فرضيت , فزوجها الرسول (ص ) من زيد بعد ام ايمن السوداء الحبشية , و لها اءسـامـة بن زيد,فكانت تعلو على زيد و تشتد و تاخذه بلسانها, فكان يشكوها الى الرسول (ص ) و يحاول تطليقها, و اقتضت مشيئة اللّه وحكمته ان يتزوجها الرسول (ص ) بعد زيد ليلغي بذلك التبني بـيـن الـمـسلمين , و اشعره الوحي بذلك , فخشي الرسول (ص ) ان يقول الناس : تزوج حليلة ابنه , فـكـتم الوحي في نفسه و قال لزيد: اتق اللّه و امسك عليك زوجك , و لما ضاق زيد ذرعا بزوجته زيـنب طلقها و انقضت عدتها, فنزلت الايات على الرسول (ص ) مرة واحدة تخبر عما وقع و تبين حكم المتبني في شريعة الاسلام .