قال فلما اتى عمر بن سعد الكتاب , قال : قد حسبت ان لا يقبل ابن زياد العافية .
وروى البلاذري في انساب الاشراف وقال : لما سرح ابن زياد عمر بن سعد, امر الناس فعسكروا بـالـنـخـيـلة , وامر ان لا يتخلف احد منهم , وصعد المنبر فقرض معاوية وذكر احسانه وادراره
الاعـطـيات وعنايته باهل الثغور, وذكر اجتماع الالفة به وعلى يده , وقال : ان يزيد ابنه , المتقيل
له ((177)) , السالك لمناهجه , المتحذي لمثاله , وقد زادكم مئة مئة في اعطيتكم , فلا يبقين رجل
من العرفاء والمناكب والتجار والسكان الا خرج فعسكر معي ,.
فايما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلفا عن العسكر برئت منه الذمة.
ثم خرج ابن زياد فعسكر, وبعث الى الحصين بن تميم وكان بالقادسية في اربعة آلاف , فقدم النخيلة
فى جميع من معه.
ثـم دعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي , ومحمد بن الاشعث بن قيس ابن القعقاع بن سويد بن عبد
الـرحـمـان الـمـنـقـري , واسـماء بن خارجة الفزاري وقال : طوفوا في الناس فمروهم بالطاعة
والاستقامة , وخوفوهم عواقب الامور والفتنة والمعصية , وحثوهم على العسكرة (كذا) فخرجوا
فعزروا وداروا بالكوفة ثم لحقوا به غير كثير بن شهاب , فانه كان مبالغا يدور بالكوفة يامر الناس
بالجماعة , ويحذرهم الفتنة والفرقة ويخذل الحسين وسـرح ابن زياد ايضا حصين بن تميم في الاربعة الالاف الذين كانوا معه الى الحصين بعد شخوص
عمر بن سعد بيوم او يومين.
ووجه ايضا الى الحسين حجار بن ابجر العجلي في الف.
وتمارض شبث بن ربعي , فبعث اليه فدعاه وعزم عليه ان يشخص الى الحسين في الف ففعل.
وكـان الـرجـل يـبعث في الف فلا يصل الا في ثلاثمائة واربعمائة واقل من ذلك كراهة منهم لهذا
الوجه.
ووجه ايضا يزيد بن الحرث بن يزيد بن رويم في الف او اقل.
ثـم ان ابـن زياد استخلف على الكوفة عمرو بن حريث , وامر القعقاع بن سويد بن عبد الرحمان بن
بجير المنقري بالتطواف بالكوفة في خيل فوجد رجلا من همدان قد قدم يطلب ميراثا بالكوفة , فاتى
به ابن زياد فقتله , فلم يبق بالكوفة محتلم الا خرج الى العسكر بالنخيلة.
ثـم جـعـل ابـن زيـاد يرسل العشرين والثلاثين والخمسين الى المئة غدوة وضحوة ونصف النهار
وعشية من النخيلة يمد بهم عمر بن سعد.
ذكر ابن نما في مثير الاحزان : ان عددهم بلغ لست خلون من المحرم عشرين الفا ((178)).
وروى الـبلاذري في انساب الاشراف وقال : ووضع ابن زياد المناظر على الكوفة ((179)) لئلا
يـجـوز احـد من العسكر مخافة ان يلحق الحسين مغيثا له , ورتب المسالح حولها ((180)) , وجعل
على حرس الكوفة زحر بن قيس الجعفي.
ورتـب بينه وبين عسكر عمر بن سعد خيلا مضمرة مقدحة ((181)) , فكان خبر ما قبله ياتيه في
كل وقت ((182)).
.
روى الطبري عن حميد بن مسلم الازدي قال : جاء من عبيد اللّه بن زياد كتاب الى عمر بن سعد: اما بـعـد فحل بين الحسين واصحابه وبين الماء ولا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقي الزكي المظلوم
امير المؤمنين عثمان بن عفان.
قـال : فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين
حسين واصحابه وبين الماء ان يسقوا منه قطرة وذلك قبل قتل الحسين بثلاث قال : ونازله عبد اللّه
بن ابي حصين الازدي وعداده في بجيلة فقال : يا حسين تـذوق منه قطرة حتى تموت عطشا, فقال حسين : اللّه م اقتله عطشا ولا تغفر له ابدا قال حميد ابن
مسلم واللّه لعدته بعد ذلك في مرمضه فواللّه الذي لا اله الا هو لقد رايته يشرب حتى يبغر ثم يقي ء
ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى , فما زال ذلك دابه حتى لفظ غصته يعني نفسه.
قـال : ولـمـا اشـتد على الحسين واصحابه العطش دعا اخاه العباس بن علي ابن ابي طالب فبعثه في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا, وبعث معهم بعشرين قربة فجاؤوا حتى دنوا من الماء ليلا واستقدم
امامهم.
باللواء نافع بن هلال الجملي , فقال عمرو بن الحجاج الزبيدي : من الرجل ؟ فجي ء ما جاء بك.
قـال : جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلاتمونا عنه , قال : فاشرب هنيئا, قال : لا واللّه لا اشرب منه
قـطـرة وحـسين عطشان ومن ترى من اصحابه , فطلعوا عليه , فقال : لا سبيل الى سقي هؤلاء انما
وضـعـنـا بـهذا المكان لنمنعهم الماء, فلما دنا منه اصحابه قال لرجاله : املاوا قربكم فشد الرجالة
فملاوا قربهم وثار اليهم عمرو بن الحجاج واصحابه , فحمل عليهم العباس بن علي ونافع ابن هلال
فـكـفـوهـم , ثم انصرفوا الى رحالهم فقالوا: امضوا وقفوا دونهم فعطف عليهم عمرو بن الحجاج
واصحابه واطردوا قليلا, ثم ان رجلا من صداء طعن من اصحاب عمرو بن الحجاج , طعنه نافع بن
هـلال فـظـن انـهـا لـيست بشي ء ثم انها انتفضت بعد ذلك , فمات منها وجاء اصحاب حسين بالقرب
فادخلوها عليه.
وروى عـن هانى ء بن ثبيت الحضرمي وكان قد شهد قتل الحسين , قال : بعث الحسين (ع ) الى عمر بـن سـعـد عمرو بن قرضة بن كعب الانصاري ان القني الليل بين عسكري وعسكرك قال : فخرج
عمر بن سعد في نحو من عشرين فارسا واقبل حسين في مثل ذلك فلما التقوا امر الحسين اصحابه
ان يـتـنـحـوا عـنـه وامـر عمر بن سعد اصحابه بمثل ذلك , قال : فانكشفنا عنهما بحيث لا نسمع
اصـواتـهما, ولا كلامهما, فتكلما فاطالا حتى ذهب من الليل هزيع , ثم انصرف كل واحد منهما الى
عسكره باصحابه , وتحدث الناس فيما بينهما ظنا يظنونه ان حسينا قال لعمر بن سعد اخرج معي الى
يـزيـد بن معاوية وندع العسكرين قال عمر اذن تهدم داري قال : انا ابنيها لك قال اذن تؤخذ ضياعي
قال : اذن اعطيك خيرا منها من مالي بالحجاز قال : فتكره ذلك عمر, قال :
فتحدث الناس بذلك وشاع فيهم من غير ان يكونوا سمعوا من ذلك شيئا ولا علموه.
وروى عـن عـقـبـة بـن سمعان قال صحبت حسينا فخرجت معه من المدينة الى مكة , ومن مكة الى
العراق , ولم افارقه حتى قتل وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا
بـالـعـراق ولا في عسكر الى يوم مقتله الا وقد سمعتها, الا واللّه ما اعطاهم ما يتذاكر الناس وما
يـزعمون من ان يضع يده في يد يزيد بن معاوية ولا ان يسيروه الى ثغر من ثغور المسلمين , ولكنه
قال : دعوني فلاذهب في هذه الارض العريضة حتى ننظر ما يصير امر الناس.
وروى عـن ابـي مخنف عن رجاله : انهما كانا التقيا مرارا ثلاثا او اربعا حسين وعمر بن سعد قال :
فـكـتب عمر بن سعد الى عبيد اللّه بن زيادا: اما بعد فان اللّه قد اطفا النائرة , وجمع الكلمة واصلح
امـر الامة , هذا حسين قد اعطاني ان يرجع الى المكان الذي منه اتى , او ان نسيره اي ثغر من ثغور
المسلمين شئنا فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم , او ان ياتي يزيد امير المؤمنين
فـيـضـع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رايه , وفي هذا لكم رضى وللامة صلاح , قال : فلما قرا
عـبـيـد اللّه الكتاب قال : هذا كتاب رجل ناصح لاميره مشفق على قومه , نعم قد قبلت قال : فقام اليه
شمر بن ذي الجوشن , فقال : اتقبل هذا منه وقد نزل بارضك الى جنبك يضع يده في يدك , ليكونن اولى بالقوة والعز, ولتكونن اولى بالضعف والعجز فلا تعطه هذه المنزلة ,
فـانها من الوهن , ولكن لينزل على حكمك , هو واصحابه , فان عاقبت فانت ولي العقوبة , وان غفرت
كان ذلك لك , واللّه لقد بلغني ان حسينا وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثنان عامة الليل ,
فقال له ابن زياد: نعم ما رايت , الراي رايك.
قال : ثم ان عبيد اللّه بن زياد دعا شمر بن ذي الجوشن فقال له : اخرج بهذا الكتاب الى عمر بن سعد, فـلـيعرض على الحسين واصحابه النزول على حكمي , فان فعلوا فليبعث بهم الي سلما, وان هم ابوا
فليقاتلهم , فان فعل فاسمع له واطع , وان هو ابى فقاتلهم , فانت امير الناس , وثب عليه فاضرب عنقه ,
وابـعث الي براسه قال : ثم كتب عبيد اللّه بن زياد الى عمر بن سعد: اما بعد فاني لم ابعثك الى حسين
لـتـكـف عـنه ولا لتطاوله , ولا لتمنيه السلامة والبقاء, ولا لتقعد له عندي شافعا, انظر, فان نزل
حـسـين واصحابه على الحكم واستسلموا, فابعث بهم الي سلما, وان ابوا فازحف اليهم حتى تقتلهم ,
وتمثل بهم , فانهم لذلك مستحقون , فان.
قـتـل حـسين فاوطى ء الخيل صدره وظهره , فانه عاق مشاق قاطع ظلوم , وليس دهري في هذا ان
يـضـر بعد الموت شيئا ولكن علي قول لو قد قتلته فعلت هذا به جزاء السامع المطيع , وان ابيت فاعتزل عملنا وجندنا وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر,
فانا قد امرناه بامرنا والسلام.
قال : لما قبض شمر بن ذي الجوشن الكتاب , قام هو وعبد اللّه بن ابي المحل , وكانت عمته ام البنين ابنة حزام عند علي بن ابي طالب (ع ) فولدت له العباس وعبد اللّه وجعفرا وعثمان , فقال عبد اللّه
بـن الـمحل بن حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب : اصلح اللّه الامير ان
بني اختنا مع الحسين , فان رايت ان تكتب لهم امانا, فعلت , قال : نعم , ونعمة عين , فامر كاتبه فكتب لهم
امـانـا فبعث به عبد اللّه بن ابي المحل مع مولى له يقال له : كزمان , فلما قدم عليهم دعاهم فقال : هذا
امان بعث به خالكم , فقال له الفتية : اقرى ء خالنا السلام , وقل له : ان لا حاجة لنا في امانكم , امان اللّه
خير من امان ابن سمية قال : فاقبل شمر بن ذي.
الـجـوشن بكتاب عبيد اللّه بن زياد الى عمر بن سعد, فلما قدم به عليه , فقراه , قال له عمر: مالك ويلك لا قرب اللّه دارك , وقبح اللّه ما قدمت به علي , واللّه اني لاظنك انت ثنيته ان يقبل ما كتبت به
اليه , افسدت علينا امرا كنا رجونا ان يصلح , لا يستسلم واللّه حسين , ان نفسا ابية لبين جنبيه , فقال
له شمر: اخبرني ما انت صانع ؟.
اتـمـضي لامر اميرك وتقتل عدوه ؟ والا فخل بيني وبين الجند والعسكر قال : لا وانا اتولى ذلك , قال : فدونك وكن انت على الرجال.
قـال : وجـاء شـمر حتى وقف على اصحاب الحسين فقال اين بنو اختنا؟ فخرج اليه العباس وجعفر
وعـثـمـان بنو علي فقالوا له : مالك وما تريد؟ قال : انتم يا بني اختي آمنون , قال له الفتية : لعنك اللّه
ولعن امانك , لئن كنت خالنا اتؤمننا وابن رسول اللّه لا امان له .
قـال : ثـم ان عـمـر بن سعد نهض اليه عشية الخميس لتسع مضين من المحرم , ونادى : يا خيل اللّه اركبي وابشري.
فركب في الناس , ثم زحف نحوهم بعد صلاة العصر, وحسين جالس امام بيته محتبيا بسيفه اذ خفق
بـراسه على ركبتيه وسمعت اخته زينب الصيحة فدنت من اخيها فقالت : يا اخي قد اقتربت قال :
فـرفـع الـحـسين راسه , فقال : اني رايت رسول اللّه (ص ) في المنام فقال لي انك تروح الينا, قال :
فـلـطـمت اخته وجهها, وقالت : يا وليتا العباس بن علي : يا اخي اتاك القوم , قال : فنهض , ثم قال يا عباس فـتقول لهم : مالكم وما بدا لكم ؟ وتسالهم عما جاء بهم , فاتاهم العباس , فاستقبلهم في نحو من عشرين
فارسا فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر فقال لهم العباس : ما بدا لكم وما تريدون ؟ قالوا جاء امر
الامير بان نعرض عليكم ان تنزلوا على حكمه , او ننازلكم قال : فلا تعجلوا حتى ارجع الى ابي عبد
اللّه فاعرض عليه ما ذكرتم , قال :
فوقفوا, ثم قالوا: القه فاعلمه ذلك , ثم القنا بما يقول قال : فانصرف العباس راجعا يركض الى الحسين
يـخبر بالخبر, ووقف اصحابه يخاطبون القوم , فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين كلم القوم , ان
شئت , وان شئت كلمتهم , فقال له زهير: انت بدات بهذا, فكن انت تكلمهم , فقال لهم حبيب بن مظاهر:
امـا واللّه لـبـئس الـقوم عند اللّه غدا قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذرية نبيه (ص ) وعترته , واهل
بـيـتـه (ع ) وعباد اهل هذا المصر المجتهدين بالاسحار والذاكرين اللّه كثيرا, فقال له عزرة بن
قيس : انك لتزكي نفسك ما استطعت , فقال له زهير: يا عزرة عـزرة الزكية , قال : يا زهير قـال : افلست تستدل بموقفي هذا اني منهم ؟ اما واللّه ما كتبت اليه كتابا قط, ولا ارسلت اليه رسولا
قـط, ولا وعـدتـه نـصرتي قط, ولكن الطريق جمع بيني وبينه , فلما رايته ذكرت به رسول اللّه
(ص ) ومـكـانـه مـنـه , وعرفت ما يقدم عليه من عدوه وحزبكم , فرايت ان انصره , وان اكون في
حزبه , وان اجعل نفسي دونه حفظا لما ضيعتم من حق اللّه , وحق رسوله (ص ).
قال : واتى العباس بن علي حسينا بما عرض عليه عمر بن سعد, فقال له : ارجع اليهم فان استطعت ان تـؤخرهم الى غدوة وتدفعهم عنا العشية لعلنا نصلي لربنا وندعوه ونستغفره فهو يعلم اني قد كنت
احب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار.
قـال : واقـبـل الـعـبـاس بن علي يركض حتى انتهى اليهم , فقال : يا هؤلاء ان ابا عبد اللّه يسالكم ان
تـنصرفوا هذه العشية , حتى ينظر في هذا الامر فان هذا امر لم يجر بينكم وبينه فيه منطق , فاذا
اصـبحنا التقينا ان شاء اللّه , فاما رضيناه , فاتينا بالامر الذي تسالونه وتسومونه , او كرهنا فرددناه ,
وانما اراد بذلك ان يردهم.
عـنه تلك العشية , حتى يامر بامره ويوصي اهله , فلما اتاهم العباس بن علي بذلك , قال عمر بن سعد:
ما ترى يا شمر الـناس فقال : ماذا ترون ؟ فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي : سبحان اللّه الـديـلم ثم سالوك هذه المنزلة , لكان ينبغي لك ان تجيبهم اليها, وقال قيس بن الاشعث : اجبهم الى ما
سالوك فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة , فقال : واللّه لو اعلم ان يفعلوا ما اخرتهم العشية.
وروى عن علي بن الحسين قال : اتانا رسول من قبل عمر بن سعد فقام مثل حيث يسمع الصوت فقال :
انـا قـد اجـلـناكم الى غد, فان استسلمتم سرحنا بكم الى اميرنا عبيد اللّه بن زياد وان ابيتم فلسنا
تاركيكم.
وروى عن علي بن الحسين , قال : جمع الحسين اصحابه بعد ما رجع عمر ابن سعد, وذلك عند قرب المساء, قال علي بن الحسين : فدنوت منه لاسمع وانا مريض فسمعت ابي وهو يقول لاصحابه : اثني
عـلـى اللّه تـبـارك وتعالى احسن الثناء, واحمده على السراء والضراء, اللّه م اكرمتنا.
بـالـنـبـوة وعـلمتنا القرآن , وفقهتنا في الدين , وجعلت لنا اسماعا وابصارا وافئدة , ولم تجعلنا من
المشركين , اما بعد فاني لا اعلم اصحابا اولى ولا خيرا من اصحابي , ولا اهل بيت ابر ولا اوصل من
اهـل بيتي , فجزاكم اللّه عني جميعا خيرا, الا واني اظن يومنا من هؤلاء الاعداء غدا, الا واني قد
رايت لكم , فانطلقوا جميعا في.
حل ليس عليكم مني ذمام هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا, ثم لياخذ كل رجل منكم بيد رجل من
اهـل بـيـتـي , ثـم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج اللّه , فان القوم انما يطلبونني , ولو قد
اصابوني لهوا عن طلب غيري.
فـقـا له اخوته وابناؤه وبنو اخيه وابنا عبد اللّه بن جعفر: لم نفعل ؟ لنبقى بعدك ؟ لا ارانا اللّه ذلك ابدا, بداهم بهذا القول العباس بن علي , ثم انهم تكلموا بهذا ونحوه , فقال الحسين (ع ): يا بني عقيل حـسـبـكـم من القتل بمسلم , اذهبوا قد اذنت لكم , قالوا: فما يقول الناس ؟ يقولون : انا تركنا شيخنا
وسـيدنا وبني عمومتنا خير الاعمام , ولم نرم معهم بسهم , ولم نطعن معهم برمح , ولم نضرب معهم
بسيف , ولا ندري ما صنعوا نرد موردك , فقبح اللّه العيش بعدك.
وقال : فقام اليه مسلم بن عوسجة الاسدي , فقال : انحن نخلي عنك ولما نعذر الى اللّه في اداء حقك ؟ امـا واللّه ولو لم يكن معي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك , حتى اموت معك.
قـال وقـال سـعد بن عبد اللّه الحنفي : واللّه لا نخليك حتى يعلم اللّه انا قد حفظنا غيبة رسول اللّه
(ص ) فـيـك , واللّه لو علمت اني اقتل , ثم احيا, ثم احرق حيا, ثم اذر, يفعل ذلك بي سبعين مرة , ما
فـارقتك حتى القى حمامي دونك , فكيف لا افعل ذلك ؟ وانما هي قتلة واحدة , ثم هي الكرامة التي لا
انقضاء لها ابدا, قال : وقال زهير بن القين : واللّه لوددت اني قتلت ثم نشرت , ثم قتلت , حتى اقتل كذا
الـف قـتـلـة , وان اللّه يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن انفس هؤلاء الفتية من اهل بيتك , قال : وتكلم
جـمـاعة اصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا في وجه واحد, فقالوا: واللّه لا نفارقك , ولكن انفسنا لك
الفداء, نفديك بنحورنا, وجباهنا وايدينا فاذا نحن قتلنا كنا وفينا وقضينا ما علينا.
وروى الطبري هذه الرواية بايجاز عن الضحاك بن عبد اللّه المشرقي قال : قدمت ومالك بن النضر الارحـبـي على الحسين فسلمنا عليه ثم جلسنا اليه فرد علينا فرحب بنا وسالنا عما جئنا له فقلنا:
جئنا لنسلم عليك وندعو اللّه لك بالعافية , ونحدث بك عهدا, ونخبرك خبر الناس , وانا نحدثك انهم
قـد جـمعوا على حربك فر رايك فقال الحسين (ع ): حسبي اللّه ونعم الوكيل قال : فتذممنا وسلمنا
عـلـيه ودعونا اللّه له قال : فما يمنعكما من نصرتي ؟ فقال مالك بن النضر: علي دين ولي عيال , فقلت
له : ان علي دينا وان لي لعيالا ولكنك ان جعلتني في حل من الانصراف اذا لم اجد مقاتلا قاتلت عنك ما
كان لك نافعا وعنك دافعا.
قال : قال : فانت في حل فاقمت معه.
ثم نقل الضحاك الخبر السابق بايجاز ((183)).
روى الـطبري عن علي بن الحسين بن علي , قال : اني جالس في تلك العشية التي قتل ابي صبيحتها, وعـمـتـي زيـنـب عـندي تمرضني اذ اعتزل ابي باصحابه في خباء له وعنده حوي مولى ابي ذر
الغفاري ((184)) وهو يعالج سيفه ويصلحه وابي يقول :
يا دهر اف لك من خليل.
كم لك بالاشراق والاصيل.
من صاحب او طالب قتيل.
والدهر لا يقنع بالبديل.
وانما الامر الى الجليل.
وكل حي سالك السبيل.
قـال فـاعـادهـا مرتين او ثلاثا حتى فهمتها فعرفت ما اراد, فخنقتني عبرتي فرددت دمعي ولزمت
السكوت , فعلمت ان البلاء قد نزل , فاما عمتي فانها سمعت ما سمعت ـ وهي امراة وفي النساء الرقة
والـجـزع ـ فلم تملك نفسها ان وثبت تجر ثوبها وانها لحاسرة حتى انتهت اليه فقالت : واثكلاه الـمـوت اعـدمـني الحياة الباقي , فنظر اليها الحسين (ع ), فقال : يا اخية عـبـد اللّه استقتلت وليتا واشد على نفسي فـصـب عـلى وجهها الماء يـمـوتـون , وان اهـل السماء لا يبقون , وان كل شي ء هالك الا وجه اللّه الذي خلق الارض بقدرته ,
ويبعث الخلق فيعودون , وهو فرد وحده , ابي خير مني , وامي خير مني , واخي خير مني , ولي ولهم
ولـكل مسلم برسول اللّه اسوة , قال : فعزاها بهذا ونحوه , وقال لها: يا اخية قسمي لا تشقي علي جيبا ثـم جـاء بها حتى اجلسها عندي , وخرج الى اصحابه فامرهم ان يقربوا بعض بيوتهم من بعض وان
يدخلوا الاطناب بعضها في بعض , وان يكونوا هم بين البيوت , الا الوجه الذي ياتيهم منه عدوهم.
وروى عن الضحاك بن عبد اللّه المشرقي قال : فلما امسى حسين واصحابه , قاموا الليل كله يصلون , ويـسـتـغـفرون , ويدعون ويتضرعون , قال : فتمر بنا خيل لهم , تحرسنا, وان حسينا ليقرا: (ولا
يحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما ولهم عذاب مهين , ما كان
اللّه ليذر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) فسمعها رجل من تلك الخيل التي
كـانـت تحرسنا, فقال : نحن ورب الكعبة الطيبون تدري من هذا؟ قال : لا, قلت : هذا ابو حرب السبيعي عبد اللّه بن شهر, وكان مضحاكا بطالا, وكان
شريفا شجاعا فاتكا, وكان سعيد بن قيس ربما حبسه.
في جناية , فقال له برير بن حضير: يا فاسق برير بن حضير, قال : انا للّه عز علي تـتـوب الى اللّه من ذنوبك العظام ؟ ذلك من الشاهدين قلت :
ويـحـك قـال : هـا هـو ذا مـعي , قال : قبح اللّه رايك على كل حال انت سفيه يحرسنا بالليل في الخيل عزرة بن قيس الاحمسي وكان على الخيل.
.
قال : فلما صلى عمر بن سعد الغداة يوم الجمعة ـ وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء ـ خرج فيمن معه من الناس , قال : وعبا الحسين اصحابه وصلى بهم صلاة الغداة , وكان معه اثنان وثلاثون فارسا واربعون
راجـلا, فـجعل زهير بن القين في ميمنة اصحابه , وحبيب بن مظاهر في ميسرة اصحابه , واعطى
رايته العباس بن علي اخاه , وجعلوا البيوت في ظهورهم , وامر بحطب وقصب كان من وراء البيوت
يحرق بالنار مخافة ان ياتوهم من ورائهم.
قـال : وكـان الحسين (ع ) اتي بقصب وحطب الى مكان من ورائهم منخفض كانه ساقية فحفروه في
ساعة من الليل , فجعلوه كالخندق , ثم القوا فيه ذلك الحطب والقصب , وقالوا: اذا غدوا علينا فقاتلونا
القينا فيه النار كيلا نؤتى من ورائنا, وقاتلونا من وجه واحد, ففعلوا, وكان لهم نافعا.
وقـال : لـما خرج عمر بن سعد بالناس كان على ربع اهل المدينة يومئذ عبد اللّه بن زهير بن سليم
الازدي , وعـلى ربع مذحج واسد عبد الرحمن بن ابي سبرة الحنفي , وعلى ربع ربيعة وكندة قيس
بـن الاشـعـث بـن قيس , وعلى ربع تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي , فشهد هؤلاء كلهم مقتل
الـحـسـيـن الا الحر بن يزيد فانه عدل الى الحسين وقتل معه , وجعل عمر على ميمنته عمرو بن
الحجاج الزبيدي , وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن بن شرحبيل بن الاعور ابن عمر بن معاوية
وهـو الـضـبـاب بـن كلاب , وعلى الخيل عزرة بن قيس الاحمسي , وعلى الرجال شبث بن ربعي
اليربوعي , واعطى الراية ذويدا مولاه.
وروى عن غلام لعبد الرحمن بن عبد ربه الانصاري , قال : كنت مع مولاي فلما حضر الناس واقبلوا الى الحسين , امر الحسين بفسطاط فضرب , ثم امر بمسك فميث في جفنة عظيمة او صحفة.
قال : ثم دخل الحسين ذلك الفسطاط فتطلى بالنورة , قال : ومولاي عبد الرحمن بن عبد ربه , وبرير
بن حضير الهمداني على بابه الفسطاط, تحتك مناكبهما, فازدحما ايهما يطلي على اثره , فجعل برير
يهازل عبد الرحمن فقال له عبد الرحمن : دعنا فواللّه ما هذه بساعة باطل , فقال له برير: واللّه لقد
علم قومي اني ما احببت الباطل شابا ولا كهلا, ولكن واللّه اني لمستبشر بما نحن لاقون , واللّه ان
بيننا وبين الحور العين الا ان يميل هؤلاء علينا باسيافهم , ولوددت انهم قد مالوا علينا باسيافهم.
قال : فلما فرغ الحسين دخلنا فاطلينا.
قال : ثم ان الحسين ركب دابته ودعا بمصحف فوضعه امامه ((185)) قال : فاقتتل اصحابه بين يديه
قتالا شديدا, فلما رايت القوم قد صرعوا افلت وتركتهم.
وروى الـطـبري , وقال : لما صبحت الخيل الحسين رفع الحسين يديه , فقال : اللّه م انت ثقتي في كل كـرب , ورجائي في كل شدة , وانت لي في كل امر نزل بي ثقة وعدة , كم من هم يضعف فيه الفؤاد,
وتقل فيه الحيلة , ويخذل فيه الصديق , ويشمت فيه العدو, انزلته بك , وشكوته اليك , رغبة مني اليك
عمن سواك ففرجته وكشفته , فانت ولي كل نعمة , وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة ((186)).
وروى عن الضحاك المشرقي قال : لما اقبلوا نحونا فنظروا الى النار تضطرم في الحطب والقصب
الـذي كنا الهبنا فيه النار من ورائنا لئلا ياتونا من خلفنا, اذ اقبل الينا منهم رجل يركض على فرس
كـامـل الاداة فـلم يكلمنا حتى مر على ابياتنا فنظر الى ابياتنا فاذا هو لا يرى الا حطبا تلتهب النار
فيه , فرجع راجعا فنادى باعلى صوته : يا حسين فـقـال الـحسين : من هذا؟ كانه شمر بن ذي الجوشن راعية المعزى فـقـال لـه مسلم بن عوسجة : يا ابن رسول اللّه يـسـقـط سهم , فالفاسق من اعظم الجبارين فقال له الحسين : لا ترمه فاني اكره ان ابداهم , وكان مع
الحسين فرس له يدعى لاحقا عليه ابنه علي بن الحسين.
قال : فلما دنا منه القوم دعا براحلته , فركبها, ثم نادى باعلى صوته دعاء يسمع جل الناس : ايها الناس اسـمعوا قولي , ولا تعجلوني حتى اعظكم بما الحق لكم علي , وحتى اعتذر اليكم من مقدمي عليكم ,
فان قبلتم عذري وصدقتم قولي واعطيتموني النصف كنتم بذلك اسعد, ولم يكن لكم علي سبيل , وان
لـم تـقبلوا مني العذر ولم تعطوا النصف من انفسكم , فاجمعوا امركم وشركاءكم , ثم لا يكن امركم
عليكم غمة , ثم اقضوا الي ولا.
تنظرون , ان وليي اللّه الذي نزل الكتاب , وهو يتولى الصالحين ((187)).
قـال : فلما سمع اخواته كلامه هذا, صحن وبكين وبكت بناته , فارتفعت اصواتهن , فارسل اليهن اخاه
الـعـبـاس بـن علي , وعليا ابنه , وقال لهما اسكتاهن فلعمري ليكثرن بكاؤهن فلما سكتن , حمد اللّه
واثـنـى عـليه , وذكر اللّه بما هو اهله , وصلى على محمد صلى اللّه عليه وعلى ملائكته وانبيائه
فذكر من ذلك ما اللّه اعلم , وما لا.
يحصى ذكره , قال :
فـواللّه ما سمعت متكلما قط قبله ولا بعده ابلغ في منطق منه , ثم قال : اما بعد فانسبوني فانظروا من
انـا, ثـم ارجعوا الى انفسكم وعاتبوها فانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ الست ابن بنت
نبيكم (ص ) وابن وصيه وابن عمه واول المؤمنين باللّه والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربه ؟
اولـيس حمزة سيد الشهداء عم ابي ؟ اوليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمي ؟ او لم يبلغكم
قـول مـستفيض فيكم : ان رسول اللّه (ص ) قال لي ولاخي ((هذان سيدا شباب اهل الجنة ))؟ فان
صـدقتموني بما اقول وهو الحق , واللّه ما تعمدت كذبا مذ علمت ان اللّه يمقت عليه اهله , ويضر به
مـن اخـتـلـقـه الانـصـاري , او ابـا سعيد الخدري , او سهل بن سعد الساعدي , او زيد بن ارقم , او انس ابن مالك ,
يـخـبـروكم انهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللّه (ص ) لي ولاخي , افما في هذا حاجز لكم عن
سـفـك دمي ؟ فقال له شمر بن ذي الجوشن : هو يعبد اللّه على حرف , ان كان يدري ما تقول , فقال له
حـبـيـب بن مظاهر: واللّه اني لاراك تعبد اللّه على سبعين حرفا, وانا اشهد انك صادق ما تدري ما
يـقول , قد طبع اللّه على قلبك , ثم قال لهم الحسين : فان كنتم في شك من هذا القول افتشكون اثرا ما
اني ابن بنت نبيكم ؟ فواللّه ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم انا ابن
بـنـت نـبيكم خاصة , اخبروني اتطلبونني بقتيل منكم قتلته ؟ او مال لكم استهلكته ؟ جراحة ؟.
قـال : فاخذوا لا يكلمونه , قال : فنادى : يا شبث بن ربعي ويا يزيد بن الحارث على جند لك مجندة , فاقبل ؟ ثم قال : ايها الناس الاشـعث : او لا تنزل على حكم بني عمك , فانهم لن يروك الا ما تحب , ولن يصل اليك منهم مفكروه ,
فـقال له الحسين : انت اخو خيك , اتريد ان يطلبك بنو هاشم باكثر من دم مسلم بن عقيل اعـطيهم بيدي اعطاء الذليل , ولا اقر اقرار العبيد اني عذت بربي وربكم ان ترجمون اعوذ بربي
وربـكـم مـن كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب قال : ثم انه اناخ راحلته وامر عقبة بن سمعان فعقلها,
واقبلوا يزحفون نحوه.
وروى عـن كثير بن عبد اللّه الشعبي , قال : لما زحفنا قبل الحسين , خرج الينا زهير بن القين على فـرس لـه ذنـوب شـاك في السلاح فقال : يا اهل الكوفة الـمسلم نصيحة اخيه المسلم , ونحن حتى الان اخوة , وعلى دين واحد, وملة واحدة , مالم يقع بيننا
وبـيـنكم السيف , وانتم للنصحية منا اهل , فاذا وقع السيف انقطعت العصمة , وكنا امة وانتم امة , ان
اللّه قـد ابـتـلانـا وايـاكم بذرية نبيه محمد (ص ), لينظر ما نحن وانتم عاملون , انا ندعوكم الى
نصرهم , وخذلان الطاغية عبيد اللّه بن زياد, فانكم لا تدركون منهما الا بسوء عمر سلطانهما كله ليسملان اعينكم اماثلكم وقراءكم امثال حجر بن عدي واصحابه وهانئ بن عروة واشباهه.
قـال : فسبوه واثنوا على عبيد اللّه بن زياد ودعوا له وقالوا: واللّه لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن
مـعه اللّه عليها احق بالود والنصر من ابن سمية , فان لم تنصروهم فاعيذكم باللّه ان تقتلوهم , فخلوا بين
هذا الرجل وبين ابن عمه يزيد.
بن معاوية فلعمري ان يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين.
قال : فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم زهـير: يا ابن البوال على عقبه آيـتين , فابشر الخزي يوم القيامة والعذاب الاليم قال : افبالموت تخوفني ؟.
فواللّه للموت معه احب الي من الخلد معكم , قال : ثم اقبل على الناس رافعا صوته , فقال : عباد اللّه يـغرنكم من دينكم هذا الجلف الجافي واشباهه , فواللّه لا تنال شفاعة محمد (ص ) قوما هرقوا دماء
ذريـتـه واهل بيته , وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم قال : فناداه رجل فقال له : ان ابا عبد اللّه
يـقـول لـك اقبل وابلغت لو نفع النصح والابلاغ.
وروى عن عدي بن حرملة قال : ان الحر بن يزيد لما زحف عمر بن سعد قال له : اصلحك اللّه انـت هـذا الرجل ؟ واحـدة من الخصال التي عرض عليكم رضى ؟ ولـكن اميرك قد ابى ذلك , قال : فاقبل حتى وقف من الناس موقفا, ومعه رجل من قومه يقال له قرة بن
قـيس , فقال : يا قرة انـه يريد ان يتنحى فلا يشهد القتال , وكره ان اراه حين يصنع ذلك فيخاف ان ارفعه عليه , فقلت له :
لم اسقه , وانا منطلق فساقيه قال : فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه , قال : فواللّه لو انه اطلعني على
الذي يريد لخرجت معه الى الحسين قال : فاخذ يدنوا من حسين , قليلا قليلا, فقال له رجل من قومه
يقال له المهاجر بن اوس : ما تريد يا ابن يزيد؟ اتريد ان تحمل ؟ فسكت واخذه مثل العرواء, فقال له :
يا ابن يزيد مـن اشجع اهل الكوفة رجلا؟ ما عدوتك الـجنة والنار, واللّه لا اختار على الجنة شيئا ولو قطعت وحرقت , ثم ضرب فرسه فلحق بحسين
(ع ) فقال له : جعلني اللّه فداك يا ابن رسول اللّه انا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في
الـطـريق , وجعجعت بك في هذا المكان , واللّه الذي لا اله الا هو ما ظننت ان القوم يردون عليك ما
عـرضـت عليهم ابدا, ولا يبلغون منك هذه المنزلة فقلت في نفسي : لا ابالي ان اطيع القوم في بعض
امـرهـم ولا يرون اني خرجت من طاعتهم , واما هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرض
عـلـيـهم , وواللّه لو ظننت انهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك , واني قد جئتك تائبا مما كان مني الى
ربـي , ومـواسـيـا لك بنفسي حتى اموت بين يديك , افترى ذلك لي توبة ؟ قال : نعم يتوب اللّه عليك ,
ويـغفر لك , ما اسمك ؟ قال : انا الحر بن يزيد فـي الـدنـيـا والاخرة , انزل النزول ما يصير آخر امري , قال الحسين : فاصنع يرحمك اللّه ما بدا لك.
فـاسـتـقـدم امام اصحابه ثم قال : ايها القوم عليكم فيعافيكم اللّه من حربه وقتاله ؟ قالوا: هذا الامير عمر بن سعد فكلمه , فكلمه بمثل ما كلمه
بـه قـبل , وبمثل ما كلم به اصحابه , قال عمر: قد حرصت , لو وجدت الى ذلك سبيلا فعلت , فقال : يا
اهل الكوفة دونـه ثـم عدوتم عليه لتقتلوه , امسكتم بنفسه واخذتم بكظمه واحطتم به من كل جانب , فمنعتموه
التوجه في بلاد اللّه العريضة حتى يامن ويامن اهل بيته , واصبح في ايديكم كالاسير لا يملك لنفسه
نفعا ولا يدفع ضرا, وحلاتموه ونساءه واصيبيته واصحابه.
عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني , وتمرغ فيه خنازير السواد
وكلابه , وهاهم قد صرعهم العطش , بئسما خلفتم محمدا في ذريته , لا سقاكم اللّه يوم الظما, ان لم
تـتـوبـوا وتنزعوا عما انتم عليه من يومكم هذا, في ساعتكم هذه , فحملت عليه رجالة لهم ترميه
بالنبل , فاقبل حتى وقف امام الحسين.
قـال سبط ابن الجوزي : ثم ان الحسين عليه السلام ركب فرسه , واخذ مصحفا ونشره على راسه , ووقف بازاء القوم وقال : يا قوم ((188)).
وقـال الـخـوارزمي : لما عبا ابن سعد اصحابه , فاحاطوا بالحسين من كل جانب حتى جعلوه في مثل
الحلقة , خرج الحسين من اصحابه فاتاهم فاستنصتهم , فابوا ان ينصتوا فقال لهم : ويلكم تنصتوا الي فتسمعوا قولي انصتوا له , فقال :
تـبا لكم ايتها الجماعة وترحا لـنا في ايمانكم , وحششتم علينا نارا اقتدحناها على عدونا وعدوكم , فاصبحتم البا لاعدائكم على
اولـيـائكـم , بغير عدل افشوه فيكم , ولا امل اصبح لكم فيهم , فهلا لكم الويلات تركتمونا والسيف
مـشـيـم والـجاش طامن , والراي لما يستحصف , ولكن اسرعتم اليها كطيرة الدبا, وتداعيتم عليها
كتهافت الفراش , ثم نقضتموها, فسحقا لكم يا عبيد الامة الـكلم , وعصبة الاثم ونفثة الشيطان , ومطفئي السنن , ويحكم اجـل واللّه غـدر فـيكم قديم , وشجت عليه اصولكم , وتازرت فروعكم , فكنتم اخبث ثمر, شجى
للناظر واكلة للغاصب