منهج البحث التاريخي لدى

العلاّمة العسكري

 قراءة في كتب :

أحاديث السيِّدة عائشة أم المؤمنين ..

عبد الله بن سبأ .. خمسون و مائة صحابي مختلق

د . زهير غزّاوي - فلسطين

 تمهيد

            ربّما كان ما يجمع هذه الكتب ناظم واحد دفعني إلى الكتابة عنها معاً، فهي تتجه إلى مناقشة ممتعة للمرحلة المبكرة في التاريخ الإسلامي، و كلّها تتفق على الالحاح على فكرة أساسية تتعلق بتأثير الانتماء القبلي على كتابة التاريخ وصولاً إلى تزوير حقائق ووضع خرافات و كتابة أحاديث كاذبة على لسان رسول الله .

            ينطلق السيد مرتضى العسكري من فكرة رئيسة يناقش من خلالها مشروعية تأليف هذه الكتب، تلك هي واجب الدفاع عن الرّسول (ص) . و الدفاع عن الرّسول هو عملياً دفاع عن شخصية النبي كلّها باعتباره معصوماً لا ينطق عن الهوى و أن الاسلام لا ينفصل عن النبي الّذي جاء به و أبلغه للنّاس، مستنداً إلى بداهة أن تشويه شخصية الرّسول يصل منطقياً إلى تشويه رسالة الإسلام ذاتها، و يتوازى مع تلك الفكرة مسألة أساسية تتمثل في أن الإسلام كلّه عقائده و  أحكامه و سائر علومه، أصوله في القرآن وشرحه وتفسيره، يكون مثاله و تجسيده في سنّة النبي حديثه وسيرته، لذلك قرن الله طاعته بطاعة نبيّه في آيات كثيرة (ص 45 ، ج 2 ، خمسون ومائة صحابي مختلق).

            يقول المثل الانكليزي : (المغني وليس الاغنية) .. إن المغني أهم من الاغنية الّتي ينطق بها رغم أنه يموت و تخلد الأغنية، وهذا جداً صحيح. من هنا تركزت جل الشبهات الّتي أثارها أعداء الإسلام على شخصية الرّسول(ص). ولقد تمّ التدقيق فى سيرة الرّسول ضمن عشرات الكتب القديمة والحديثة بهدف واحد هو الوصول إلى كنه الايديولوجيا الإسلامية وقضية التوحيد والإيمان بالله الخالق . كل ذلك من خلال شخصية النبي ذاتها بالدرجة الأولى قبل التدقيق البنيوي في النصوص وبلاغتها و منطقيتها. ولنتصور أن التاريخ قدم دليلاً واحداً على سوء سيرة النّبي محمّد، فكيف يمكن أن يكون منطق المدافعين عن الإسلام رغم كل ما فيه من أفكار عظيمة وانسانية.

            علينا الاعتراف بدءاً أن حياة النبي ومن حوله في سبيل نشر الإسلام كانت مرحلة صراع مرير ليس في سبيل نشر الإسلام وحسب، انّما بسبب من الظروف الموضوعية المحيطة والّتي كان في قمتها الوضع القبلي المختلف الّذي من سمته الرئيسية أن يكون أداة التقييم الأساسية لدى الأشخاص والجماعات بحيث يحجب فكرة العدالة كلياً . ولله درّ الّذي لخص الوضع برمته في بيت الشعر يقول:

وما أنا إلاّ مـن غزية إن غوت *** غويت و إن ترشد غزية أرشد

            في خضم هذا الصراع الّذي استمر شرساً بعد رحيل النبي إلى الرفيق الأعلى، الّذي كانت حياته القصيرة (صلوات الله عليه) مجرد هدنة قبلية بين الأجنحة المتصارعة، كان للإسلام أن يفرز أدوات جديدة لإثبات الحق لهذا الطرف أو ذاك ، لعلّ أهمها على الإطلاق مسألة استخدام حياة الرّسول الكريم من قول و عمل (أو بمعنى أشمل سنّته) كبراهين لدعم وسائل وسبل سلوك هذا الصراع بين الأطراف جميعاً .

            من هنا جاءت الأهمية المصيرية لأحاديث الرّسول واستحالة انفصالها عن القرآن الكريم الموحى به من الله والّذي استحال تشويهه لأسباب عديدة ومعروفة.

            وإذا أردنا أن ندرك مدى أهمية السنة النبوية يمكننا أن نعود إلى قول الشافعي المعروف وهو صاحب المذهب الّذي يعد المتعبدون به بعشرات الملايين يقول (الحديث الصحيح مذهبي). وكما هو معروف فإن كل الفرق الإسلامية العديدة تستند في سلوكها وتعبدها وأيضاً تناقضها و صراعها إلى أحاديث الرّسول .

            على هذا الدرب يمكن أن ندعم مصداقية الأهمية المصيرية للسنّة وما يرتبط منها بشخصية الرّسول عندما نورد حديثاً واحداً ثابتاً للسيدة عائشة أم المؤمنين حين قالت مرة مخاطبة النّبي «ما أرى إلاّ أن ربّك يسارع في هواك» (راجع البخاري ج 6 ص 24 ، ص 128). لقد استند كل أصحاب الشبهات منذ أوائل يهود المدينة المنوّرة وصولاً إلى سلمان رشدي حديثاً مروراً بكل المستشرقين إلى هذا الحديث البسيط ( الّذي قد يكون دافعه الغيرة الانثوية كما اجتهد المفسرون ) للتشكيك بكل الإسلام و القرآن و الرّسول الكريم دفعة واحدة .

            لقد أصبح ثابتاً في التاريخ الإسلامي أن الصراع القبلي تنامى بعد الخلافة الراشدة إلى درجة حدوث معركة مرج راهط عام 64 هـ  بين القيسية واليمنية والتي انتهت بهزيمة اليمنية و انتصار القيسية بدعم من السلطة الأموية في عهد مروان بن الحكم .

            هذا الصراع كان له ببساطة أن يكون المناخ الذي يتم فيه تزوير حديث الرّسول ليدعم كلّ طرف حجته، آخذين بعين الإعتبار المكانة والاحترام و التقديس الّذي يحتله الرّسول (ص) في قلوب المسلمين. وعندما جاء المحدثون بعد ذلك بذلوا جهوداً مضنية لإثبات الصحيح من هذا الحديث ، ولكن المفارقة التي لم يستطيعوا تجاوزها تمثلت في رواة الحديث وصولاً إلى المصدر الأصلي الّذي ينقل عن النبيّ مباشرة، و ظلّ السؤال الحائر الّذي يختلف عليه المسلمون حتّى اللّحظة .. هل يمكن أن يكذب الصحابة الكرام على لسان نبيّهم ؟

            وبما أن التاريخ والواقع يقول أن لا أحد معصوماً إلاّ الرّسول ذاته لا غير، فإن الصراع يؤدي إلى استخدام وسائل غير شريفة أحياناً حتّى من قبل النّاس الشرفاء ، أو الّذين أحيطوا بهالات القداسة بسبب من الصراع ذاته .

            لقد بذل السيّد مرتضى العسكري في رأيي جهوداً مضنية تصل إلى درجة جهود كتّاب الصحاح القدماء في سبيل اعداد كتبه الثلاثة، وما من شكّ في أنه تمكن من الوصول إلى إضافة جديدة للتاريخ الإسلامي في صدر الدعوة، خاصة و أنه أبرز الكثير ممّا تمّ وضعه و أدى إلى التأثير إلى حدّ بعيد على الباحثين الكبار في السيرة النّبوية الشريفة، أمثال الطبري و ابن خلدون و الذهبي و غيرهم .

            منهج البحث :

            ينطلق السيّد العسكري من فرضيتين :

            الأولى تتعلق بتأثير الانتماء القبلي على كتّاب التاريخ تأييداً لطرف على طرف، وهذا يعني كتابة التاريخ بما يناسب هوى الكاتب والابتعاد عن الموضوعية الّتي يقتضيها البحث العلمي .

            الثانية تتعلق باختلاق أشخاص وأحداث : بسبب من الإرتباط الوثيق بين القرآن والسنّة النّبوية، و بما أن سيرة حياة الرّسول تاريخياً جزء من السنّة النّبوية استناداً إلى التعريف المعتمد لهذا المصطلح، فقد جرى إضافة أحداث و أشخاص إلى السيرة أدت إلى التشويه و الإيحاء باستنتاجات أريد لها تزوير طبيعة الصراع الّذي جرى في حياة الرّسول وفي زمن الخلافة الراشدة لصالح طرف دون آخر ، أو في سبيل التوفيق و طرح سبب الخلاف بين الصحابة على عاتق أطراف أخرى لم تكن موجودة أصلاً ممّا يؤدي إلى تبسيط الامور و الحؤول دون إدانة من يستحق ذلك .

            كما أشرت سابقاً فإن الكاتب ينحو إلى الدفاع عن السنّة النّبوية عندما يسعى إلى تصحيح ما لحق بالسيرة من تحريف . و غني عن القول أن حياة الصحابة تعتبر في الإسلام جزءاً من حياة النّبي انطلاقاً من كونهم عايشوه مباشرة و نقلوا عنه واقتدوا به، لهذا كانت حياتهم جميعاً مصدراً أساسياً من مصادر كتابة السّيرة النّبوية بما في ذلك الحديث النّبوي الشريف ..

            يسعى العلاّمة السيّد مرتضى العسكري إلى اثبات حقيقة الفرضيتين من خلال البرهنة عليهما في كتابيه (خمسون ومائة صحابي مختلق) و (عبد الله بن سبأ) : إنّه يكشف ببساطة أن الكثير من التشويه و التحريف و الاختلاق دخل إلى كتب السّيرة استناداً إلى كتابين مبكرين نشرا في القرن الثاني الهجري بعنوان (الفتوح الكبير و الردة) و (الجمل وسير عائشة وعليّ) للمؤلف سيف بن عمر المتوفي باختلاف بين الرواة عام 170 هجرية. تنطلق أهمية هذا المؤلف و كتابيه ليس في قيمتها الذاتية بقدر خطورة تأثيرهما على كُتّاب التاريخ الإسلامي الكبار (أو بالأحرى الّذين لا يوجد غيرهم بين أيدينا لكي ننقل عنهم).

            ويقوم المؤلف بتعدادهم جميعاً وتحديد ما أخذوه من سيف بن عمر، وهي خمسة عشر مرجعاً ربّما كانت معظم ما لدينا من مراجع مبكرة للتاريخ الإسلامي .

            1 - الفهرست لابن النديم . 2 - الاشتقاق لابن دريد . 3 - تاريخ الأمم و الملوك للطبري . 4 - الجرح و التعديل للرازي . 5 - الاستيعاب لابن عبد البر . 6 - ميزان الاعتدال وتاريخ الإسلام الكبير للذهبي . 7 - لباب الأنساب لابن الأثير . 8 - مـعجم البلدان  للحموي . 9 - التمهيد و البيان لابن أبي بكر . 10 - الإصابة و تهذيب التهذيب لابن حجر . 11 - القاموس للفيروزآبادي . 12 - اللآلي المصنوعة للسيوطي . 13  -  خلاصة التهذيب لصفي الدّين. 14 - كشف الظنون. 15 - هداية العارفين لإسماعيل باشا.

            هنا لابدّ من الإشارة إلى شيخ المؤرخين الإمام الطبري المتوفي عام 310 هـ ، فهو أقدم المراجع المعتمدة و أكثرها رصانة و اعتبر مرجعاً شاملاً لكل الباحثين الّذين جاءوا بعده لأنه يعتمد إلى حدّ ما على المنهج العلمي في الكتابة، ولأنّه يروي كل ما يصله من أخبار ثمّ يدلي برأيه في أصدقها و أقربها للحقيقة (ص 72 ، ج 1 عبد الله بن سبأ).

            في هذا المجال سأقوم بعرض موجز للكتب الثلاثة ثمّ أقوم بمناقشتها مجملة و ذلك بسبب اتصالها الوثيق .

            أ - عبد الله بن سبأ : جزآن، دار الزهراء للطباعة و النشر بيروت ، ط 6 ، 1991 ، تمّت الطبعة الأُولى منه عام 1375 هـ (1955 م).

            يثبت المؤلف أن هذه الشخصية الّتي سمّى الكتاب بها مختلقة من أساسها لدى المؤلف سيف بن عمر ، وقد قام بوضعها ليحمّلها أسباب الخلاف بين الصحابة في مسألة الفتنة الكبرى عندما قامت انتفاضة على الخليفة عثمان بن عفّان أدّت إلى مقتله .

            عبد الله بن سبأ كما ورد هو يهودي من صنعاء ( ولقب بابن السوداء) أما اختياره من اليمن فقد شرحه المؤلف في كتاب (خمسون و مائة صحابي مختلق) و يعزو ذلك إلى أسباب قبلية محضة غايتها التقليل من شأن اليمنية، وهذا اليهودي اعتنق الإسلام في عهد عثمان بن عفّان و حرّض المسلمين على الفتنة الّتي انتهت بمقتل الخليفة، و حرّض كذلك على حرب الجمل بين عليّ و عائشة .

            الجانب الايدلوجي من السبأية، الّتي أصبحت مذهباً لدى سيف بن عمر، القول بأن للنّبي محمّد رجعة كما لعيسى بن مريم و أن علياً هو وصي محمّد وهو خاتم الأوصياء و أن عثمان غاصب حق هذا الوصي و ظالمه فيجب مناهضته لإرجاع الحق لأهله. لقب ابن سبأ بإبن الأمة السوداء وأصبح له دعاة ومريدون ينشرون الفساد في الأقطار الإسلامية . وقد حدّد الكاتب (سيف) من بين بعض أتباع بن سبأ أشخاصاً من اجلاء الصحابة مثل عمّار بن ياسر و مالك الأشتر و عبدالرّحمن بن أبي بكر وغيرهم، أي باختصار معظم أصحاب الإمام علي بن أبي طالب المخلصين.

            يستنتج المؤلف من ذلك أن الكتاب وضع بتحريض من السلطات القائمة (الأمويون خاصة) بغاية واضحة تنحو إلى تشويه التشيّع و وصم أتباعه بأنهم مفسدون في الأرض و خارجون عن الإسلام .

            وبما أنّ سيف بن عمر يروي في كتابه أحاديث عن الرّسول (ص) فقد وقع في براثن علماء الحديث وأبدوا فيه آراء تتراوح بين أنه ضعيف الحديث وصولاً إلى أنه ليس بشيء و كذاب . السنن لأبي داود (ج 1 ص 76 من الكتاب).

            يعتبر السيّد العسكري أن مؤلفات سيف بن عمر (الّتي ضاعت عملياً) وانتشرت في مختلف المراجع الّتي عدّدها رغم كل ما فيها من خرافات، يعتبرها مجرد رواية أدبية وليس كتاباً في التاريخ، ذلك أن كاتب الرواية يضع فيها من الشخصيات ما يشاء و يصوغ الأحداث أيضاً كما يشاء  . هذه الرواية صارت مرجعاً تاريخياً حتّى أن المناطق الجغرافية الّتي اختلقتها وجدت من يُترجم لها جغرافياً مثل الحموي و الحميري في كتابيهما (المعجم، و الروض).

            ورغم معرفة معظم من نقلوا عن سيف بأنه غير صادق فإنّهم يروون عنه لمجرد المعرفة كما يقول ابن عبد البر في الاستيعاب نقلاً عن أبي حيان .

            من خلال ما روي عن كتابي سيف بن عمر في المراجع السالفة قام السيد العسكرى بتحليل الأحداث واحدة واحدة في جزأي الكتاب، وقد اختص الجزء الأول بتحليل مجموعة من الأحداث أهمها: بعث أسامة، السقيفة، الردّة، قصّة مالك بن نويرة ، نباح كلاب الحوأب، قصّة المغيرة بن شعبة، الشورى و بيعة عثمان وغيرها. هذه الوقائع كما نرى هي من أهم مفاصل التاريخ الإسلامي وقضايا الخلاف الأساسية. أما في الجزء الثاني فيستعرض الكاتب خطورة روايات سيف من حيث أنها توهم بأن الإسلام انتشر بحد السيف خاصة في موضوع حرب الردّة ، ثمّ يفرد لعبدالله بن سبأ و اسطورته مجالاً واسعاً لكي يستعرضها حيثما وردت في كتب أهل الحديث و أهل المقالات ([1]) ، ثمّ يعرج على مصطلح السبأية لكي يوضح : أن كثيراً من رواة الحديث المعتمدين ينتمون إلى السبأية بسبب من أنها قبيلة يمنية منتشرة وفيها كثير من الرواة و المجاهدين والصحابة . و أخيراً يصل إلى أن هذه القبيلة أو بالأحرى الصحابة الأجلاء و التابعين لها كانوا من الموالين للإمام علي و المناصرين له في حروبه .

            انّ الكاتب يتطرق أخيراً إلى ما عمد إليه سيف بن عمر من تزوير في التواريخ لكثير من الأحداث الّتي أوردها إضافة إلى كمية كبيرة من الخرافات الّتي عمد إلى صياغتها خاصة حين ابراز تفاصيل الحروب الّتي خاضها أناس من قبيلة (تميم) مثل عبور البحر إلى البحرين دون نصب جسور ، بمعنى المشي فوق الماء للوصول إلى الجزيرة . وفيها ما اشتهر في كتب التاريخ من حديث سارية، حيث نادى عمر بن الخطّاب من المدينة وكان في المسجد (ياسارية الجبل) فسمعها سارية (وكان يقود كتيبة) والتجأ إلى الجبل فنجا هو والجيش (ج 2 ص 146) وهي قصة مشهورة جداً، شغلت حتّى علماء النفس لتفسيرها استناداً إلى نظرية التليباثي (أي التواصل الروحي بين اثنين) بحيث يتم تخاطبهما من مسافات بعيدة. من خلال المقارنة بين مختلف المراجع يثبت المؤلف أن كل هذه القصص لم ترد إلاّ منقولة عن سيف بن عمر لم يشترك معه فيها أحد من رواة التاريخ المعتمدين. وبما أن المعتمد في كتابة التاريخ وأحاديث الرّسول رفض أحاديث الأحاد جملة و تفصيلاً، وقبول الروايات الّتي يمكن أخذها من مصادر متعددة و مقارنة التقاطعات و التطابقات، هذا إضافة إلى رأي علماء الحديث في سيف بن عمر ذاته و أنه كاذب و وضاع ، يصل السيد العسكري إلى النتيجة المنطقية الّتي تسقط كل ما روي عنه و تحيلها إلى التزوير والفرضية و ممالأة السلطة و القبيلة .

            ب : خمسون و مائة صحابي مختلق: جزآن، دار الزهراء - بيروت ، 1991 ، ط 6 الطبعة الأُولى 1375 هـ (1954 م).

            هذا الكتاب يحتل أهمية بالغة ضمن كتب التحليل التاريخي الّتي صدرت في العصر الحديث. أنه يتطابق من حيث المضمون مع الكتاب الأول، ولأنهما صدرا متتابعين يمكن اعتبارهما كتاباً واحداً و أجزاء.

            فإذا كان الأول يناقش شخصية واحدة هي عبدالله بن سبأ الّذي يمكن اعتباره معاصراً للرسول (ص) و مجموعة كبيرة من الأحداث الهامة، إلاّ أن هذا الكتاب يستعرض إضافة للأحداث المرافقة و الأماكن و التواريخ مجموعة من الشخصيات الّتي تمّ اختراعها من قبل سيف بن عمر و كلها تنطبق عليها مواصفات مصطلح الصحابي.

            إن ما أورده الكتاب يصل من الأهمية إلى درجة مذهلة إذا عرفنا أن بعض هذه الشخصيات المختلقة كانت مصدر مخيلة شبابنا المبدعة ونحن نقرأ تاريخ الفتوح الإسلامية في كتبنا المدرسية، و نقرأ من ضمن ما ورد فيها عن بطل عظيم هو القعقاع بن عمرو الّذي وضع خطة لمهاجمة فيلة الفرس في وقعة القادسية وقلع عيونها وخاصة الفيل الكبير الّذي تراجع إلى الخلف و دمّر تراتيب قتال العدو وأدّى إلى هزيمته ... وها نحن نكتشف من خلال مطالعة هذا الكتاب أن مخترع هؤلاء الابطال كان مخيلة قاص مبدع هو سيف بن عمر وحده.

            هذا الإنسان الّذي وضع رواية وربّما دون أن يقصد دخلت روايته كتب التاريخ لتصبح من أهم المراجع الّتي أغنت لا شعورنا وفولكورنا بمجموعة من الخرافات عن بطولات وهمية لأفراد عشيرته. وممّا لا شكّ فيه أنه وضع قلمه أيضاً في خدمة السلطات الحاكمة (الأموية منها خاصة) حيث أنه يمدحها كثيراً في سطور كتابيه، كما تمّ النقل عنهما في المراجع الكثيرة الّتي أشرنا إليها.

            يبدأ الكتاب بمقدمة هامة حول ما اتّهم به سيف بن عمر من الزندقة وماهية هذا المذهب الّذي انتشر في أواخر العهد الأموي و بدايات العصر العباسي. وهذا المذهب الّذي وصف أيضاً بالمانوية نسبة إلى ماني الفارسي الأصل .. وبالتأكيد فإن تهمة الزندقة ليست من عند السيد العسكري لأنها ملتصقة بالمؤلف منذ زمن بعيد.

            أراد سيف بن عمر أن يقدم عشيرته بني تميم، وكأنها هي الّتي دعمت نشر الإسلام والفتوح إضافة إلى أنها كانت دعامة للعرش الأموي كما هو معروف حتّى أن زعيم هذه القبيلة كان يوصف في كتاب الأغاني بأنه (إذا غضب غضب لغضبه سبعون ألف سيف لا يسألونه لماذا غضب) وكان هذا الزعيم موالياً لمعاوية بن أبي سفيان، واستمرت هذه الموالاة طوال عهد الدولة الأموية لخلفائه .

            وبسبب من شهرة القعقاع بن عمرو بن مالك التميمي سوف نتناوله كنموذج للبحث . ترجم له أبو عمرو في الاستيعاب بأنه أخو عاصم بن عمرو التميمي وكان لهما البلاء الجميل والمقام المحمود في القادسية (ص 91، ج1) زوجته هنيدة بنت عامر الهلالية، صحب رسول الله برأي ابن عساكر و روى عنه أحاديث منها قوله كما ورد في الاصابة لأبن حجر (قال لي رسول الله: ما اعددت للجهاد؟ قلت: طاعة الله ورسوله والخيل، قال: تلك الغاية). شهد وفاة الرسول وتحدث عن مجريات السقيفة رغم أن الرازي مثلاً عندما يروي الأحداث عن القعقاع عن سيف يقول بالحرف: سيف متروك الحديث مبطل حديثه ولكن ذكرناه للمعرفة. وأخذ الحديث ابن عبدالبر مع ذكر التعليق، وأخذ عنه كل من ابن الأثير والذهبي ولم يذكر التعليق.

            يقول السيد العسكري أن كل ما ذكر عن القعقاع لم يرد إلاّ في حديث سيف و تفرّد بروايته بحيث لا يوجد أي تقاطع لذكره في أي مرجع آخر إضافة إلى أحداث منسوبة إليه (وهذا هو الأهم) لم تذكرها كتب التاريخ أو الحديث ولم ترد أبداً مثل: صلاة المهاجرين مع أبي بكر في مسجد الرّسول قبل اجتماع السقيفة ممّا يعني أن الرّسول عهد بالخلافة و الامامة لأبي بكر وهو ما لم يثبت أبداً .

            وهكذا يتابع المؤلف ما ورد حول هذه الشخصية حتّى نهايتها لدى مخترعها و يناقش الأحداث بالتفاصيل والمقارنة والتقاطعات وحتّى ما روي عنه من الشعر والأماكن الّتي جرت فيها الأحداث حتّى موقعة صفّين ثمّ نقله من قبل معاوية بعد عام الجماعة من الكوفة إلى ايليا بفلسطين (ص  171 ، ج 1).

            يذكر المؤلف العسكري جميع الشخصيات الّتي روت عن القعقاع وجميع الكتب الّتي أخذت هذه الروايات ويقول: بحثنا عن هؤلاء الرواة في كتب تراجم رواة الحديث كالعلل ومعرفة رواة الحديث لأحمد بن حنبل، وتاريخ البخاري الكبير وغيرها (لن اذكرها للاختصار)، رجعنا إلى هذه المصادر وعشرات أمثالها ممّا يتصل بالموضوع حتّى الأغاني للأصفهاني ولم نجد لهم ذكراً في غير أحاديث سيف. لهذا جاز لنا أن نعتبرهم من مختلقات سيف من الرواة .. .

            في الجزء الثاني من الكتاب يناقش السيد العسكري مشروعية تأليف الكتاب من مساق الدفاع عن السنّة النبوية من التحريف الّذي ألحقه بها وضاع الحديث. ثمّ يعقد مقارنة مع ما وقع من تحريف في التوراة والإنجيل .. ثمّ يذكر ما ورد في كتب الحديث الكبرى المعتمدة من اشارة إلى تحريف حتّى في القرآن (ص 66 ، ج 2) كآية الرجم وغيرها. ثمّ يعتبر أن كل هذه المحاولات فشلت لأن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ثمّ يخلص إلى أن البحث في كتب السيرة والحديث النبوي واجب كلّ مسلم لأنها قابلة للخطأ بحكم أن كُتّابها بشر مثلنا يخطئون و يصيبون.

            وهكذا يصل إلى القول : (يجب أن نستمر في البحث حتّى نميز الزائف من الصحيح (...) وأما كلمة لا تبحث فإنها لأخبث كلمة على حساب العلم و أشدها ضرراً على الدين (...) وفي سبيل معرفة صحابة الرّسول الّذين تشرفروا بصحبته حقاً وتشخيصهم من المختلقين. على حسابهم نشرت هذا الكتاب) (ص 73، ج 2).

            يستعرض الكتاب بعد ذلك أسماء 93 صحابياً مختلقاً يمكن الرجوع إلى الكتاب لمعرفتهم ومعرفة ماهية اختلافهم والأحداث الّتي وردوا في سياقها مع رسول الله أو صحابته المعروفين.

            ج - أحاديث السيِّدة عائشة: دار الزهراء بيروت ط 2 ، 1992 .

            يمكن اعتبار كتاب كهذا دراسة مستفيضة لحياة السيدة عائشة بنت أبي بكر أم المؤمنين بغرض انصافها فعلاً .. وبالتأكيد فإن المؤلف وفي سبيل عرض الحقيقة عارية يقدّم ما لها وما عليها كونها تميزت عن جميع نساء الرّسول بأنها الأكثر تطلعاً إلى الزعامة والتصدر وصولاً إلى قيادة الجيوش. ولقد ظلّ أخطر ما في حياتها عملياً هو روايتها للحديث عن زوجها الرّسول محمّد (ص) وهو ما وضعها في واجهة النقد وجعل حياتها مادة غنية لكل الّذين يبحثون في هذا المصدر التشريعي الهام جداً.

            تميزت السيدة عائشة بعدائها للإمام علي بن أبي طالب بعد حادثة الافك، وهو حدث تاريخي لا يمكن التشكيك به مطلقاً. وقد شنت عليه حرباً مشهورة بمعركة الجمل. وعندما هزمت و  حلفاءها ظلّت تحرّض عليه حتّى رحل عن هذه الدّنيا. وقد عاشت بعد ذلك على اعطيات الخلفاء الأمويين ولكنها لم تتدخل في السياسة لأنهم (أي الأمويون) وخاصّة معاوية كانوا أمكر من أن يتيحوا الفرصة لها لإثارة الشغب عليهم، ولهذا غمروها بالاعطيات وعاشت معززة مكرمة راوية للحديث وزعيمة للمدينة المنورة حتّى وفاتها.

            السيّدة عائشة أم المؤمنين رحمها الله شخصية مثيرة للجدل والتناقض في مسار حياتها وأحاديثها عن الرّسول .. تعتبرها كتب الصحاح بأنها (ثقة عدل). ومن أجل الحقيقة فقط يناقش السيد العسكري بعضاً من الأحاديث الّتي روتها عن النّبي ليثبت بما لا يقبل الشكّ أبداً أنها أحاديث غير صحيحة و  تسيئ للنّبي (ص). وهذا ما يمكن تلمسه في هذا النموذج الّذي لا يغني عن قراءة الكتاب كلّه:

            رأيها في رضاع الكبير: (ج 1 ، ص 379 من الكتاب).

            (يتلخص الحديث بأن سالماً مولى أبي حذيفة رخص له رسول الله أن يرضع خمس رضعات من زوجة أبي حذيفة بن عتبة وهكذا يصبح ابنهما ويدخل عليها و يراها. هذا الحديث روته عائشة علماً أن سالماً عندما رخص له بالرضاع كان شاباً كبيراً.

            رفضت أزواج النبي حديث عائشة عن النّبي وقلن أنه ربّما كان رخصة لسالم فقط كما ورد في صحيح مسلم. أمّا السيد العسكري فيورد من صحيح مسلم حديثاً للرّسول ينفي الحديث السالف جملة وتفصيلاً ويقول:

            في صحيح مسلم عن مسروق قال: قالت عائشة: دخل عليّ رسول الله وعندي رجل قاعد فاشتد عليه ذلك ورأيت الغضب في وجهه، قالت: قلت يا رسول الله هو أخي في الرضاعة، قالت: فقال انظرن اخوتكن من الرضاعة فانّما الرضاعة من المجاعة. انتهى. ومعنى (انظرن اخوتكن) أي (تأملن وتفكرن ما وقع من ذلك هل هو رضاع صحيح بشرط وقوعه في زمن الرضاعة) (ص 338).

            من أجل توضيح حياة أم المؤمنين لجأ المؤلف إلى دراسة عصرها وأحداثه دراسة وافية هذه الاطلالة قادته إلى بحث كل مراحل حياتها المختلفة المديدة والرجال الّذين عاصرتهم وأثرت بهم وأثروا بها، والحرب الأهلية الّتي خاضتها وقادتها (معركة الجمل) والحروب الأهلية الّتي عاصرتها وأهمها معركة صفّين.

            إنّ السيد العسكري يعتقد أن لمعاوية بن أبي سفيان تأثيراً كبيراً على السيدة عائشة بسبب دعمه المادي لها، منطلقاً من التأثير الكبير للمال في حياة البشر و قراراتهم، ممّا جعله يفرد لحياة معاوية ذاته مساحة كبيرة من البحث فاقت حتّى الفترة الّتي عالجها من حياة أم المؤمنين حيث يقول (ص 285). «ولمّا كان عصر معاوية يمتاز في العصور الإسلامية بانصراف السلطة إلى وضع الحديث. ولكثرة الحديث الموضوع فيه كثرة هائلة أثرت على الفكر الإسلامي مدى العصور، ينبغي درس ذلك العصر و السلطة القائمة فيه وتحليل أشخاصها درساً وتحليلاً وافياً يمكّن من درس الحديث الكثير الموضوع فيه».