الـوالـي مـن قـبـل يـزيد عمرو بن سعيد, وتدافع الفريقان واضطربوا, بالسياط, وامتنع الحسين واصحابه منهم امتناعا قويا, ومضى , فنادوه : يا حسين : الا تتقي اللّه هـذه الامـة فـتـاول الحسين قول اللّه عزوجل (لي عملي ولكم عملكم انتم بريئون مما اعمل وانا بري ء مما تعملون ) ((132)) .

مع عبد اللّه بن جعفر وكتاب الوالي :

فـكـتـب الـيه عبد اللّه بن جعفر مع ابنيه عون ومحمد: اما بعد, فاني اسالك باللّه لما انصرفت حين تـنـظر في كتابي فاني مشفق عليك من الوجه الذي توجهت له ان يكون فيه هلاكك واستئصال اهل بيتك , وان هلكت اليوم طفى ء نور الارض , فانك علم المهتدين , ورجاء المؤمنين , فلا تعجل بالسير, فاني في اثر الكتاب والسلام .
وطـلب من عمرو بن سعيد ان يكتب له امانا ويمنيه البر والصلة ويبعث به اليه , فكتب : اما بعد, فاني اسال اللّه ان يصرفك عما يوبقك , وان يهديك لما يرشدك , بلغني انك توجهت الى العراق , واني اعيذك باللّه من الشقاق , فاني اخاف عليك فيه الهلاك , وقد بعثت اليك عبد اللّه بن جعفر, ويحيى بن سعيد ـ اخا الوالي ـ فاقبل .
الـي معهما, فان لك عندي الامان , والصلة والبر وحسن الجوار فذهبا بالكتاب ولحقا الامام الحسين , واقـراه يـحيى الكتاب فجهدا به , وكان مما اعتذر به ان قال : اني رايت رؤيا فيها رسول اللّه (ص ) وامـرت فـيها بامر انا ماض له علي كان او لي , فقالا: فما تلك الرؤيا؟ قال : ماحدثت بها احدا وما انا محدث به حتى القى ربي ((133)) .
وكتب الامام الحسين (ع ) في جواب عمرو بن سعيد: اما بعد فانه لم يشاقق اللّه ورسوله من دعا الى اللّه عزوجل وقال انني من المسلمين , وقد دعوت الى الامان والبر والصلة , فخير الامان امان اللّه , ولـن يـؤمـن اللّه يـوم القيامة من لم يخفه في الدنيا, فنسئل اللّه مخافة في الدنيا توجب لن امانه يوم القيامة , فان كنت نويت بالكتاب صلتي وبري , فجزيت خيرا ((134)) .

كتاب عمرة بنت عبد الرحمن :

وفـي تـاريـخ ابـن عساكر: كتبت اليه عمرة بن عبد الرحمن تعظم عليه ما يريد ان يصنع , وتامره بـالـطـاعة ولزوم الجماعة , وتخبرة انه انما يساق الى مصرعه , وتقول : اشهد لحدثتني عائشة انها سـمـعـت رسـول اللّه (ص ) يـقول : يقتل حسين بارض بابل : فلما قرا كتابها, قال : فلابد لي اذا من مصرعي , ومضى ((135)) .

مع ابن عمر:

وفـيه ايضا: ان عبد اللّه بن عمر كان بمال له فبلغه ان الحسين بن علي قد توجه الى العراق , فلحقه عـلـى مـسـيـرة ثـلاثة ليال , ونهاه عن المسير الى العراق فابى الحسين , فاعتنقه ابن عمر, وقال : استودعك اللّه من قتيل ((136)) .
وفـي فتوح ابن اعثم , ومقتل الخوارزمي , ومثير الاحزان , وغيرها, واللفظ للاخير: ان ابن عمر لما بلغه توجه الحسين الى العراق لحقه واشار عليه بالطاعة والانقياد, فقال له الحسين : يا عبد اللّه اما علمت ان من هوان الدنيا على اللّه ان راس يحيى بن زكريا اهدى الى بغي من بغايا بني اسرائيل ـ الى قوله ـ فلم يعجل اللّه .
عـلـيـهـم بـل اخـذهـم بـعد ذلك اخذ عزيز مقتدر, ثم قال : اتق اللّه يا ابا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي ((137)) .
.

توجه الامام الحسين (ع ) الى العراق

خطبة الامام (ع ):

وفـي مـثير الاحزان بعد المحاورة السابقة : ثم قام خطيبا فقال : الحمد للّه وماشاء اللّه , ولا قوة الا باللّه , خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة , وما اولهني الى اسلافي اشتياق يعقوب الـى يـوسـف , وخـيـر لـي مصرع انا لاقيه , كاني باوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكـربلا, فيملان مني اكراشا جوفا واحوية سغبا, لا محيص عن يوم خط بالقلم , رضا اللّه رضانا اهـل الـبـيـت , نـصـبر على بلائه ويوفينا اجور الصابرين , لن تشذ عن رسول اللّه لحمته , وهي مجموعة له في حظيرة القدس , تقر بهم عينه وينجز بهم وعده , من كان باذلا فينا مهجته , وموطنا على لقاء اللّه نفسه , فليرحل معنا فاني راحل مصبحا ان شاء اللّه ((138)) .

لفت نظر:

لـم نـتوخ في ايراد هذه المحاورات تسجيلها حسب تسلسلها الزماني او المكاني كي نبحث عنها ثم نـرتـب تدوينها حسبما يؤدي اليه البحث لانا استهدفنا في هذا البحث اعطاء صورة عن رؤية الامام الحسين (ع ) ورؤية معاصرية لواقعة استشهاده , لنتمكن من معرفة حكمة استشهاده وآثارها, وكان يكفينا في هذا المقام ايراد المحاورات والحوادث حسبما ادى اليه ظننا, وهكذا فعلنا.

اوامر الخليفة يزيد:

ولـمـا بلغ يزيد نبا مسير الامام كتب الى ابن زياد: انه قد بلغني ان حسينا قد سار الى الكوفة , وقد ابتلي به زمانك من بين الازمان , وبلدك من بين البلدان , وابتليت به انت من بين العمال , وعندما تعتق او تعود عبدا كما تعتبد العبيد ((139)) .
لـعـل يـزيـد يشير في كتابه الى ان زيادا والد عبيد اللّه بن زياد, ولد من ابوين عبدين وهما عبيد وسـمـيـة , وبعد ان الحقه معاوية بابيه ابي سفيان , اصبح امويا ((140)) ومن الاحرار في حساب العرف القبلي الجاهلي , ان يزيد يهدد ابن زياد ان لم يقم بواجبه في القضاء على الحسين فانه سينفيه من نسب آل ابي سفيان فيعود عبدا.
وفي رواية : ان عمرو بن سعيد ايضا كتب الى ابن زياد نظير هذا الكتاب ((141)) .

مع الفرزدق :

سـار الامـام الـحـسين (ع ) حتى انتهى الى الصفاح ((142)) فلقيه الفرزدق بن غالب الشاعر فقال للامام : بابي انت وامي يا ابن رسول اللّه ما اعجلك عن الحج فقال : لو لم اعجل لاخذت .
ثـم سـال الـفـرزدق عـن نبا الناس خلفه فقال له الفرزدق : قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني امية والقضاء ينزل من السماء.
فـقـال له الحسين : صدقت , للّه الامر, واللّه يفعل ما يشاء, وكل يوم ربنا في شان ان نزل القضاء بما نحب فنحمد اللّه على نعمائه , وهو المستعان على اداء الشكر وان حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد من كان الحق نيته , والتقوى سريرته , ثم حرك الحسين راحلته فقال : السلام عليك ((143)) .
ولـمـا بـلغ الحاجز ارسل الى اهل الكوفة بكتاب يخبرهم فيه انه خرج من مكة يوم التروية متجها اليهم ((144)) .

مع عبد اللّه بن مطيع ((145)):

وفي بعض المياه التقى بعبد اللّه بن مطيع العدوي فقال ابن مطيع : بابي انت وامي يا ابن رسول اللّه ما اقدمك ؟.
فـاخـبره الحسين بخبره فقال ابن مطيع : اذكرك اللّه يا ابن رسول اللّه وحرمة الاسلام ان تنتهك , انشدك اللّه في حرمة رسول اللّه (ص ), انشدك اللّه في حرمة العرب , فو اللّه لئن طلبت مافي ايدي بـنـي امـية ليقتلنك , لئن قتلوك لا يهابون بعدك احدا ابدا, واللّه انها لحرمة الاسلام تنتهك , وحرمة قـريـش وحـرمـة الـعـرب , فـلا تـفـعـل ولا تـات الـكـوفة ولا تعرض لبني امية , فابى الا ان يمضي ((146)) .
وفي رواية , فقال الحسين : لن يصيبنا الا ما كتب اللّه لنا, ثم ودعه ومضى ((147)) .

من راى ان الحسين (ع ) لا يجوز فيه السلاح :

خـلافا لمن سبق ذكر رايه كان عبد اللّه بن عمرو بن العاص من عصبة الخلافة من الصحابة يامر الناس باتباع الامام الحسين (ع ), قال : الفرزدق بعد ذكر لقاءه للامام الحسين (ع ):
ثـم مـضـيت فاذا بفسطاط مضروب في الحرم وهيئته حسنة فاتيته فاذا هو لعبد اللّه بن عمرو بن العاص , فسالني فاخبرته بلقاء الحسين بن علي , فقال لي : ويلك فهلا اتبعته , فو اللّه ليملكن ولايجوز السلاح فيه ولا في اصحابه .
قـال فـهـمـمت واللّه ان الحق به ووقع في قلبي مقالته , ثم ذكرت الانبياء وقتلهم فصدني ذلك عن اللحاق بهم الحديث ((148)) .

مع زهير بن القين :

سـار الامـام الـحسين حتى نزل زرود فالتقى فيه بزهير بن القين ـ وكان عثمانيا ((149)) ـ قال الراوي الذي كان مع زهير: اقبلنا من مكة نساير الحسين فلم يكن شي ء ابغض الينا من ان نسايره في منزل , فاذا سار الحسين تخلف زهير واذا نزل تقدم , حتى نزلنا منزلا لم نجد بدا من ان ننازله فيه , فـنـزل الحسين في جانب ونزلنا في جانب , فبينا نحن جلوس نتغدى اذ اقبل رسول الحسين فسلم , وقـال : يازهير بن القين فـي يـده حـتى كاننا على رؤوسنا الطير فقالت له زوجته : ايبعث اليك ابن رسول اللّه ثم لا تاتيه ؟ سـبـحان اللّه وجهه , فامر بفسطاطه ومتاعه فحمل الى الحسين , ثم قال لامراته : انت طالق الحقي باهلك , فاني لا احـب ان يصيبك من سببي الا خير, ثم قال : لاصحابه : من احب منكم ان يتبعني والا فانه آخر العهد (وفـي روايـة : مـن احب منكم الشهادة فليقم ومن كرهها فليتقدم ) ((150)) اني ساحدثكم حديثا, غـزونـا بلنجر, ففتح اللّه علينا واصبنا غنائم , فقال لنا: سلمان الباهلي : افرحتم عليكم واصبتم من المغانم ؟ فقلنا: نعم فقال لنا اذا ادركتم شباب آل محمد ـ وفي رواية : سيد شباب .
اهـل مـحمد ((151)) ـ فكونوا اشد فرحا بقتالكم معهم بما اصبتم من الغنائم , فاما انا فاستودعكم اللّه ((152)) فقالت له زوجته : خار اللّه لك , واسالك ان تذكرني يوم القيامة عند جد الحسين (ع ).
.

وصول خبر قتل مسلم وهانى ء.

لما وصل الامام الى الثعلبية ((153)) اخبره اسديان عن صاحبهم انه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانى ء بن عروة ورآهما يجران في الاسواق بارجلهما.
فـقال الامام : انا للّه وانا اليه راجعون , رحمة اللّه عليهما, وردد ذلك مرارا, فقالا: ننشدك اللّه في نـفـسك واهل بيتك الا انصرفت من مكانك هذا فانه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة بل نتخوف ان تـكـون عليك , فوثب عند ذلك بنو عقيل , وقالوا: لا واللّه لا نبرح حتى ندرك ثارنا او نذوق ما ذاق اخونا فنظر الحسين الى الاسديين وقال : لا خير في العيش بعد هؤلاء.
قالا: فعلمنا انه عزم له رايه على المسير, فقلنا: خار اللّه لك , فقال : رحمكما اللّه ((154)) .

رسولا ابن الاشعث وابن سعد الى الحسين (ع ):

فـي تـاريخ الاسلام للذهبي : ارسل ابن سعد رجلا على ناقة الى الحسين يخبره بقتل مسلم بن عقيل وفـي الاخـبـار الطوال : لما وافى زبالة وافاه بها رسول محمد بن الاشعث , وعمر بن سعد بما كان ساله مسلم ان يكتب به اليه من امره وخذلان اهل الكوفة اياه بعد ان بايعوه , وقد كان مسلم سال محمد بن الاشعث ذلك .
فلما قرا الكتاب استيقن بصحة الخبر ((155)) .
وروى الـطبري : ان محمد بن الاشعث ارسل اياس بن العثل الطائي , وقال له : الق حسينا فابلغه هذا الـكـتـاب وكتب فيه الذي امره مسلم بن عقيل فاستقبله بزبالة واخبره الخبر وبلغه الرسالة , فقال حسين : كل ما حم نازل , وعند اللّه نحتسب انفسنا وفساد امتنا ((156)) .
.

الامام يخبر الناس بقتل مسلم ويحلهم من بيعته

قـال الطبري وغيره : كان الحسين لا يمر باهل ماء الا اتبعوه حتى انتهى الى زبالة وفيها جاءه خبر قـتـل ابـن زياد عبد اللّه بن يقطر ـ وكان قد سرحه الى اهل الكوفة ـ فاخرج الحسين (ع ) للناس كتابا فقراه علهيم :
بـسـم اللّه الـرحمن الرحيم امابعد, فانه قد اتانا خبر فظيع , قتل مسلم بن عقيل وهانى ء بن عروة , وعـبـد اللّه بن يقطر, وقد خذلتنا شيعتنا فمن احب منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منا ذمام , فـتـفرق الناس عنه يمينا وشمالا حتى بقي في اصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة وانما فعل ذلك لانـه ظن انما اتبعه الاعراب لانهم ظنوا انه ياتي بلدا استقامت له طاعة اهله فكره ان يسيروا معه الا وهم يعلمون على ما يقدمون وقد علم انهم اذا بين لهم لم يصحبه الا من يريد مواساته .

رجل من بني عكرمة :

قـال الـراوي : فـلـمـا كـان من السحر امر فتيانه فاستقوا الماء واكثروا, ثم سار حتى نزل ببطن العقبة ((157)) , وفي هذا المكان لقيه رجل من بني عكرمة فساله : اين تريد؟ فحدثه الحسين فقال لـه : انـى انـشدك اللّه لما انصرفت , فو اللّه لا تقدم الا على الاسنة وحد السيوف , فان هؤلاء الذين بعثوا اليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال .
ووطاوا لك الاشياء فقدمت عليهم كان ذلك رايا, فاما على هذه الحال التي تذكرها فاني لا ارى لك ان تفعل فقال له : يا عبد اللّه , انه ليس يخفى علي, الراي ما رايت , ولكن اللّه لا يغلب على امره ((158)) .
وفـي الاخـبار الطوال : واخبره بتوطيد ابن زياد الخيل ما بين القادسية الى العذيب رصدا له ـ وفي لفظه ـ فلا تتكلن على الذين كتبوا لك , فان اولئك اول الناس مبادرة الى حربك الحديث ((159)) .
وفـي روايـة ثم قال : واللّه لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي , فاذا فعلوا سلط اللّه عليهم من يذلهم حتى يكونوا اذل فرق الامم ((160)) .

نذير آخر:

وفي تاريخ ابن عساكر وابن كثير قال الراوي : رايت اخبية مضروبة بفلاة من الارض , فقلت : لمن هذه ؟.
قـالـوا: هذه لحسين قال : فاتيته فاذا شيخ يقرا القرآن والدموع تسيل على خديه ولحيته , قلت : بابي وامـي يا ابن رسول اللّه الي, ولا اراهم الا قاتلي, فاذا فعلوا ذلك لم يدعوا للّه حرمة الا انتهكوها, فيسلط اللّه عليهم من يذلهم حتى يكونوا اذل من فرم الامة ـ يعني مقنعتها ـ ((161)) .
ويـبدو من مقارنة الروايات بعضها ببعض ان الامام كان قد اخبر بانهم سيقتلونه ويذلهم اللّه ويسلط عليهم , في محاورته مع ثلاثة اشخاص وفي ثلاثة اماكن .
وكذلك كان يكرر التصريح بامثال هذه الاقوال قال علي بن الحسين : خرجنا مع الحسين (ع ) فما نزل مـنـزلا ولا ارتـحل منه الا ذكر يحيى بن زكريا ومقتله , وقال يوما: ومن هوان الدنيا على اللّه ان راس يحيى بن زكريا اهدي الى بغي من بغايا بني اسرائيل ((162)) .
.

لقاء الامام الحسين (ع ) الحر.

سـار الـحـسـيـن حـتـى نزل شراف ((163)) , فلما كان في السحر امر فتيانه فاستقوا من الماء فاكثروا ((164)) .
وسـار الحسين من شراف , فلما انتصف النهار كبر رجل من اصحابه فقال له : مما كبرت ؟ قال : رايت النخل .
فـقال رجلان من بني اسد: ما بهذه الارض نخلة قط فقال الحسين فما هو؟ فقالا: لا نراه الا هوادي الخيل .
فـقـال وانا ايضا اراه ذلك وقال لهما: اما لنا ملجا نلجا اليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد؟.
فقالا: بلى هذا ذو حسم الى جنبك تميل اليه عن يسارك فان سبقت القوم اليه فهو كما تريد فمال اليه فـما كان باسرع من ان طلعت الخيل وعدلوا اليهم فسبقهم الحسين الى الجبل فنزل وجاء القوم وهم الـف فـارس مـع الـحـر بـن يزيد التميمي ثم اليربوعي فوقفوا مقابل الحسين واصحابه في نحر الظهيرة , فقال الحسين لاصحابه .
وفتيانه : اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفا فسقوا القوم من الماء حتى ارووهم , واقـبـلوا يملاون القصاع والاتوار والطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس , فاذا عب فيه ثلاثا او اربعا او خمسا عزلوها عنه وسقوا آخر حتى سقوا الخيل كلها, قال علي بن الطعان المحاربي : كنت آخـر مـن جـاء مـن اصـحـاب الحر فلما راى الحسين مابي وبفرسي من العطش قال : انخ الروايه , والروايه عندي السقاء, ثم قال :
يـا ابـن اخي انخ الجمل فانخته , فقال : اشرب فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء, فقال الحسين اخـنـث السقاء اي اعطفه قال : فجعلت لا ادري كيف افعل , قال : فقام الحسين فخنثه فشربت وسقيت فرسي .
قال المؤلف : الا يجد الباحث في امر الامام بارواء الف فارس وفرسه في هذا اليوم تعليلا لما امر به فـتيانه في سحر هذا اليوم ان يستقوا وانهم استقوا واكثروا؟ الا يجوز ان يكون الامام الحسين قد سمع من جده الرسول في هذا الشان خاصة انباء تلقاها الرسول عن علام الغيوب ؟.
قـال الطبري وغيره : وكان مجي ء الحر من القادسية , ارسله الحصين بن نمير في هذه الالف , وذلك ان عـبيد اللّه بن زياد لما بلغه اقبال الحسين بعث الحصين التميمي وكان على شرطه فامره ان ينزل الـقادسية ويضع المسالح ما بين القطقطانة الى خفان فارسل الحصين الحر ليستقبل الحسين فلم يزل موافقا الحسين حتى حضرت صلاة الظهر فامر الحسين مؤذنه بالاذان فاذن , فخرج الحسين اليهم , فحمد اللّه واثنى عليه ثم قال :
ايها الناس اقـدم عـلـيـنـا فانه ليس لنا امام لعل اللّه يجمعنا بك على الهدى , فان كنتم على ذلك فقد جئتكم , فان تـعـطوني ما اطمئن اليه من عهودكم ومواثيقكم اقدم مصركم وان لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين ,انصرف عنكم الى المكان الذي .
اقبلت منه اليكم قال : فسكتوا عنه وقالوا للمؤذن اقم فاقام الصلاة فقال الحسين (ع ) للحر: اتريد ان تصلي باصحابك , قال : لا, بل تصلي انت ونصلي بصلاتك قال فصلى بهم الحسين ثم انه دخل واجتمع الـيه اصحابه وانصرف الحر الى مكانه الذي كان به فدخل خيمة قد ضربت له فاجتمع اليه جماعة مـن اصـحـابـه وعاد اصحابه الى صفهم الذي كانوا فيه فاعادوه , ثم اخذ كل رجل منهم بعنان دابته وجـلـس فـي ظـلها فلما كان وقت العصر امر الحسين ان يتهياوا للرحيل ثم انه خرج فامر مناديه فـنـادى بالعصر واقام فاستقدم الحسين فصلى بالقوم ثم سلم وانصرف الى القوم بوجهه , فحمد اللّه واثنى عليه ثم قال :
اما بعد ايها الناس : فانكم ان تتقوا وتعرفوا الحق لاهله يكن ارضى للّه ونحن اهل البيت اولى بولاية هـذا الامـر عـلـيـكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم , والسائرين فيكم بالجور والعدوان , وان انتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رايكم غير ما اتتني كتبكم وقدمت به علي رسلكم انصرفت عنكم .
فقال له الحر بن يزيد: انا واللّه ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر؟.
((165)) اخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم الي فاخرج خرجين مملوءين صحفا فنثرها بين ايديهم .
فـقـال الـحر: فانا لسنامن هؤلاء الذين كتبوا اليك , وقد امرنا اذا نحن لقيناك الا نفارقك حتى نقدمك عـلـى عبيد اللّه بن زياد فقال له الحسين : الموت ادنى اليك من ذلك ثم قال لاصحابه قوموا فاركبوا فـركـبـوا وانتظروا حتى ركبت نساؤهم فقال لاصحابه : انصرفوا بنا, فلما ذهبوا لينصرفوا حال الـقـوم بـينهم وبين الانصراف فقال الحسين للحر: ثكلتك امك , ما تريد؟ قال اما واللّه لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي انت عليها ما تركت ذكر امه بالثكل ان اقوله كائنا من كان , ولـكـن واللّه ما لي الى ذكر امك من سبيل الا باحسن ما يقدر عليه , فقال له الحسين : فما تريد؟ قال الحر: اريد واللّه ان انطلق بك الى عبيد اللّه بن زياد قال له الحسين :
اذن واللّه لا اتـبـعك فقال له الحر: اذن واللّه لا ادعك فترادا القول ثلاث مرات , ولما كثر الكلام بينهما قال له الحر:
انـي لم اومر بقتالك وانما امرت ان لا افارقك حتى اقدمك الكوفة , فاذا ابيت فخذ طريقا لا تدخلك الـكوفة ولا تردك الى المدينة تكون بيني وبينك نصفا حتى اكتب الى ابن زياد وتكتب انت الى يزيد بـن معاوية ان اردت ان تكتب اليه او الى عبيد اللّه ابن زياد ان شئت , فلعل اللّه الى ذاك ان ياتي بامر يرزقني فيه العافية من ان ابتلى بشي ء من امرك قال فخذ هاهنا فتياسر عن طريق العذيب والقادسية وبينه وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلا ثم ان الحسين سار في اصحابه والحر يسايره .
وخـطـب الـحـسين اصحابه واصحاب الحر بالبيضة فحمد اللّه واثنى عليه ثم قال : ايها الناس رسول اللّه (ص ) قال من راى سلطانا جائرا مستحلا لحرم اللّه , ناكثا لعهد اللّه , مخالفا لسنة رسول اللّه (ص ), يعمل في عباد اللّه بالاثم والعدوان , فلم يغير عليه بفعل ولا قول , كان حقا على اللّه ان يـدخـله مدخله , الا وان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن , واظهروا الفساد وعـطـلـوا الحدود, واستاثروا بالفي ء واحلوا حرام اللّه وحرموا حلاله , وانا احق من غير, وقد اتـتـنـي كتبكم وقدمت علي رسلكم ببيعتكم انكم لا تسلموني ولا تخذلوني , فان تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم فانا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول اللّه (ص ) نفسي مع انفسكم , واهلي مع اهـليكم فلكم في اسوة , وان لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من اعناقكم فلعمري ما هي لكم بـنـكـر, لـقـد فـعلتموها بابي واخي وابن عمى مسلم , والمغرور من اغتر بكم فحظكم اخطاتم , ونصيبكم ضيعتم , ومن نكث فانما ينكث على نفسه , وسيغني اللّه عنكم والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته .
وخـطـب بذي حسم فحمد اللّه واثنى عليه ثم قال : انه قد نزل من الامر ما قد ترون , وان الدنيا قد تـغيرت وتنكرت وادبر معروفها واستمرت جذاء فلم يبق منها الا صبابة كصبابة الاناء, وخسيس عيش كالمرعى الوبيل الا ترون ان الحق لا يعمل به وان الباطل لا يتناهى عنه , ليرغب المؤمن في لقاء اللّه محقا فاني لا ارى الموت الا شهادة ولا الحياة مع الظالمين الا برما.
فقام زهير بن القين البجلي فقال لاصحابه : تكلمون ام اتكلم ؟ قالوا لا بل تكلم فحمد اللّه فاثنى عليه , ثـم قـال : قـد سمعنا ـ هداك اللّه يا ابن رسول اللّه ـ مقالتك , واللّه لو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مخلدين الا ان فراقها في نصرك ومواساتك , لاثرنا الخروج معك على الاقامة فيها فدعا له الحسين ثـم قـال له خيرا, واقبل الحر يسايره وهو يقول له : يا حسين اني اذكرك اللّه في نفسك فاني اشهد لئن قاتلت لتقتلن , ولئن قوتلت لتهلكن فيما ارى , فقال له الحسين : افبالموت تخوفني ؟ الـخـطـب ان تقتلوني ؟ يريد نصرة رسول اللّه (ص ) فقال له : اين تذهب فانك مقتول سامضي وما بالموت عار على الفتى .
اذا ما نوى حقا وجاهد مسلما.
وآسى الرجال الصالحين بنفسه .
وفارق مثبورا يغش ويرغما.
فلما سمع ذلك منه الحر تنحى عنه , وكان يسير باصحابه في ناحية وحسين في ناحية اخرى , حتى انـتـهوا الى عذيب الهجانات وكان بها هجائن النعمان ترعى هنالك , فاذا هم باربعة نفر قد اقبلوا من الـكـوفة على رواحلهم يجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له الكامل ومعهم دليلهم الطرماح بن عدي على فرسه وهو يقول :
يا ناقتي لا تذعري من زجري .
وشمري قبل طلوع الفجر.
بخير ركبان وخير سفر.
حتى تحلي بكريم النجر.
الماجد الحر رحيب الصدر.
اتى به اللّه لخير امر.
ثمت ابقاه بقاء الدهر.
قـال فـلما انتهوا الى الحسين انشدوه هذه الابيات فقال : اما واللّه اني لارجو ان يكون خيرا ما اراد اللّه بنا, قتلنا ام ظفرنا.
واقـبـل الـيـهم الحر بن يزيد فقال : ان هؤلاء النفر الذين من اهل الكوفة ليسوا ممن اقبل معك وانا حـابسهم او رادهم فقال : له الحسين : لامنعنهم مما امنع منه نفسي انما هؤلاء انصاري واعواني وقد كـنت اعطيتني ان لا تعرض لي بشي ء حتى ياتيك كتاب من ابن زياد فقال : اجل لكن لم ياتوا معك قال : هـم اصـحابي وهم بمنزلة من جاء معي فان تممت على ما كان بيني وبينك والا ناجزتك , فكف عنهم الحر, ثم قال لهم الحسين : اخبروني خبر الناس وراءكم .
فـقـال : لـه مجمع بن عبد اللّه العائذي , وهو احد النفر الاربعة الذين جاؤوه : اما اشراف الناس فقد اعـظمت رشوتهم وملئت غرائرهم , يستمال ودهم , ويستخلص به نصيحتهم , فهم الب واحد عليك , وامـا سـائر الناس بعد فان افئدتهم تهوي اليك وسيوفهم غدا مشهورة عليك قال : اخبروني فهل لكم برسولي اليكم , قالوا: من هو؟.
قـال قـيس بن مسهر الصيداوي , فقالوا: نعم اخذه الحصين بن نمير فبعث به الى ابن زياد فامره ابن زياد ان يلعنك ويلعن اباك , مصلى عليك وعلى ابيك ولعن ابن زياد واباه , ودعا الى نصرتك , واخبرهم بـقـدومك , فامر به ابن زياد فالقي من طمار القصر, فترقرقت عين الحسين (ع ) ولم يملك دمعة ثم قـال : (مـنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا), اللّه م اجعل لنا الجنة نزلا, واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك ورغائب مذخور ثوابك .
ثم دنا الطرماح بن عدي من الحسين فقال له : واللّه اني لانظر فما ارى معك احدا, ولو لم يقاتلك الا هـؤلاء الـذيـن اراهـم ملازميك لكان كفى بهم , وقد رايت قبل خروجي من الكوفة اليك بيوم ظهر الـكـوفـة وفيه من الناس ما لم ترعين في صعيد واحد جمعا اكثر منه , فسالت عنهم فقيل اجتمعوا ليعرضوا ثم يسرحون الى الحسين , فانشدك اللّه ان قدرت على ان لا تقدم عليهم شبرا الا فعلت , فان اردت ان تـنـزل بلدا يمنعك اللّه به حتى ترى من رايك ويستبين لك ما انت صانع , فسر حتى انزلك مـنـاع جبلنا الذي يدعى اجا, امتنعنا واللّه به من ملوك غسان وحمير, ومن النعمان بن المنذر, ومن الاسود والاحمر, واللّه ان دخل علينا ذل قط, فاسير.
معك حتى انزلك القرية ثم نبعث الى الرجال ممن باجا وسلمى من طيي ء فو اللّه لا ياتي عليك عشرة ايام حتى ياتيك طيي ء رجالا وركبانا, ثم اقم فينا ما بدا لك , فان هاجك هيج فانا زعيم لك بعشرين الف طائي يضربون بين يديك باسيافهم واللّه لا يوصل اليك ابدا ومنهم عين تطرف فقال : له : جزاك اللّه وقومك خيرا, انه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف ولا ندري على مـا تـنصرف بنا وبهم الامور في عاقبة ومضى الحسين حتى انتهى الى قصر بني مقاتل فنزل به فاذا هـو بـفسطاط مضروب , فقال : لمن هذا الفسطاط؟ فقيل : لعبيداللّه بن الحر الجعفي , قال : ادعوه لي وبـعث اليه فلما اتاه الرسول , قال : هذا الحسين بن علي يدعوك , فقال عبيد اللّه بن الحر: انا للّه وانا الـيـه راجعون , واللّه ما خرجت من الكوفة الا كراهة ان يدخلها الحسين وانا بها, واللّه ما اريد ان اراه ولا يـرانـي , فاتاه الرسول فاخبره , فاخذ الحسين نعليه فانتعل , ثم قام فجاءه حتى دخل عليه , فسلم وجلس , ثم دعاه الى الخروج معه , فاعاد اليه ابن الحر تلك المقالة , فقال : فالا تنصرنا فاتق اللّه ان تكون ممن يقاتلنا, فو اللّه لا يسمع واعيتنا احد ثم لا ينصرنا الا هلك , قال : اما هذا فلا يكون ابدا ان شاء اللّه , ثم قام الحسين من عنده حتى دخل رحله .
قـال المؤلف : لعل الباحث يجد بادى ء ذي بدء تناقضا بين موقف الامام ممن تجمع عليه في منزل زبالة يـفرقهم من حوله , وموقف الامام هنا مع ابن الحر وقبله مع ابن القين , وكذلك مع غيرهما, حيث كان يـدعوهم فرادى وجماعات الى نصرته , ولكنه اذا تدبر خطب الامام وكلامه في كل مكان ومع اي انـسـان كـان , ادرك ان الامـام كـان يـبـحث عن انصار ينضمون تحت لوائه ويبايعونه على الامر بـالمعروف والنهي عن المنكر واستنكار بيعة ائمة الضلالة امثال يزيد على الحكم , انصارا واعين لاهداف قيامه , يقاومون الاغراء بالدنيا, يصارعون الحكم الغاشم حتى يقتلوا في سبيل ذلك استقاء مرة اخرى :
روي الـطبري وغيره واللفظ للطبري ((166)) , عن عقبة بن سمعان , قال : لما كان في آخر الليل امـر الحسين بالاستقاء من الماء ثم امرنا بالرحيل ففعلنا قال : فلما ارتحلنا من قصر بني مقاتل وسرنا سـاعـة خـفق الحسين براسه خفقة ثم انتبه وهو يقول : انا للّه وانا اليه راجعون , والحمد للّه رب العالمين .
قال : ففعل ذلك مرتين او ثلاثا.
قـال : فـاقـبـل الـيـه ابـنـه علي بن الحسين على فرس له , فقال : ياابت جعلت فداك مم حمدت اللّه واسترجعت ؟.
قـال : يا بني , اني خفقت براسي خفقة فعن لي فارس على فرس , فقال : القوم يسيرون والمنايا تسري الـيـهـم , فـعلمت انها انفسنا نعيت الينا قال له : يا ابت , لا اراك اللّه سوءا والـذي اليه مرجع العباد قال : يا ابت : اذا لا نبالي , نموت محقين , فقال له : جزاك اللّه من ولد خير ما جزى ولدا عن والده .
.

نزول ركب آل الرسول (ص ) ارض كربلاء

قال ابو مخنف : فلما اصبح نزل فصلى الغداة ثم عجل الركوب فاخذ يتساير باصحابه يريد ان يفرقهم فياتيه الحر بن يزيد فيردهم فيرده , فجعل اذا ردهم الى الكوفة ردا شديدا امتنعوا عليه , فارتفعوا فلم يزالوا يتسايرون حتى انتهوا الى نينوى المكان الذي نزل به الحسين .
قـال : فـاذا راكـب عـلـى نـجـيـب له وعليه السلاح , متنكب قوسا, مقبل من الكوفة فوقفوا جميعا يـنـتـظـرونـه , فـلـما انتهى اليهم سلم على الحر بن يزيد واصحابه ولم يسلم على الحسين (ع ) واصـحابه , فدفع الى الحر كتابا من عبيد اللّه بن زياد فاذا فيه : اما بعد فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي , فلا تنزله الا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء وقد امرت رسولي ان يلزمك ولا يفارقك حتى ياتيني بانفاذك امري والسلام .
قال : فلما قرا الكتاب , قال لهم الحر: هذا كتاب الامير عبيد اللّه بن زياد يامرني فيه ان اجعجع بكم فـي الـمـكـان الذي ياتيني فيه كتابه , وهذا رسوله , وقد امره ان لايفارقني حتى انفذ رايه وامره , فـنـظر الى رسول عبيد اللّه , يزيد بن زياد بن المهاصر ابو الشعثاء الكندي ثم البهدلي فعن له فقال : امالك بن النسير البدي ؟.
قـال : نـعـم , وكـان احد كندة , فقال له يزيد بن زياد: ثكلتك امك اطعت امامي ووفيت ببيعتي , فقال له ابو الشعثاء: عصيت ربك واطعت امامك في هلاك نفسك , كسبت الـعـار والنار, قال اللّه عزوجل : (وجعلناهم ائمة يدعون الى النار ويوم القيامة لا ينصرون ) فهو امامك .
قال : واخذ الحر بن يزيد القوم بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية فقالوا دعنا ننزل في هذه القرية ـ يعنون نينوى ـ او هذه القرية ـ يعنون الغاضرية ـ او هذه الاخرى ـ يعنون شفية ـ فقال : لا واللّه ما استطيع ذلك , هذا رجل قد بعث الي عينا فقال له زهير بن القين : يا ابن رسول اللّه ان قتال هؤلاء اهون من قتال من ياتينا من بعدهم فلعمري لياتينا من بعد من ترى مالا قبل لنا به , فقال له الحسين : ما كنت لابداهم بالقتال وفي الاخبار الطوال بعده :
فـقـال لـه زهـيـر: فهاهنا قرية بالقرب منا على شط الفرات , وهي في عاقول ((167)) حصينة , الفرات يحدق بها الا من وجه واحد.
قال الحسين : وما اسم تلك القرية ؟.
قال : العقر.
قال الحسين : نعوذ باللّه من العقر ((168)) .
قال الحسين للحر: سر بنا قليلا, ثم ننزل .
فـسار معه حتى اتوا كربلاء, فوقف الحر واصحابه امام الحسين ومنعوهم من المسير, وقال : انزل بهذا المكان , فالفرات منك قريب .
قال الحسين : وما اسم هذا المكان ((169)) ؟.
قالوا له : كربلاء.
قال : ذات كرب وبلاء, ولقد مر ابي بهذا المكان عند مسيره الى صفين , وانا معه , فوقف , فسال عنه , فاخبر باسمه فقال : ((هاهنا محط ركابهم , وهاهنا مهراق دمائهم )), فسئل عن ذلك , فقال : ((ثقل لال بـيت محمد, ينزلون هاهنا)) ((170)) وقبض قبضة منها فشمها وقال هذه واللّه هي الارض التي اخـبـر بـهـا جبرئيل رسول اللّه انني اقتل فيها, اخبرتني ام سلمة , قالت : كان جبرئيل عند رسول اللّه (ص ) وانـت معي فبكيت فقال رسول اللّه دعي ابني , فتركتك فاخذك ووضعك في حجره , فقال جـبرئيل : اتحبه ؟ قال : نعم , قال : فان امتك ستقتله , وان شئت اريتك تربة ارضه التي يقتل فيها, قال : نعم فبسط جبرئيل جناحه على ارض كربلاء فاراها اياها ((171)) .
وفـي روايـة : لـمـا احـيـط بالحسين بن علي , قال : ما اسم هذه الارض ؟ قيل : كربلاء فقال : صدق النبي (ص ).
انها ارض كرب وبلاء ((172)) .
قـال المؤرخون : ثم امر باثقاله فحطت بذلك المكان يوم الاربعاء غرة محرم سنة 61هـ ((173)) , او يوم الخميس الثاني من المحرم ((174)) .
ولـمـا نـزل كربلاء كتب الى ابن الحنفية وجماعة من بني هاشم : اما بعد: فكان الدنيا لم تكن , وكان الاخرة لم تزل ((175)) .

قدوم عمر بن سعد على الحسين (ع ).

قـال الطبري وغيره واللفظ للطبري ((176)) : فلما كان من الغد, قدم عليهم عمر بن سعد بن ابي وقاص من الكوفة في اربعة آلاف , قال : وكان سبب خروج ابن سعد الى الحسين (ع ) ان عبيد اللّه بن زياد بعثه على اربعة الاف من اهل الكوفة يسير بهم الى دستبى وكان الديلم قد خرجوا اليها وغلبوا عـلـيها, فكتب اليه ابن زياد عهده على الري وامره بالخروج , فخرج معسكرا بالناس بحمام اعين , فلما كان من امر الحسين ما كان واقبل الى الكوفة دعا ابن زياد عمر بن سعد فقال : سر الى الحسين فـاذا فـرغنا مما بيننا وبينة سرت الى عملك , فقال له عمر بن سعد: ان رايت رحمك اللّه ان تعفيني فـافعل , فقال له عبيد اللّه : نعم , على ان ترد لنا عهدنا فلما قال له ذلك قال عمر بن سعد: امهلني اليوم حتى انظر, فانصرف عمر يستشير نصحاءه , فلم يكن يستشير احدا الا نهاه وجاء حمزة بن المغيرة بن شعبة وهو ابن اخته , فقال : انشدك اللّه يا خال ان تسير الى الحسين فتاثم بربك , وتقطع رحمك , فـو اللّه لان تـخرج من دنياك ومالك وسلطان الارض كلها لو كان لك , خير لك من ان تلقى اللّه بدم الحسين , فقال له عمر بن سعد: فاني افعل ان شاء اللّه .
وروى عـن عـبداللّه بن يسار الجهني قال : دخلت على عمر بن سعد وقد امر بالمسير الى الحسين فـقـال لي : ان الامير امرني بالمسير الى الحسين , فابيت ذلك عليه فقلت له : اصاب اللّه بك , ارشدك اللّه , اجل فلا تفعل , ولا تسر اليه , قال : فخرجت من عنده فاتاني آت وقال : هذا عمر بن سعد يندب الناس الى الحسين , قال : فاتيته .
فـاذا هـو جـالس , فلما رآني اعرض بوجهه , فعرفت انه قد عزم على المسير اليه , فخرجت من عنده .
وروى الـطـبري وقال : فاقبل عمر بن سعد الى ابن زياد, فقال : اصلحك اللّه انك وليتني هذا العمل وكتبت لي العهد وسمع به الناس , فان رايت ان تنفذ لي ذلك فافعل , وابعث الى الحسين في هذا الجيش مـن اشراف الكوفة من لست باغنى ولا اجزا عنك في الحرب منه , فسمى له اناسا فقال له ابن زياد: لا تـعـلمني باشراف اهل الكوفة , ولست استامرك فيمن اريد ان ابعث , ان سرت بجندنا والا فابعث الينا بعهدنا, فلما رآه قد لج, قال :
فاني سائر, قال : فاقبل في اربعة آلاف حتى نزل بالحسين من الغد من يوم نزل الحسين نينوى .

ابن سعد يسال الحسين عن الذي جاء به .

قـال : فـبـعث عمر بن سعد الى الحسين (ع ) عزرة بن قيس الاحمسي , فقال : ائته فسله ما الذي جاء به ؟.
ومـاذا يـريـد؟ وكـان عـزرة ممن كتب الى الحسين , فاستحيا منه ان ياتيه , قال : فعرض ذلك على الـرؤسـاء الـذين كاتبوه فكلهم ابى وكرهه , قال : وقام اليه كثير بن عبد اللّه الشعبي , وكان فارسا شجاعا ليس يرد وجهه شي ء, فقال : انا اذهب اليه , واللّه لئن شئت لافتكن به , فقال : له عمر بن سعد: ما اريد ان يفتك به , ولكن .
ائتـه فـسـلـه ما الذي جاء به ؟ فاقبل اليه فلما رآه ابو ثمامة الصائدي قال للحسين : اصلحك اللّه ابا عـبـداللّه قـد جـاءك شر اهل الارض واجراه على دم وافتكه , فقام اليه , فقال : ضع سيفك : قال : لا واللّه ولا كـرامـة ,انـما انا رسول فان سمعتم مني ابلغتكم ما ارسلت به اليكم , وان ابيتم انصرفت عـنكم , فقال له : فاني آخذ بقائم سيفك , ثم تكلم بحاجتك , قال : لا واللّه لا تمسه جـئت بـه وانا ابلغه عنك ولا ادعك تدنو منه , فانك فاجر فـاخـبره الخبر, فدعا عمر قرة بن قيس الحنظلي فقال له : ويحك ياقرة بـه ؟ وماذا يريد؟ قال فاتاه قرة بن قيس , فلما رآه الحسين مقبلا قال : اتعرفون هذا؟ فقال حبيب بن مـظاهر: نعم هذا رجل من حنظلة تميمي وهو ابن اختنا, ولقد كنت اعرفه بحسن الراي , وما كنت اراه يشهد هذا المشهد الحسين : كتب الي اهل مصركم هذا ان اقدم فاما اذ كرهوني فانا انصرف عنهم .
قـال : ثـم قـال له حبيب بن مظاهر: ويحك يا قرة بن قيس الـرجـل الـذي ببائه ايدك اللّه بالكرامة وايانا معك وارى رايي , قال :
فـانـصـرف الى عمر بن سعد فاخبره الخبر, فقال له عمر بن سعد: اني لارجو ان يعافيني اللّه من حربه وقتاله .

المكاتبة بين ابن سعد وابن زياد:

قـال : كتب عمر بن سعد الى عبيد اللّه بن زياد: بسم اللّه الرحمن الرحيم , اما بعد, فاني حيث نزلت بـالـحـسـين بعثت اليه رسولي فسالته عما اقامه وماذا يطلب ويسال , فقال : كتب الي اهل هذه البلاد واتتني رسلهم فسالوني القدوم ففعلت , فاما اذ كرهوني فبدا لهم غير ما اتتني به رسلهم فانا منصرف عنهم .
فلما قرى ء الكتاب على ابن زياد قال :
الان اذ علقت مخالبنا به .
يرجو النجاة ولات حين مناص .
وكـتـب الـى عمر بن سعد: بسم اللّه الرحمن الرحيم , اما بعد, فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت , فـاعـرض عـلـى الـحـسين ان يبايع ليزيد بن معاوية هو وجميع اصحابه فاذا فعل ذلك راينا راينا والسلام .