اللّه (ص ) فـي سـنـة سـبع من الهجرة بمارية وباختها سيرين والف مثقال ذهبا وعشرين ثوبا لينا
وبغلته الدلدل وحماره عفير, ويقال : يعفور, ومعهم خصي يقال له : مابور, شيخ كبير, كان اخا مارية ,
وبعث ذلك كله مع الحاطب ابن ((77)) ابي بلتعة , فعرض حاطب ابن ابي بلتعة على مارية الاسلام ,
ورغـبـهـا فيه , فاسلمت واسلمت اختها, واقام الخصي على دينه , حتى اسلم بالمدينة بعد على عهد
رسول اللّه , وكان رسول اللّه معجبا بام ابراهيم , وكانت بيضاء جميلة , فانزلها رسول اللّه في العالية
فـي الـمال الذي يقال لها اليوم مشربة ام ابراهيم , وكان رسول اللّه يختلف اليها هناك , وضرب عليها
الحجاب , وكان يطاها بملك اليمين , فلما حملت وضعت هناك , وقبلتها سلمى مولاة رسول اللّه , فجاء
ابـو رافـع ((78)) زوج سـلـمـى فبشر رسول اللّه بابراهيم , فوهب له عبدا, وكان ذلك في ذي
الـحجة سنة ثمان من الهجرة , وتنافست الانصار في ابراهيم واحبوا ان يفرغوا مارية للنبي (ص )
لـمـا يـعـلـمـون مـن هـواه فـيـهـا, (وغـار نساء رسول اللّه (ص ) واشتد عليهن حين رزق منها
الولد) ((79)) .
وفي الطبقات ايضا (وكانت ثقلت على نساء النبي (ص ) وغرن عليها ولا مثل عائشة ).
وحـدثت ام المؤمنين وقالت : (لما ولد ابراهيم جاء به رسول اللّه (ص ) الي فقال : انظري الى شبهه
بـي فـقـلـت : ما ارى شبها, فقال رسول اللّه (ص ): الا ترين الى بياضه ولحمه , قالت : من سقي البان
الضان , ابيض وسمن ) ((80)) .
وكـان مـن اثـر مـا صدر من ام المؤمنين عائشة وحفصة في حق مارية نزول سورة التحريم , كما
نوردها في مايلي :.
بسم اللّه الرحمن الرحيم .
(يا ايها النبي لم تحرم ما احل اللّه لك تبتغي مرضات ازواجك واللّه غفور رحيم قد فرض اللّه لكم
تحلة ايمانكم ).
في تفسير الطبري عن ابن عباس قال :.
كـانـت حفصة وعائشة متحابتين وكانتا زوجتي النبي (ص ) فذهبت حفصة الى ابيها فتحدثت عنده
فارسل النبي (ص ) الى جاريته فظلت معه في بيت حفصة وكان اليوم الذي ياتي فيه عائشة فرجعت
حفصة فوجدتهما في بيتها فجعلت تنتظر خروجها وغارت غيرة شديدة فاخرج رسول اللّه (ص )
جـاريـته ودخلت حفصة فقالت قد رايت من كان عندك واللّه لقد سؤتني فقال النبي (ص ) واللّه اني
لارضينك فاني مسر اليك سرا فاحفظيه قالت : ما هو قال : اني اشهدك ان سرتي هذه علي حرام رضا
لـك , وكـانـت حفصة وعائشة تظاهران على نساء النبي (ص ) فانطلقت حفصة الى عائشة فاسرت
الـيها: ان ابشري ان النبي (ص ) قد حرم عليه فتاته فلما اخبرت بسر النبي (ص ) اظهر اللّه عز
وجل النبي (ص ) فانزل اللّه على رسوله لما تظاهرتا عليه (ياايها النبي لم تحرم ) ـ الى قوله تعالى
ـ (وهو العليم الحكيم ) ((81)) .
وقريب منه رواية عروة بن الزبير في طبقات ابن سعد ((82)) وفي رواية الضحاك :.
كـانت لرسول اللّه (ص ) فتاة فغشيها فبصرت به حفصة وكان اليوم يوم عائشة وكانتا متظاهرتين
فـقـال رسـول اللّه (ص ) اكـتمي علي ولا تذكري لعائشة ما رايت فذكرت حفصة لعائشة فغضبت
عـائشـة فلم تزل بنبي اللّه (ص ) حتى حلف ان لا يقربها ابدا فانزل اللّه هذه الاية وامره ان يكفر
يمينه وياتي جاريته ((83)) .
(واذ اسـر النبي الى بعض ازواجه حديثا فلما نبات به واظهره اللّه عليه عرف بعضه واعرض عن
بعض فلما نباها به قالت من انباك هذا قال نباني العليم الخبير).
في تفسير الطبري :.
(هـو فـي قـول ابن عباس وقتادة وزيد بن اسلم وابنه عبدالرحمن والشعبي والضحاك بن مزاحم :
حفصة وقد ذكرنا الرواية في ذلك قبل ).
وروى وقال :.
واذ اسـر الـنبيالى بعض ازواجه حديثا, قوله لها لا تذكريه فلما نبات به واظهره اللّه عليه عرف
بعضه واعرض عن بعض وكان كريما (ص ).
وقـولـه : فلما نباها به يقول : فلما خبر حفصة نبي اللّه (ص ) بما اظهره اللّه عليه من افشائها سر
رسـول اللّه (ص ) الـى عـائشـة (قالت : من انباك هذا) يقول قالت حفصة لرسول اللّه من انباك هذا
الـخبر واخبرك به (قال نباني العليم الخبير) يقول تعالى ذكره : قال محمد نبي اللّه لحفصة خبرني
به العليم بسرائر عباده .
(ان تـتوبا الى اللّه فقد صغت قلوبكما وان تظاهرا عليه فان اللّه هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين
والملائكة بعد ذلك ظهير).
في تفسير الطبري عن ابن عباس قال :.
(مكثت سنة وانا اريد ان اسال عمر بن الخطاب عن المتظاهرتين فما اجد له موضعا اساله فيه , حتى
خـرج حـاجـا وصـحبته حتى اذا كان بمر الظهران , ذهب لحاجته وقال ادركني باداوة من ماء فلما
قـضى حاجته ورجع اتيته بالاداوة اصبها عليه فرايت موضعا, فقلت : يا امير المؤمنين المتظاهرتان على رسول اللّه (ص ) فما قضيت كلامي حتى قال : عائشة وحفصة (رض ).
تواترت هذه الرواية عن ابن عباس وفي بعض الفاظها بعض الاختلاف في بعض الاسانيد ((84)) .
في تفسير الطبري عن ابن مسعود والضحاك وسفيان : فقد صغت قلوبكما: فقد زاغت قلوبكما.
وعن ابن عباس :.
فقد صغت قلوبكما يقول : فقد زاغت قلوبكما يقول : قد اثمت قلوبكما ((85)) .
وفي تفسير السيوطي الدر المنثور عن ابن مردوية وابن عساكر عن علي بن ابي طالب وابن عباس
في قوله : (وصالح المؤمنين ) قال : هو علي بن ابي طالب .
وعن اسماء بنت عميس :.
سمعت رسول اللّه (ص ) يقول : (وصالح المؤمنين ) قال : علي بن ابي طالب ((86)) .
(عسى ربه ان طلقكن ان يبدله ازواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات .
قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وابكارا).
(قانتات ) قال الراغب في مفردته :.
القنوت : لزوم الطاعة مع الخضوع .
(سائحات ) قال الراغب :.
(سـائحات : صائمات , قال بعضهم : الصوم ضربان : حقيقي وهو ترك المطعم والمنكح , وصوم حكمي
وهو حفظ الجوارح عن المعاصي كالسمع والبصر واللسان , فالسائح هو الذي يصوم هذا الصوم دون
الصوم الاول , وقيل :.
الـسائحون : هم الذين يتحرون ما اقتضاه قوله : (افلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون
بها او آذان يسمعون بها).
(يا ايها الذين امنوا قوا انفسكم واهليكم نارا وقودها الناس والحجارة .
عـلـيـهـا مـلائكة غلاظ شداد لايعصون اللّه ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون يا ايها الذين كفروا لا
تعتذروا اليوم انما تجزون ماكنتم تعملون ).
(قوا انفسكم ) في تفسير الطبري عن علي بن ابي طالب :.
قوا انفسكم واهليكم قال : ادبوهم علموهم .
(يـا ايها الذين امنوا توبوا الى اللّه توبة نصوحا عسى ربكم ان يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات
تجري من تحتها الانهار يوم لا يخزي اللّه النبي والذين امنوا معه نورهم يسعى بين ايديهم وبايمانهم
يـقـولـون ربنا اتمم لنا نورنا واغفر لنا انك على كل شي ء قدير يا ايها النبي جاهد الكفار والمنافقين
واغلظ عليهم وماويهم جهنم وبئس المصير).
لـمـا ورد في الخطاب الى زوجتي الرسول المتظاهرتين امر بالتوبة , وفي وصف الزوجات اللاتي
عسى ربه ان يبدلهن بالمطلقات : التائبات وصف في هذه الاية التوبة المطلوبة بالنصوح .
وقـال الـراغـب فـي تـفسير النصوح : (هو من قولهم : نصحت له الود: اي اخلصته , وناصح العسل
خـالـصـه , او من قولهم : نصحت الجلد: خطته , و (توبوا الى اللّه توبة نصوحا) من احد هذين : اما
الاخلاص واما الاحكام ).
وفي تفسير السورة قال السيد قطب :.
(هذه السورة تعرض في صدرها صفحة من الحياة البيتية لرسول اللّه (ص ) وصورة من الانفعالات
والاسـتـجـابـات الانـسـانـيـة بين بعض نسائه وبعض , وبينهن وبينه والاستجابات في حياته (ص ) وفي حياة الجماعة المسلمة كذلك ثم في التوجيهات العامة للامة على
ضوء ما وقع في بيوت رسول اللّه وبين ازواجه ).
(ضـرب اللّه مـثـلا لـلـذيـن كـفروا امراة نوح وامراة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين
فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من اللّه شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين وضرب اللّه مثلا للذين آمنوا
امـراة فـرعـون اذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم
الظالمين ومريم ابنة عمران التي احصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه
وكانت من القانتين ).
(فـخـانـتـاهما) في تفسير الطبري عن ابن عباس , قال : (ما بغت امراة نبي قط فخانتاهما, قال : في
الدين ).
وكـانت خيانتهما انهما كانتا على غير دينهما فكانت امراة نوح تطلع على سر نوح , فاذا آمن مع نوح
احـد اخبرت الجبابرة من قوم نوح به فكان ذلك من امرها واما امراة لوط فكانت اذا ضاف لوطا احد
اخبرت به اهل المدينة ممن يعمل السوء).
(فلم يغنيا عنهما) في تفسير الطبري عن سعيد بن جبير:.
(لـم يغن نوح ولوط عن امراتيهما من اللّه لما عاقبهما على خيانتهما زوجيهما شيئا, ولم ينفعهما ان
كان زوجاهما نبيين ) ((87)) .
(احصنت فرجها).
قال الراغب في المفردات :.
(المحصنة اما بعفتها او تزوجها او بمانع من شرفها وحريتها).
قال السيد قطب في تفسيره :.
(الـحـادث الـذي نـزل بـشـانه صدر هذه السورة هو واحد من تلك الامثلة التي كانت تقع في حياة
الرسول (ص ), وفي حياة ازواجه ).
(وبمناسبة هذا الحادث وما ورد فيه من توجيهات , وبخاصة دعوة .
الـزوجتين المتمرتين فيه الى التوبة , اعقبه في السورة دعوة الى التوبة والى قيام اصحاب البيوت
على بيوتهم بالتربية ووقاية انفسهم واهليهم من النار.
كما ورد مشهد للكافرين في هذه النار, واختتمت السورة بالحديث عن امراة نوح وامراة لوط كمثل
لـلكفر في بيت مؤمن وعن امراة فرعون كمثل للايمان في بيت كافر وكذلك عن مريم ابنة عمران
التي تطهرت فتلقت النفخة من روح اللّه وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ).
قال المؤلف :.
من بلاغة القرآن تطابق العدد بالتثنية في المثل بين المراتين الكافرتين زوجتي النبيين والاخريين
المؤمنتين مع المتظاهرتين في صدر السورة .
مع ذكرى خديجة :.
اخـرج الـبـخـاري في صحيحه ((88)) , في باب غيرة النساء من كتاب النكاح عن عائشة , قالت :
(ماغرت على امراة لرسول اللّه كما غرت على خديجة , لكثرة ذكر رسول اللّه (ص ) اياها وثنائه
عليها, وقد اوحى اللّه الى رسول اللّه , ان يبشرها ببيت في الجنة من قصب ) ((89)) .
واخـرج ((90)) فـي بـاب مناقب خديجة منه , انها قالت : ما غرت على احد من نساء النبي ما غرت
على خديجة , وما رايتها في صدائق خديجة وفي رواية قال بعده اني لاحب حبيبها ((91)) .
وفيه ايضا عن ام المؤمنين قالت : استاذنت هالة بنت خويلد اخت .
خـديجة ((92)) على رسول اللّه (ص ), فعرف استيذان خديجة , فارتاع لذلك , فقال (اللّه م هالة )
قـالـت : فغرت , فقلت : ما تذكر من عجوز من عجايز قريش , حمراء الشدقين , هلكت في الدهر قد
ابدلك اللّه خيرا منها وفي مسند احمد بعد هذا: (فتغير وجه رسول اللّه تغيرا ما كنت اراه الا عند نزول الوحي او عند
المخيلة حتى ينزل , ارحمة هو ام عذاب ) ((93)) .
وفي رواية ((94)) قال لها: (ما ابدلني اللّه خيرا منها, قد آمنت بي اذ كفر بي الناس , وصدقتني اذ
كـذبـنـي الناس , وواستني بمالها اذ حرمني الناس , ورزقني اللّه عز وجل ولدها اذ حرمني اولاد
النساء) انتهى .
وفـي روايـة الاسـتـيعاب قالت : كان رسول اللّه (ص ) لايكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة
فيحسن الثناء عليها.
مـا فـتئ الرسول يذكر زوجه الاولى خديجة , ويعيش مع ذكراها مؤثرا ذوي قراباتها واصدقائها
ببره واحسانه حتى اوغر بذلك صدر ام المؤمنين عائشة ,.
فـاعترضت عليه غير مرة , وزاد في الطين بلة ما تلقته من الرسول اخيرا من تقريع ولوم في ذلك ,
ومـا سـمعته من المدح والقدح المتقابلين مما حز في نفسها وآلمها كثيرا, فاثر ذلك تاثيرا سيئا في
عـلاقاتها مع فاطمة ابنة خديجة من رسول اللّه , وفي علاقاتها مع زوج فاطمة وبنيها الذين خصهم
الـرسـول بـمـزيد من عطفه , وحدبه عليهم , ومن آثار ذلك ما رواه احمد في مسنده ((95)) عن
النعمان ابن .
بـشـيـر, حـيث قال : استاذن ابو بكر على رسول اللّه (ص ) فسمع صوت عائشة عاليا وهي تقول :
(واللّه لقد عرفت ان عليا احب اليك من ابي ومني مرتين او ثلاثا الحديث ).
وكـانت ـ احيانا لاتذكره بخير ـ, روت عائشة ان النبي خرج يمشي بين رجلين من اهله , احدهما
الفضل بن عباس ورجل آخر).
قـال ابن عباس للراوي هل تدري من الرجل الاخر قال : لا, قال : علي بن ابي طالب ولكـنها كانت لا
تقـدر على ان تذكـره بخـير وهي تستطيع ) ((96)) .
وقـد وصـف بـعـض ذلك ابن ابي طالب في خطبته التي قال فيها: (اما فلانة فقد ادركها ضعف راي
النساء, وضغن غلا في صدرها, كمرجل القين ((97)) .
.
وفي الكنز ((99)) : (واما عائشة فقد ادركها راي النساء وشي كان في نفسها علي يغلي كالمرجل ,
ولو دعيت لتنال من غيري ما اتت الي لم تفعل , ولها بعد ذلك حرمتها الاولى , والحساب على اللّه , يعفو
عمن يشاء ويعذب من يشاء).
ويناسب في المقام ان نورد ما ذكره ابن ابي الحديد في شرحه لهذه .
الخطبة ((100)) :.
قـال ابـن ابي الحديد: وقد كنت قراته على الشيخ ابي يعقوب يوسف بن اسماعيل اللمعاني (ره ) ايام
اشـتغالي عليه بعلم الكلام , وسالته عما عنده فيه , فاجابني بجواب طويل انا اذكر محصوله , بعضه
بلفظه وبعضه بلفظي , فقد شذ عني الان لفظه كله بعينه , قال : اول بدء الضغن كان بينها وبين فاطمة ,
وذلـك لان رسـول اللّه تزوجها عقيب موت خديجة , فاقامها مقامها, وفاطمة هي ابنة خديجة , ومن
الـمـعلوم ان ابنة الرجل اذا ماتت امها وتزوج ابوها اخرى كان بين الابنة وبين المراة كدر وشنن ,
وهذا لا بد منه , لان الزوجة تنفس عليها ميل الاب , والبنت تكره ميل ابيها الى امراة غريبة , كالضرة
لامـهـا, بـل هـي ضـرة عـلـى الحقيقة وان كانت الام ميتة , ولانا لو قدرنا الام حية لكانت العداوة
مـضـطـرمـة , متسعرة , فاذا كانت قد ماتت , ورثت ابنتها تلك العداوة ثم اتفق ان رسول اللّه مال اليها
واحبها, فازداد ما عند فاطمة بحسب زيادة ميله .
واكـرم رسـول اللّه فـاطـمة اكراما عظيما اكثر مما كان الناس يظنونه , واكثر من اكرام الرجال
لبناتهم , حتى خرج بها عن حد حب الاباء للاولاد, فقال بمحضر الخاص والعام مرارا لا مرة واحدة ,
فـي مـقـامـات مـخـتلفة لا في مقام واحد: انها سيدة نساء العالمين ((101)) , وانها عديلة مريم بنت
((102)) غضوا
, وانـها اذا مرت في الموقف , نادى مناد من جهة العرش , يا اهل الموقف ابـصـاركـم لتعبر فاطمة بنت محمد ((103)) وهذا من الاحاديث الصحيحة , وليس من الاحاديث
الـمـسـتـضـعـفة , وان انكاحه عليا اياها ما كان الا بعدما انكحه اللّه تعالى اياها في السماء, بشهادة
الـمـلائكة ((104)) , وكم قال ـ لا مرة ـ: (يؤذيني ما يؤذيها, ويغضبني ما يغضبها) ((105)) , و
(انـهـا بـضـعة مني يريبني مايريبها ((106)) فكان هذا وامثاله يوجب زيادة الضغن عند الزوجة ,
حـسب زيادة هذا التعظيم والتبجيل , والنفوس البشرية تغيظ على ما دون هذا فكيف هذا؟ ثم حصل
عـنـد بـعلها ما هو حاصل عندها ـ اعني عليا عليه السلام ـ فان النساء كثيرا ما يجعلن الاحقاد في
قـلـوب الـرجال , لاسيما وهن محدثات الليل , كما قيل في المثل , وكانت تكثر الشكوى من عائشة ,
ويغشاها نساء المدينة وجيران بيتها, فينقلن اليها كلمات عن عائشة , ثم يذهبن الى بيت عائشة فينقلن
الـيها كلمات عن فاطمة , وكما كانت فاطمة تشكو الى بعلها, كانت عائشة تشكو الى ابيها, لعلمها ان
بعلها لا يشكيها على ابنته , فحصل في نفس ابي بكر من ذلك اثر ما, ثم تزايد تقريظ رسول اللّه لعلي,
وتقريبه واختصاصه , فاحدث ذلك حسدا له , وغبطة في نفس ابي بكر عنه , وهو ابوها, وفي نفس
طـلـحة وهو ابن عمها, وهي تجلس اليهما, وتسمع كلامهما, وهما يجلسان اليها ويحادثانها فاعدى
الـيها منهما كما اعدتهما قال : ولست ابرئ عليا من مثل ذلك , ثم كان بينها وبين علي في حياة الرسول
احـوال واقـوال , كـلـهـا تـقـتـضـي تـهـيـج مـا في النفوس , نحو ما روي انه سائره يوما واطال
مـنـاجاته ((107)) , فجاءت , وهي سائرة خلفهما, حتى دخلت بينهما, وقالت : فيم انتما فقد اطلتما,
فيقال ان رسول اللّه ـ صلى اللّه عليه وآله ـ غضب ذلك اليوم , وما روي من حديث الجفنة من الثريد
الـتـي امـرت الخادم , فوقفت لها فاكفاتها, ونحو ذلك مما يكون بين الاهل وبين المراة واحمائها, ثم
اتـفـق ان فـاطـمة ولدت اولادا كثيرة , بنين وبنات ولم تلد هي ولدا, وان رسول اللّه كان يقيم بني
فاطمة مقام بنيه , ويسمي الواحد منهما ابني , ويقول : (دعوا لي ابني ) و (لاتزرموا على ابني ) و (ما
فـعـل ابني ) فما ظنك بالزوجة اذا حرمت الولد من البعل , ثم رات البعل يتبنى بني ابنته من غيرها,
ويـحـنو عليهم حنو الوالد المشفق , هل تكون محبة لاولئك البنين ولامهم ولابيهم ام مبغضة ؟ وهل
تود دوام ذلك واستمراره ام زواله وانقضاءه ثم اتفق ان رسول اللّه (ص ) سد باب ابيها الى المسجد, وفتح باب صهره ((108)) ,.
ثـمـ بـعـث اباها ببراءة الى مكة , ثم عزله عنها بصهره ((109)) , فقدح ذلك ايضا في نفسها, وولد
لـرسـول اللّه ابـراهـيـم من مارية , فاظهر علي بذلك سرورا كثيرا, وكان يتعصب لمارية , ويقوم
بـامـرهـا عند رسول اللّه (ص ) ميلا على غيرها, وجرت لمارية نكبة , فبراها علي منها, وكشف
بـطلانها, او كشفه اللّه على يده , وكان ذلك كشفا محسا بالبصر, لا يتهيا للمنافقين ان يقولوا فيه ما
قـالوه في القرآن المنزل ببراءة عائشة , وكل ذلك مما يوغر صدر عائشة عليه , ويؤكد ما في نفسها
مـنه , ثم مات ابراهيم , فابطنت شماتة , وان اظهرت كبة , ووجم علي من ذلك , وكذلك فاطمة , وكانا
يؤثران مارية , ويريدان ان تتميز عليها بالولد, فلم يقدر لهما ولا لمارية ذلك , وبقيت الامور على ما
هي عليه .
وكان علي لايشك ان الامر له , وانه لاينازعه فيه احد من الناس , ولهذا قال له عمه : امدد يدك ابايعك ,
فيقال : عم رسول اللّه بايع ابن عم رسول اللّه , فلا يختلف عليك اثنان .
قال : ياعم وهل يطمع فيها طامع غيري قال : فاني لا احب هذا الامر من وراء رتاج ((110)) , واحب ان اصحر به , فسكت عنه ((111)) فلما
ثـقـل رسـول اللّه فـي مـرضـه , انفذ جيش اسامة , وجعل فيه ابا بكر ((112)) وغيره من اعلام
الـمـهـاجرين والانصار فكان علي حينئذ بوصوله الى الامر ـ ان حدث برسول اللّه حدث ـ اوثق ,
ويغلب على ظنه ان المدينة لو مات لخلت من منازع ينازعه الامر بالكلية , فياخذه صفوا وعفوا, وتتم
له البيعة , فلا يتهيا فسخها لو رام ضد منازعته عليها, فكان من عود ابي بكر من جيش اسامة بارسالها
ـ يعني عائشة ـ اليه واعلامه بان رسول اللّه يموت ما كان .
ومـن حـديـث الـصلاة بالناس ما عرف , فنسب علي الى عائشة انها امرت بلالا مولى ابيها ان يامره
فـلـيـصل بالناس , لان رسول اللّه كما روي قال ليصل بهم احدهم , ولم يعين , وكانت صلاة الصبح ,
فـخـرج رسول اللّه وهو في آخر رمق يتهادى بين علي والفضل بن العباس , حتى قام في المحراب
كـمـا ورد فـي الـخـبر, ثم دخل , فمات ارتفاع الضحى , فجعل يوم صلاته حجة في صرف الامر
اليه ((113)) .
وقال : ايكم يطيب نفسا ان يتقدم قدمين قدمهما رسول اللّه في الصلاة , ولم يحملوا خروج رسول اللّه
الـى الـصلاة لصرفه عنها, بل لمحافظته على الصلاة مهما امكن , فبويع على هذه النكتة التي اتهمها
علي انها ابتدات منها, وكان علي يذكر هذا لاصحابه في خلواته كثيرا, ويقول :.
انـه لـم يقل (انكن لصويحبات يوسف ) الا انكارا لهذه الحال , وغضبا منها, لانها وحفصة تبادرتا الى
تـعـيـين ابويهما, وانه استدركها بخروجه , وصرفه عن المحراب , فلم يجد ذلك ولا اثر, مع قوة
الـداعـي الـذي كان يدعو الى ابي بكر, ويمهد له قاعدة الامر, وتقرر حاله في نفوس الناس , ومن
اتـبـعـه على ذلك من اعيان المهاجرين والانصار ((114)) , ولما ساعد على ذلك من الحظ الفلكي ,
والامر السمائي الذي جمع عليه القلوب والاهواء.
فـكـانـت هـذه الحال عند علي اعظم من كل عظيم , وهي الطامة الكبرى , والمصيبة العظمى , ولم
يـنـسبها الا الى عائشة وحدها, ولا علق الامر الواقع الابها, فدعا عليها في خلواته وبين خواصه ,
وتظلم الى اللّه منها, وجرى له في تخلفه عن البيعة ماهو مشهور حتى بايع ((115)) .
وكـان يـبلغه وفاطمة عنها كل ما يكرهانه منذ مات رسول اللّه , الى ان توفيت فاطمة وهما صابران
عـلـى مـضـض ورمض , واستظهرت بولاية ابيها واستطالت وعظم شانها, وانخذل علي وفاطمة ,
وقهرا واخذت فدك , وخرجت فاطمة تجادل في ذلك مرارا, فلم تظفر بشي ء ((116)) , وفي ذلك
تبلغها النساء الداخلات والخارجات عن عائشة كل كلام يسوءها ويبلغن عائشة عنها وعن بعلها مثل
ذلـك الا انـه شتان ما بين الحالتين , وبعد ما بين الفريقين هذه غالبة , وهذه مغلوبة وهذه آمرة وهذه
مامورة , وظهر التشفي والشماتة ولا شي ء اعظم مرارة ومشقة من شماتة العدو فقلت له ـ ره ـ: افتقول انت : ان عائشة عينت اباها للصلاة ورسول .
اللّه (ص ) لـم يـعـيـنه حاضرا ولم اكن حاضرا, فانا محجوج بالاخبار التي اتصلت بي ((117)) , وهي تتضمن تعيين النبي
لابي بكر في الصلاة وهو محجوج بما كان قد علمه , او يغلب على ظنه من الحال التي كان حضرها.
قال : ثم ماتت فاطمة , فجاء نساء رسول اللّه كلهن الى بني هاشم في .
الـعـزاء الا عـائشـة فـانـهـا لـم تـات , واظـهـرت مـرضـا, ونـقل الى علي عنها كلام يدل على
السرور ((118)) .
ثـم بايع علي اباها, فسرت بذلك , واظهرت من الاستبشار بتمام البيعة واستقرار الخلافة وبطلان
مـنازعة الخصم ما قد نقله الناقلون فاكثروا, واستمرت الامور على هذه مدة خلافة ابيها وخلافة
عمر وعثمان , والقلوب تغلي والاحقاد تذيب الحجارة , وكلما طال الزمن على علي تضاعفت همومه
وغـمومه , وباح بما في نفسه الى ان قتل عثمان , وقد كانت عائشة اشد الناس عليه تاليبا وتحريضا,
فقالت : ابعده اللّه .
واملت ان تكون الخلافة في طلحة , فتعود الامرة تيمية كما كانت اولا, فعدل الناس عنه الى علي بن
ابي طالب , فلما سمعت ذلك صرخت :.
واعـثـمـانـاه قتل عثمان مظلوما, وثار ما في الانفس حتى تولد من ذلك يوم الجمل وما بعده قال ابن
الحديد: هذه خلاصة كلام الشيخ ابي يعقوب ـ ره ـ ولم يكن يتشيع انتهى .
قـد اوردنـا قسما كبيرا من محاورة ابن ابي الحديد وشيخه ((119)) في شرح كلام علي بن ابي
طـالـب , لـما كان فيها من ايضاح لغوامض لنا عن حياة ام المؤمنين الزوجية , وعلاقاتها باسرة النبي
الاقربين في عصره , والاحداث التي نشات عنها بعده , ونقتصر عليه في دراسة بعض نواحي حياتها
الزوجية , لما في عرضها مفصلا من خروج بنا عن الدراسة الممهدة لفهم احاديثها الى دراسة مفصلة
لحياتها واثرها على المجتمع الاسلامي , مما ينبغي بحثها في دراسات اخرى .
والـذي نـستخلصه من كل ما مر, ان ام المؤمنين كانت امراة غيرى , تغار على زوجها الرسول , وان
غـيرتها هذه كانت تؤثر على حياتها الزوجية , وعلاقاتها بزوجات الرسول وسراياه وسائر افراد
اسـرتـه وسـنـرى ـ مـضـافـا الـى ما راينا في ما مر ـ انها كانت تغار على مصلحة ذوي قرباها,
وحزبهم ((120)) ايضا بمثل تلك القوة والشدة , وان هذه الصفة (الغيرة الشديدة ) المصحوبة بحدة
الطبع كانت تدفعها الى اعمال عنيفة , واقوال حادة مما عقدنا الفصول الاتية لدراسة اكثرها.
على عهد الخـليفتين .
الخليفتان .
الخليفتان هما:.
ا ـ ابو بكر الملقب بالصديق والعتيق , عبداللّه بن ابي قحافة , عثمان بن عامر ابن عمرو بن كعب بن
سـعـد بن تيم بن مرة القرشي التيمي , وامه ام الخير سلمي , او ليلى بنت صخر بن عامر بن كعب بن
سعد بن تيم بن مرة .
ولد بعد الفيل بسنتين او ثلاث , وكان من السابقين الاولين الى الاسلام .
صـاحـب الـرسـول فـي هـجـرتـه الـى الـمـديـنة , وشهد بدرا وما بعدها, وبويع بالخلافة في
السقيفة ((121)) بعد وفاة رسول اللّه وقبل دفنه , وتوفي لثماني ليال بقين من جمادى الاخرة سنة
ثـلاث عـشـرة , ودفـن في حجرة رسول اللّه , وعمره ثلاث وستون سنة , وكانت خلافته سنتين
وثلاثة اشهر وعشر ليال او ستا وعشرين .
ب ـ ابـو حـفص الفاروق عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رباح ابن عبداللّه بن قرط بن
رزاح بن عدي القرشي العدوي , وامه حنتمة بنت هشام او هاشم بن المغيرة بن عبداللّه بن عمر بن
مخزوم , اسلم بعد نيف وخمسين رجلا وامراة , وهاجر الى المدينة وشهد بدرا وما بعدها استخلفه
ابو بكر من بعده , وانتشرت الفتوح الاسلامية في عهده .
طعنه ابو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لاربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين , وعمره
خمس وخمسون او ثلاث وستون ((122)) , ودفن هلال المحرم سنة اربع وعشرين الى جنب ابي
بكر في حجرة رسول اللّه (ص ), وكانت خلافته عشر سنين وستة اشهر وخمس ليال .
ارجاع السلطة اليها في الفتيا ـ تفضيلها في العطاء ـ منع ازواج .
النبي من الحج ـ حجهن في آخر عهد عمر ـ خفرهن في طريق الحج ـ قلة .
الحديث في عهد الشيخين ـ احاديثها في هذا العهد ـ عصور الحديث ـ.
رثاء عمر على لسان الجن ـ تبادل الحب والاحترام ـ جعل بيتها دارا.
للشورى ـ نتيجة البحث .
لـقد قضت ام المؤمنين عائشة حياتها في نزاع حاد عنيف , وتنافس حزبي صاخب الا ماكان من ايامها
عـلـى عـهد الشيخين , فانها قضتها قريرة العين , منعمة الحال , هانئة بما كانت تراه من غلبة حزبها
واسـتـيـلائه عـلى الحكم , وبما احيطت من رعاية خاصة اوصلتها الى ما كانت خليقة بها من مكانة
مرموقة في المجتمع الاسلامي حتى اليوم , فقد توفي الرسول (ص ) عن تسع زوجات ولم نجد في
تـلـكم التسع من يرجع الخليفتان اليهما في الفتيا كما كانا يفعلان مع ام المؤمنين عائشة ومما يؤيد ما
ذكرناه ما اخرجه ابن سعد في طبقاته ((123)) عن القاسم قال :.
(كانت عائشة قد استقلت بالفتوى في عهد ابي بكر وعمر وعثمان وهلم جرا الى ان ماتت ).
وما اخرجه عن محمود بن لبيد قال : (وكانت عائشة تفتي في عهد عمر وعثمان الى ان ماتت يرحمها
اللّه ), وكـان الاكابر من اصحاب رسول اللّه (ص ) عمر وعثمان بعده يرسلان اليها فيسالانها عن
السنن .
وكما اننا لم نجد في تلكم التسع من فضلت في العطاء ما عداها, فقد.
اخرج ابن سعد ((124)) بترجمتها عن مصعب بن سعد, قال : (فرض عمر لامهات المؤمنين عشرة
آلاف وزاد عائشة الفين , وقال : انها.
حبيبة رسول اللّه (ص ).
وعن ذكران مولى عائشة , قال : قدم درج من العراق فيه جوهر الى عمر, فقال لاصحابه اتدرون ما
ثمنه فقالوا: لا ولم يدروا كيف يقسمونه اتـاذنون ان ارسل به الى عائشة لحب رسول اللّه اياها؟ قالوا: نعم فبعث به اليها, فقالت ماذا فتح اللّه
على ابن الخطاب , اللّه م لا تبقيني لعطيته لقابل ((125)) .
والسلطة التي فضلتها في العطاء في هذا العهد, وارجعت اليها في الفتيا, حجرت عليها داخل المدينة
فـيـمـن حجرت عليه ((126)) , ولم تتركها تخرج من المدينة حتى الى الحج والعمرة , روى ابن
سعد في طبقاته : (ان عمر بن الخطاب منع ازواج النبي (ص ) من الحج والعمرة ) ((127)) .
ولـمـا كـانت الحجة التي حج فيها عمر بن الخطاب سنة ثلاث وعشرين (وهي آخر حجة حجها
عـمـر فـي السنة التي توفي فيها) ارسل اليه ازواج النبي يستاذن في الخروج ماعدا زينب وسودة
فـانهما لم تحجا بعد النبي , وقالتا: لا يحركنا ظهر بعير, وقالت سودة : قد حججت واعتمرت , فانا
اقـعـد فـي بـيتي كما امرني اللّه ((128)) , فاذن لهن , وامر بجهازهن , فحملن في الهوادج عليهن
الاكـسـيـة الـخـضـر ـ الـطـيالسة الخضر ـ وهن حجرة من الناس , وبعث معهن عبدالرحمن بن
عوف ((129)) .
وعثمان بن عفان , فكان عثمان يسير على راحلته امامهن وينادي :.
الا لا يـدنو اليهن احد, ولا ينظر اليهن احد, فلا يدع احدا يدنو منهن ولا يراهن الا من مد البصر,
فـاذا دنـا مـنهن احد يصيح : اليك , اليك , وكان عبدالرحمن يسير على راحلته من ورائهن يفعل مثل
ذلـك ((130)) وروي عـن الـمـسور ابن مخرمة ((131)) انه قال : ربما رايت الرجل ينيخ على
الطريق لاصلاح رحل او بعض ما يصلح من جهازه , فيلحقه عثمان وهو امام ازواج النبي (ص ) فان
كـان فـي الطريق سعة اخذ يمين الطريق او يساره , فيبعد عنه , وان لم يجد سعة وقف ناحية حتى
يـرحل الرجل او يقضي حاجته وقد رايته يلقى الناس مقبلين في وجهه من مكة على الطريق , فيقول
لـهـم يمنة او يسرة , فينيخهم حتى يكونوا مد البصر حتى يمضين , وكن ينزلن مع عمر كل منزل ,
وكانا ينزلان بهن في الشعاب وينزلان في في ء الشعب ولا يتركان احدا يمر عليهن .
وفي رواية اخرى : ينزلانهن بصدر الشعب وينزلان بذنب الشعب , ولايصعد اليهن احد وفي اخرى ,
(ينزلهن في الشعب الذي ليس له منفذ), وفي اخرى :.
(وقد ستروا عليهن الشجر من كل ناحية ) ((132)) .
ان ام الـمـؤمـنين عائشة لم تخرج في هذا العهد غير هذه السفرة من المدينة , وانما قضت ايامها في
بـيتها في حياة رتيبة هادئة لايختلف اولها عن آخرها, ترجع اليها السلطة في ماتحتاج اليه من افتاء,
فـتـحدث هي عن رسول اللّه في ذلك , وكان ذلك لها من السلطة غاية الاجلال والتكريم , مضافا الى
تـفـضـيـلـها في العطاء ومن المظنون ظنا راجحا ان التحديث كان في هذا العهد نزرا يسيرا وذلك
لانـصـراف الـمـسلمين بقضهم وقضيضهم الى الفتوح , واتفاق الراي وخضوع الجميع للخلفاء حتى
النصف الاول من خلافة عثمان , مضافا الى انهم في المدينة كانوا يعيشون جميعا مع من عاشر النبي ,
فـلم يكن هناك مسوغ للاكثار من الحديث عن عصر الرسول , ومن المظنون ايضا ان من ذلك النزر
الـيسير ما روي عن ام المؤمنين في تاييد الخلافة القائمة يومذاك , فانها كانت من اشد المؤيدين لها,
ولم يكن ثمة تاييد اقوى من نشر الحديث عن رسول اللّه في شان الخلافة والخلفاء, ومن الجائز ان
يكون من احاديثها في هذا العصر وفي هذا الباب ما اخرجه مسلم في صحيحه عنها ((133)) قالت :.
قـال لي رسول اللّه (ص ) في مرضه : (ادعي لي ابا بكر اباك واخاك حتى اكتب كتابا فاني اخاف ان
يتمنى متمن ويقول قائل : انا اولى , ويابى اللّه والمؤمنون الا ابا بكر).
وعن ابي مليكة ((134)) قال : قالت عائشة : لما ثقل رسول اللّه (ص ) قال لعبدالرحمن بن ابي بكر:
(ائتـني بكتف ولوح حتى اكتب لابي بكر لا يختلف عليه فلما ذهب عبدالرحمن ليقوم , قال : ابى اللّه
والمؤمنون ان يختلف عليك ابا بكر ومنها ايضا ما اخرجه مسلم ((135)) عن ابي مليكة : قال سئلت عائشة : من كان رسول اللّه مستخلفا
لو استخلفه :.
قالت : ابو بكر.
فقيل لها: ثم من بعد ابي بكر.
قالت : عمر.
ثم قيل لها: من بعد عمر؟.
((136)).
ثم انتهت الى هذا الـى غير هذا من حديث كثير روي عنها في فضائلهما مما سنستعرضه في باب احاديثها ان شاء اللّه
تعالى .
عصور الحديث :.
وانما جوزنا ان يكون عصر الشيخين عصر نشر هذه الاحاديث , لانا نجد الاحاديث التي فيها ذكر الـخلفاء الاربعة , وان رسول اللّه كان يستخلفهم لو استخلف احدا, الى نظائر هذه الاحاديث في هذا
الباب انما تنقسم الى اربعة اقسام :.
القسم الاول منها ما فيه ذكر الخلفاء الاربعة حسب تسنمهم الخلافة .
واحـدا بعد الاخر حتى علي بن ابي طالب , فذلك ما نرى فيه انه قد حدث من بعد علي بن ابي طالب
وبعد تدرج الخلفاء الاربعة عليها.
ومن هذا النوع من الحديث ما اخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة ((137)) .
عن النبي انه قال :.
(كـنـت انا وابو بكر وعمر وعثمان وعلي انوارا على يمين العرش قبل ان يخلق آدم بالف عام , فلما
خـلق اسكنا ظهره , ولم نزل ننتقل في الاصلاب الطاهرة الى ان نقلني اللّه الى صلب عبداللّه , ونقل
ابـا بكر الى صلب ابي قحافة , ونقل عمر الى صلب الخطاب , ونقل عثمان الى صلب عفان , ونقل عليا
الـى صـلـب ابـي طالب , ثم اختارهم لي , فجعل ابا بكر صديقا, وعمر فاروقا, وعثمان ذا النورين ,
وعليا وصيا, فمن سب اصحابي فقد سبني ومن سبني فقد سب اللّه , ومن سب اللّه اكبه في النار على
منخره ).
وانما نرى تاخر وضع هذا النوع من الحديث عن عصر علي الى ما بعده لان هذا الحديث مثلا مضافا
الـى مـا فـيـه من ذكر السب , والسب كان قد انتشر في عصر معاوية وبتحريض منه ولم يكن سب
الصحابة الخلفاء الاوائل في عصر الرسول متداولا بين الناس ليمنع الحديث عنه .
ان ذكر الخلفاء الاربعة مسلسلا, ينبغي ان يكون بعد مجيئهم كذلك الى الحكم وليس قبله .
وفي عصر علي وان كان الخلفاء الثلاثة قد تدرجوا على الخلافة كذلك غير ان المسلمين كانوا قد
انشقوا الى حزبين : حزب ينقم على عثمان , وآخر لايذكر عليا بخير فمن كان يضع هذا الحديث وفي زمن معاوية وان كان السب قد انتشر وتنافس الناس على وضع الحديث ((138)) غير ان ذلك
كـلـه كـان لـمـحـاربة علي وبنيه ورهطه من بني هاشم وشيعتهم , وان السياسة الاموية كانت قد
استندت في حكمها على التفريق بين علي وساير الخلفاء قبله , وجعله قبالهم , واستمرت الحال على
ذلـك الـى آخـر الـعصر الاموي, اذن فلابد من القول بتاخر وضع هذا الحديث عن هذه العصور الى
عـصـر ضعف الامويين , ومن قبل قيام الدولة العباسية , لان العباسيين ايضا اخذوا ـ بعد استيلائهم
على الخلافة ـ في مضايقة بني عمومتهم العلويين , وحاربوهم في كل مجال كالامويين .
فـلم يبق عصر يناسب وضع هذا الحديث الا اخريات العصر الاموي , وعند ضعف دولتهم , وانتشار
الدعوة لال البيت , حيث ان الهاشميين يومذاك (علويين وعباسيين ) كانت كلمتهم مجتمعة , وكان في
نشر اسم ابن ابي طالب في قائمة الخلفاء ونشر فضائله الى جنب فضائل الخلفاء الثلاثة تاييد لسياسة
الـعـباسيين قبال سياسة خصومهم الامويين القائمة على اخراج اسمه من قائمة الخلفاء بعد الرسول
(ص ), ونشر مدح الثلاثة مع نشر ذمه .
ونـرى ان الـعباسيين قد ذهبوا الى ابعد من هذا في مقابلة سياسة خصومهم الامويين بسياسة خاصة
بهم يومذاك , وذلك باخراج اسم عثمان من قائمة الخلفاء بعد الرسول (ص ) ولعل الحديث الاتي الذي
يؤيد ماذهبنا اليه قد وضع ايضا في ذلك العصر.
فـي اسـد الـغابة ((139)) عن جابر بن عبداللّه الانصاري ((140)) قال : كنا مع رسول اللّه في
صور ((141)) بالمدينة , فقال :.
(يطلع عليكم رجل من اهل الجنة ), فجاء ابو بكر, فهنيناه ثم قال :.
(يطلع عليكم رجل من اهل الجنة ), فجاء عمر, فهنيناه , ثم قال :.
(يـطـلـع عليكم رجل من اهل الجنة ), قال : ورايت رسول اللّه (ص ) يصغي راسه من تحت السعف
ويقول :.
(اللّه م ا4ن شئت جعلته عليا), فجاء, علي فهنيناه .
ولـيـس انـكـارنـا لهذا النوع من الاحاديث ناشئا من انكارنا فضائل الرسول والاطائب من ارومته ,
والابرار من صحابته جملة واحدة .
معاذ اللّه ان نكون كذلك , فلسنا بمنكري فضائلهم الجمة وانما ننكر ـ مثلا ـ.
ان يكون اللّه قد ميز بعض صحابة الرسول الذين اصابتهم الخلافة على من اخطاتهم , فخلق الاولين
مـن نـور, وجـبل الاخرين من طين , ثم نشك في كل حديث يرد فيه اسم الراشدين مسلسلا حسب
مجيئهم الى الحكم , مضافا الى قرائن اخرى نشير الى بعضها في محلها ان شاء اللّه تعالى .
والقسم الثاني من تلكم الاحاديث ما فيها ذكر الخلفاء الثلاثة واحدا.
بعد الاخر حتى عثمان .
وهذا ما نرى فيه انه قد حدث به من بعد استيلاء عثمان على الخلافة لا قبله , واذا كان في الحديث
مضافا الى ذلك ذكر قتل عثمان , فلابد من القول بانه قد حدث به من بعد قتله وليس قبله .
والثالث من تلك الاحاديث ما فيه ذكر الخليفتين واحدا بعد الاخر وهذا ما نرى فيه انه قد حدث به
بـعـد اسـتـيـلاء عمر على الخلافة والرابع منها ما اختص بذكر استخلاف ابي بكر وحده , فمن
المحتمل ان يكون التحديث به قبل استخلاف عمر.
وعلى هذا فانا نجوز ان يكون حديث الكتابة لابي بكر انما حدث به في عصره لخلوه عن ذكر عمر.
اما حديث (لو كان رسول اللّه مستخلفا لاستخلف ابا بكر, ومن بعد ابي بكر عمر, ومن بعد عمر ابا
عبيدة ) فنظن ظنا قويا انه قد حدث به في عصر عمر, ومن قبل استخلاف عثمان لما فيه تاييد في
رايه لابي عبيدة حيث كان يقول : لو كان ابو عبيدة حيا لاستخلفته ) ((142)) .
ذكرنا بعض احاديث ام المؤمنين مما راينا نشره يناسب عصر الخليفتين , وكثير من احاديثها ما لا بد
من القول بانها قد نشرت بعد عصرهما.
ومـنها الحديث الاتي فقد حدث به بعد وفاة عمر, ومن الجائز ان يكون التحديث به بعد عمر بزمن
بعيد:.
رثاء الجن :.
فـي تـرجمة عمر من الاستيعاب واسد الغابة وترجمة الشمـاخ من الاغاني بسندهم الى عروة بن الزبير عن ام المؤمنين عائشة قالت ((143)) :.
ناحت الجن على عمر قبل ان يقتل بثلاث , فقالت :.
ا ـ ابعد قتيل بالمدينة اظلمت ـــــ له الارض تهتز العضاة باسوق .
ب ـ جزى اللّه خيرا من امام وباركت ـــــ يد اللّه في ذاك الاديم المـمزق .
ج ـ فمن يسع او يركب جناحي نعامة ـــــ ليدرك ما قـدمت بالامس يسـبق .
د ـ قضيت امورا ثم غادرت بعدها ـــــ بواثـق في اكمامـها لم تفتـق .
ه ـ فما كنت اخشى ان تكون وفاته ـــــ بكفى سبنتى ازرق العين مطرق ((144)) .
وانـمـا جـوزنـا ان يكون عصر نشر هذا الحديث بعد الخليفة عمر بزمان بعيد, لما وجدنا فيه من
تـعـريض بالعصر الذي تفتقت الاكمام فيه عن الشرور والخصومات وهذا يناسب النصف الثاني من
عهد الخليفة عثمان الى ما بعده .