|
القرآن الكريم و روايـات المدرستين
الكتاب الثالث مناقشة ما زعمه الاستاذ احسان الهي ظهير «الف حديث شيعي في تحريف القرآن» وبيان زيف ما ادعاه تأليف السيد مرتضى العسكري هوية الكتاب : الكتاب :… القرآن الكريم و روايات المدرستين - الكتاب الثالث المؤلف :… السيد مرتضى العسكريالناشر : … كلية أصول الدين ـ طهران اخراج وتنضيد الحروف: … ياسين الربيعي الطبعة :… الاولى - 1420 هـ / 1999 م المطبعة :…
( إنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ * في كِتَاب مَّكْنُون * لاَّ يَمَسُّهُ إلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ ) (الواقعة / 77 - 80) ( الر كِتَـبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيم خَبِير ) (هود / 1) (حم * وَالْكِتَـبِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَـهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الزخرف/1ـ3) ( و إنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلى قَلبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ * بِلِسَان عَرَبيٍّ مُّبِين ) (الشعراء / 192 - 195) ( ... وَ إِنَّهُ لَكِتَـبٌ عَزِيزٌ * لاَّيَأْتِيهِ الْبَـطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيم حَمِيد ) (فصلت / 41 ـ 42) (النساء / 82 ) (فصلت / 26) ( وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَريقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالِكتَابِ لِتَحسَبُوهُ مِنَ الكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَما هُوَ مِن عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعلَمُونَ ) (آل عمران / 78)
المقدمة
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة على خاتم أنبيائه محمد و آله الطاهرين و السلام على أصحابه المنتجبين و أزواجه امّهات المؤمنين . قبل خمسين عاماً قلت و كتبت : (منذ ألف سنة و المؤرّخون يكتبون عن السبئية وابن سبأ أعمالاً مدهشة خطيرة). و وجدناهم يأخذون ما يروون في شأنهم و شأن خمسين ومائة صحابي مختلق([1]) من زنديق واحد اسمه سيف بن عمر([2]) !!! واليوم أقول و أكتب : (منذ اثني عشر قرناً والمحدثون يروون و يحدثون في شأن القرآن الكريم روايات مذهلة خطيرة) . وفي المجلد الثاني من هذا الكتاب برهنت على انّ تلكم الروايات بمدرسة الخلفاء تنقسم الى ثلاثة أقسام : أ ـ ما افتراه الزنادقة على الله و رسوله وأصحاب رسوله([3]) . ب ـ روايات مفتراة أخرى لايدرى من الذي افتراها. ج ـ روايات فيها مصطلحات قرآنية تغيرت معانيها متدرجا بعد القرن الثالث الهجري عما كانت عليه في عصر الرسول(ص) وأصحابه والائمة من أهل بيته مثل : (نزلت) و (انزلت) و (المقرئ) و (في قراءة فلان). وبيان ذلك : ان الله ـ سبحانه ـ أنزل على رسوله(ص) نوعين من الوحي : أ ـ وحي قرآني وهو ما كان لفظه ومعناه من الله وهو النصّ القرآني . ب ـ وحي بياني وهو ما أوحاه الله إلى رسوله(ص) بياناً للآي النازلة عليه في مثل قوله تعالى: ( فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) فانه كان قد نزل معها بيان منتهى اليد في التيمم. وكان الرسول (ص) يبلغ أصحابه ومن حضره من المسلمين الوحي القرآني، والوحي البياني جميعاً، ويكتب في مصحفه من يكتب الوحي القرآني مع الوحي البياني جميعاً، ويكتب في آية ( يا أيّها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ـ في علي ـ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) ويقرئها كذلك ـ الوحي القرآني والوحي البياني جميعاً معاً لمن يقرئه. وكان معنى الاقراء في عصر الرسول (ص) والصحابة وأئمة أهل البيت تعليم القرآن ومعناه . فاذا جاء في رواية قال ابن مسعود نزلت: «يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ـ في علي ـ وإن لم تفعل ...» فالمعنى نزل في الوحي البياني ـ في علي ـ وليس المراد نزوله في النصّ القرآني و إذا قيل : في قراءة أُبيّ أو ابن مسعود : «يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ...» أي فالمعنى ما يعلم ابن مسعود بياناً للآية . و كذلك إذا قيل في مصحف ابن مسعود: يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك ـ في علي ـ ...» أي في ما كتبه ابن مسعود في مصحفه من الوحي البياني . و من المصطلحات القرآنية التي تغيّر معناها بعد عصر الرسول(ص) والصحابة المصحف. هذه إلى غيرها من مصطلحات قرآنية قد تغير معناها في عصرنا عمّـا كانت عليه في عصر نزول القرآن والعصور القريبة منه ممّا سنذكره باذنه ـ تعالى ـ خلال البحوث الآتية، ويضاف إلى ذلك ما افتراه الغلاة في مدرسة أهل البيت على الله ورسوله(ص) والأئمة من أهل بيته(ع)، وفي بعضها نقلوها من مفتريات الزنادقة على الصحابة، و ركّبوا عليها اسناداً، وافتروا بها على أئمة أهل البيت (ع). ولم تكن ثمّة حاجة بعد البحوث الضافية في المجلدين الأول و الثاني من هذا الكتاب الى تجشم البحث في هذا المجلد لدراسة ما جاء بمصادر الدراسات الاسلامية بمدرسة أهل البيت حول القرآن الكريم، لوضوح شأن هذه الروايات مع ملاحظة ما مرّ في المجلدين الماضيين من مقاييس لمعرفة كل حديث نجده حول القرآن الكريم هنا و هناك . وما نجريه من بحوث في هذا الكتاب وفق المخطط الآتي انما هو لمزيد التوضيح و التأكيد .
مخطـط البحـوث
بحوث تمهيدية 1 ـ كتابا فصل الخطاب والشيعة والقرآن و مؤلفاهما. 2 - أخطاء في نسخ من مصادر الدراسات الاسلامية: أ ـ في أسماء الرجال من الرواة. ب ـ في ألفاظ الحديث ومتنه. 3 ـ نهج الاخباريين والاصوليين في أخذ الحديث . التزام علماء مدرسة أهل البيت بصحة الحديث في الاحكام وأصول الدين 4 ـ كيفية تمحيص سنّة الرسول(ص) بمدرسة أهل البيت. أ ـ لم يصدر عن الرسول(ص) وأصحابه وأهل بيته ما يشكك بسلامة النص القرآني. ب ـ التشهير بالغلاة من قبل أئمة أهل البيت و وضع مقاييس لمعرفة صحيح الحديث من سقيمه. دراسة أقوال الاستاذ ظهير في كتابه «الشيعة و القرآن». 1 ـ في الباب الاول والثاني والثالث والرابع من كتابه. 2 ـ دراسة ما سماه: ألف حديث شيعي في تحريف القرآن. أ ـ روايات الدليل الحادي عشر . ب ـ روايات الدليل الثاني عشر حول آيات سور القرآن من سورة الفاتحة حتى سورة الناس.
بحوث تمهيدية
(1)
كتابا فصل الخطاب و الشيعة والقرآن
و مؤلفاهما
أوردنا في المجلد الثاني أمثلة مما أورده الشيخ النوري في (فصل الخطاب) من أخبار مدرسة الخلفاء عن اختلاف نسخة مصحف الخليفة عثمان عن نسخ مصاحف غيره، و في ما رووه عن الصحابة - مثلاً - انّه كان في مصحفهم زيادة سورتين أو نقصانهما، حسب ما رووا ذلك في مؤلفاتهم وبيّنا الحقيقة فيها. و اعتمد الشيخ النوري في ما نقل على أوثق الكتب لديهم، و رغب في أن لا تتخلّف مدرسة أهل البيت في هذه المسابقة عن مدرسة الخلفاء. و لمّا لم يجد في مدرسة أهل البيت نظير ما نقله عن مدرسة الخلفاء من حديث ، جمع لما أراد روايات الغلاة و جملاً من أدعية لا سند لها و روايات منتقلة من مدرسة الخلفاء و روايات من كتب لا يُعرف أصحابها إلى أمثالها، و نسبها الى مدرسة أهل البيت كأحاديث يستند إليها ، و لذلك كانت حججه واهية في هذا الصدد . وظهر في عصرنا كتّاب أرادوا أن يطعنوا بمدرسة أهل البيت (ع) و مصادر الدراسات لدى أتباعهم ، فنقلوا عن الشيخ النوري وغيره أمثال تلكم الاقوال، ولم يسبق لواحد من كتّاب مدرسة الخلفاء أن يجمع في كتاب مثل ما جمعه «احسان الهي ظهير» في كتابه: «الشيعة و القرآن»، و لذلك خصّصنا هذا القسم من الكتاب بدراسة ما أورده في كتابه المذكور ([4]) . واعتمد كتاب (فصل الخطاب) للمحدّث النوري، غير انّه كتم من جميع أبواب الكتاب ما نقله النوري عن كتب مدرسة الخلفاء، و الّذي نقلنا بعضه في المجلّد الثاني، و اقتصر على نقل ما أخرجه من كتب الشيعة، أو ما ظنّ أنّ النوري نقله من كتب الشيعة و رواتهم،في حين انّ بعضها منتقلة من كتب مدرسة الخلفاء. و نحن نستعين الله، و ندرس من أقواله في هذا المجلّد ما يدور حول القرآن ، ونادراً ما نتعرض لغيرها من تهجماته و نقول: انّ المؤلف قسّم كتابه على مقدمة و أربعة أبواب، و أورد في المقدمة ممّا يخص القرآن، «سورة النورين المختلقة»، و سندرسها في بحث: «روايات لا أصل لها» الآتي إن شاء الله تعالى. ثمّ خصّص الباب الاوّل بما سمّـاه : « عقيدة الشيعة في الدور الأوّل من القرآن » و في صدد اثبات عقيدة أهل هذا الدور في تحريف القرآن ([5]) ، ذكر الشيخ الكليني (ره) و ثناء العلماء عليه و على كتابه الكافي، و وصف الكافي بأ نّه «أهم كتاب من الصحاح الاربعة الشيعية»([6]) ، وذكر علماء آخرين ممن كانوا قبل الكليني و في عصره وبعده، و ذكر ثناء العلماء عليهم وعلى مؤلفاتهم، ونقل من كتبهم ومن الكافي روايات استشهد بظواهرها على قولهم بتحريف القرآن. وقد أورد ـ أيضاً ـ جميع تلك الروايات في الباب الرابع من كتابه، و سندرسها مع غيرها من روايات الباب الرابع من كتابه، و نبيّن خطأه في ما استند اليه إن شاء الله تعالى. وفي الباب الثاني : «عقيدة الشيعة في الدور الثاني من القرآن» نقل في هذا الدور أقوال الشيخ الصدوق (ت: 381 هـ) و الشريف المرتضى (ت: 436 هـ) و الشيخ الطوسي (ت: 460 هـ) و الشيخ الطبرسي (ت : 548 هـ) بعدم تحريف القرآن . وقال: «وأمّا في الدور الثاني ـ أي بعد منتصف القرن الرابع الى القرن السادس، في القرنين كلّها - صدر هذا القول أوّل مرّة في الشيعة من هؤلاء الاربعة لا خامس لهم ...»([7]). وقال : «هل يستطيع أحد منهم أن يثبت أنّ في القوم أحداً ممن سبقهم الى هذا القول، أو لهم خامس أظهر هذه المقالة كلاّ ! لا ، ولن يستطيع أحد أن يفعل ذلك ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا »([8]). ثم نقل عدّة روايات من كتب الصدوق، و استدلّ بها على أنّ الصدوق - أيضاً - كان يؤمن بتحريف القرآن، و انّما تظاهر هو وغيره بالقول بعدم التحريف تقيّة، وقال: « وانّها تدلّ دلالة صريحة على أنّ القوم لم يلتجئوا الى القول بعدم التحريف إلاّ تقيّة » ([9]). وقال: « وأمّا الطوسي، فليس بمختلف عن ابن بابويه القمي، وهو قد ملأ كتابه بمثل هذه الروايات التي نقلهاعن متبوعه، و كذلك المرتضى و الطبرسي » . ثمّ نقل عن بعض المحدثين مثل: السيد هاشم البحراني (ت : 1107 هـ ) والسيد نعمة الله الجزائري (ت: 1112 هـ) كيف ردّوا أقوال اولئك العلماء و استدلوا في أقوالهم على روايات زعموا أنّها عن أئمة أهل البيت (ع) . وقال في الباب الثالث: (عقيدة الشيعة في الدور الثالث من القرآن الكريم) «إنّ شيعة الدور الاول قاطبة اعتقدوا انّ القرآن مبدّل و مغيّر فيه بما فيهم أئمتهم و بناة مذهبهم و مؤسسوا شريعتهم ، و كذلك شيعة الدور الثاني، اللّهم إلاّ الأربعة منهم، فانهم تظاهروا الخلاف في ذلك »([10]). ثم ذكر أقوال الاخباريين، و كلام بعض من استند الى ظواهر الروايات . كما ذكر أقوال بعض المغالين في حقّ أهل البيت، مثل زعماء الفرقة الشيخية في عصرهم: محمد كريم خان ( ت: 1288 هـ) وابنه زين العابدين الذي كتب في الثناء عليه: قدوة العلماء الربانيين واسوة الحكماء الصمدانيين و حافظ ثغور الدين المبين، زين العابدين الكرماني في رسالته تذييل([11]) ، و أخوه في كتابه: حسام الدين([12]). و كذلك أورد بعض الروايات التي استندوا إليها، و ذكر قول من قال: ان السيد و الصدوق و الطبرسي خالفوا القول بالتحريف، وانه كان ممّن خالف القول بالتحريف جمهور المجتهدين ([13]). هكذا نجد محور الحديث في الابواب الثلاثة، هي الروايات . فانّه استدل بورودها في الكتب المروية عمّن سمّـاهم في الدور الاوّل انّهم يقولون بتحريف القرآن ، و لوّح أنّ أئمة أهل البيت (ع) الّذين رويت عنهم تلك الروايات كانوا يقولون بالتحريف !! وانّ الذين أنكروا التحريف في الدور الثاني، و أقاموا البراهين على نفيه - أيضاً - كانوا يؤمنون بالتحريف !! لورود تلك الروايات في كتبهم ، وانّهم إنما قالوا بعدم التحريف تقيّة !! و انّ الاخباريين و المغالين في حق أهل البيت وغيرهم - أيضاً - قالوا بالتحريف ، و استدلوا على قولهم بتلك الروايات !! ثم انّه أورد جميع الروايات التي استند اليها في الابواب الثلاثة ، في الباب الرابع ضمن ما سمّـاه : « ألف حديث شيعي في تحريف القرآن » و سندرس جميعها - إن شاء الله تعالى - في ما يأتي :
بحوث تمهيدية
( 2 )
أخطاء في نسخ من مصادر الدراسات
الاسلامية في
أ - أسماء رواة الحديث ب - نصّ الحديث و الفاظ الحديث ج - أمثلة لذلك من الروايات
صنفان من الاخطاء في نسخ من مصادر الدراسات الاسلامية
أ - في أسماء رواة الحديث وغيرهم . ب - في متن الحديث و الفاظ الحديث . ولمعرفة خطورة الاخطاء التي انتشرت في الاسماء من كتب الحديث و سعتها وانتشارها، يكفي الرجوع الى كتاب «المشتبه في الاسماء» للذهبي، لمعرفة ما وقع من الاشتباه في الاسماء والكنى والالقاب([14]) وقد أشرنا الى بعضها في مؤلفاتنا ([15]) . ولمعرفة ما وقع من الخلط والاشتباه في الفاظ الروايات، يجدر الرجوع الى معجم الرجال لاستاذ الفقهاء السيد الخوئي، فانّه يأتي بما وجد من اختلاف الكتب والنسخ بعد ترجمة كلّ راو يذكره . وقد ذكرنا في بحث: «أخطاء في نسخ كتب الحديث» من معالم المدرستين، المجلد الثالث مثالاً لذلك بما وقع من خطأ النساخ في خمس روايات أوردها الكليني (ت: 329 هـ) في كتاب الحجة، باب: «ما جاء في الاثني عشر» من الكافي، وكيف انّ عدد الائمة «الاثني عشر» بلغ فيها الى «ثلاثة عشر» اماماً، و بمراجعة اصل العصفري (ت: 150 هـ) الذي نقل الكليني بعض تلك الاحاديث عنه في الكافي، و مراجعة من نقل تلكم الاحاديث من كتاب الكافي للكليني، مثل: الصدوق (ت: 381 هـ) في كتابه: «عيون أخبار الرضا» وكتابه: «كمال الدين». والمفيد (ت: 413 هـ) في: «الارشاد». و الطبرسي (ت: 548 هـ) في : «اعلام الورى» وجدنا في أصل العصفري الذي نقل الكليني الحديث عنه والكتب التي نقل أصحابها تلك الاحاديث عن الكافي للكليني، بلغ في جميعها عدد الائمة الى اثني عشر اماماً . وبعد هذه المقارنة أدركنا انّ الخطأ في نسخ الكافي المطبوعة وقع من النسّاخ بعد عصر الشيخ المفيد، و انّ الصحيح ما ورد في أصل العصفري الذي اخذ منه الكليني في الكافي والكتب التي نقلت الحديث من الكافي قبل أن يطبع([16]). و بناءً على ما ذكرنا نحتاج احياناً في دراسة الاحاديث الى مقارنة الرواية الواحدة في النسخ المتعددة والكتب المختلفة. كما فعلنا ذلك في «دراسة روايات الزيادة و النقيصة في القرآن الكريم» المنتشرة بكتب مدرسة الخلفاء في المجلد الثاني من هذا الكتاب([17]). ومع تسلسل الاسناد في جوامع الحديث بمدرسة أهل البيت الى رسول الله (ص) فانّ فقهاء مدرستهم لم يسمّوا أيّ جامع من جوامع الحديث لديهم بالصحيح - كما فعلته مدرسة الخلفاء، و سمّت بعض جوامع الحديث لديهم بالصحاح - ، ولم يحجروا بذلك على العقول، و لم يوصدوا باب البحث العلمي في عصر من العصور ، و انّما يعرضون كلّ حديث في جوامعهم على قواعد دراية الحديث، و يخضعون لنتائج تلك الدراسات، ذلك لأنّهم يعلمون انّ رواة تلك الاحاديث غير معصومين عن الخطأ و النسيان اللذين يعرضان لكل بشر لم يعصمه الله، و فعلاً قد وقع الخطأ في أشهر كتب الحديث بمدرسة أهل البيت وهو كتاب أصول الكافي مثل ما جاء في الاحاديث الخمسة المرقمة : 7 و 9 و 14 و 17 و 18 من كتاب الحجّة منه في باب ما جاء في الاثني عشر و النص عليهم، كما نشرحه في ما يلي:
الحديثان السابع و الرابع عشر :
في كلا الحديثين في اصول الكافي: بسنده عن ابن سماعة، عن عليّ بن الحسن بن رباط ، عن ابن اذينة، عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: الاثناعشر الامام من آل محمد (ع) كلّهم محدث من ولد رسول الله (ص)([18])، ومن ولد علي; فرسول الله و عليّ هما الوالدان . وفي لفظ الحديث السابع بعده : «فقال علي بن راشد ...» الحديث . و مغزى هذين الحديثين : أن يكون عدد الائمة من أهل البيت ثلاثة عشر ، الامام علي مع اثني عشر اماماً من ولده . بينما نقل هذه الرواية عن الكافي الشيخ المفيد في الارشاد، و الطبرسي في إعلام الورى و لفظهما كما يلي: الاثنا عشر الائمة من آل محمّد كلّهم محدّث: علي بن أبي طالب، و أحد عشر من ولده، و رسول الله و عليّ هما الوالدان (ع). و أخرج الرواية عن الكليني أيضاً الصدوق في كتابه: عيون أخبار الرضا و الخصال و لفظه كما يلي : اثنا عشر اماماً من آل محمد كلّهم محدّثون بعد رسول الله، وعلي بن أبي طالب منهم([19]). نتيجة البحث و المقارنة :
يظهر من استعراضنا الحديث عن الكافي ومن أخذ منه، أي الشيخ الصدوق و المفيد والطبرسي، انّ النّساخ قد أخطَؤُوا في كتابة الحديث في الكافي بعد عصر الشيخ المفيد، ولم نقل بعد عصر الطبرسي، لانّ الطبرسي يأخذ أخباره في اعلام الورى من كتاب الارشاد للمفيد، و ينسج فيه على منواله .
الحديث التاسع :
بسنده عن محمّد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (ع)، عن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: دخلت على فاطمة (ع) وبين يديها لوح فيه أسماء الاوصياء من ولدها، فعددت اثني عشر آخرهم القائم (ع) ثلاثة منهم محمّد و ثلاثة منهم علي . ونقل الحديث عن الكافي بهذا اللفظ المفيد في الارشاد، و تبعه الطبرسي في اعلام الورى . ومغزى الحديث بهذا اللفظ في الكتب الثلاثة أن يكون عدد الائمة أوصياء النبي ثلاثة عشر : الإمام علي مع اثني عشر من بنيه من ولد فاطمة. بينا نرى الصدوق الذي يروي نفس الحديث بإسناده، ولا ينقله عن الكافي، يخرجه في عيون أخبار الرضا بسندين، وفي اكمال الدين بسند واحد، عن محمّد بن الحسين، ثمّ يجتمع سنده مع سند الكافي الى جابر ، ثم يروي عنه انّه قال: دخلت على فاطمة (ع) وبين يديها لوح فيه أسماء الاوصياء، فعدَّت اثني عشر آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمد و أربعة عليّ ([20]).
نتيجة البحث و المقارنة :
ظهر انّ في نسخة الكافي جاء «من ولدها» وهي زائدة، وجاء «ثلاثة منهم عليّ» محرّفة، وانّ الشيخ المفيد نقل عنه في الارشاد كذلك، و انّ الصواب ما جاء في لفظ الرواية عند الشيخ الصدوق في العيون و الخصال «أربعة منهم علي» و دون زيادة «من ولدها» .
الحديثان 17 و 18 من كتاب الحجّة :
وقد رواهما الكليني عن أبي سعيد العصفري : (ت : 150 هـ) وبحثنا عن أبي سعيد العصفري ، فوجدنا الشيخ يقول عنه في الفهرست : عباد أبو سعيد العصفري، له كتاب أخبرنا به جماعة عن التلعكبري عن ابن همّام، عن محمد بن خاقان النهدي، عن محمد بن علي أبي سمينة، عن أبي سعيد العصفري، و اسمه عبّاد . وقال النجاشي : كوفي ... أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن عمران، قال: حدّثنا محمّد بن همّام قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن أحمد بن خاقان النهدي، قال: حدّثنا أبو سمينة بكتاب عبّاد ([21]). و بحثنا عن كتابه فوجدنا صاحب الذريعة ([22]) يقول : أصل عباد العصفري أبي سعيد الكوفي هو من الاصول الموجودة، و وجدناه يقول عن هذا الاصل و أصل عاصم : استنسخ من نسخة الوزير منصور بن الحسن الآبي، وهو كتبها عن أصل محمّد بن الحسن القمي الذي رواه عن أبي محمّد هارون بن موسى التلعكبري سنة 374 هـ . و وجدنا الشيخ النوري يبحث في مستدركه عن أصل أبي سعيد بتفصيل واف، و يقول : فيه تسعة عشر حديثاً، ثمّ يصف أحاديثه، و ينقل تراجم أبي سعيد عن مختلف كتب الرجال ([23]). و وجدنا نسخة خطية من أصل العصفري بنفس الاوصاف التي جاءت عنه في المستدرك و الذريعة بالمكتبة المركزية لجامعة طهران ضمن مجموعة باسم الاصول الاربعمائة([24]) . فقارنا بين الحديثين في أصل العصفري هذا، و نسخة الكافي الموجودة لدينا، فوجدنا ما يلي : أ - الحديث السابع عشر : 17 - محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أحمد، عن محمّد بن الحسين، عن أبي سعيد العصفري([25]) عن عمرو بن ثابت، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله (ص): «اني و اثني عشر من ولدي([26]) و أنت يا علي زرّ الأرض - يعني أوتادها و جبالها - بنا أوتد الله الأرض أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الاثناعشر من ولدي ساخت الارض بأهلها، ولم ينظروا»([27]) . وفي أصل العصفري : عبّاد، عن عمرو، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله (ص) : اني و أحد عشر من ولدي و أنت يا علي زرّ الارض - يعني أوتادها ( و )([28]) جبالها - (بنا أوتد الله)([29]) الارض أن تسيخ بأهلها، فاذا ذهب الاحد عشر من ولدي ساخت الارض بأهلها و لـم ينظـروا ([30]) .
نتيجة المقارنة : و «اثني عشر من ولدي» و «الاثنا عشر من ولدي» في نسخة الكافي تحريف و الصواب ما جاء في أصل العصفري: «و أحد عشر من ولدي و «الاحد عشر من ولدي» و الذي يروي الكليني الحديث عنه . ب - الحديث الثامن عشر : جاء في الكافي: 18 - و بهذا الاسناد، عن أبي سعيد رفعه، عن أبي جعفر(ع) ، قال: قال رسول الله (ص) : من ولدي اثنا عشر نقيباً، نجباء محدّثون، مفهمون، آخرهم القائم بالحق يملأها عدلاً كما ملئت جوراً ([31]) . وفي أصل العصفري : عبّاد ، رفعه إلى أبي جعفر (ع)، قال: قال رسول الله (ص): من ولدي أحد عشر نقباء نجباء ، محدثون ، مفهمون ، آخرهم القائم بالحق، يملأها عدلاً كما ملئت جوراً ([32]).
نتيجة المقارنة : ما جاء في نسخة الكافي (اثنا عشر) تحريف وما جاء في أصل العصفري (أحد عشر) هو الصواب . ولا يحتاج هذا البيان الى استدلال عليه لانّ الكليني انّما روى في الكافي عن أصل العصفري ، و نرى انّ الخطأ من قلم النسّاخ . ولفظ سندي الحديثين من التلعكبري راوي هذا الاصل عن عباد العصفري فهو الذي يقول في صدري الحديثين (عبّاد) وهو الذي يقول في سند الحديث الثاني (عبّاد، رفعه) كما جاء في الاصل، وفي نسخة الكافي . * * * و بناءً على هذا فليس كل ما ورد في كتب الحديث مصوناً عن خطأ الناسخين و نسيانهم ليقابل بها النصّ القرآني الذي حفظه الله سالماً أبد الدهر ، بل ينبغي أن ندرسها بتجرد علمي بحت كما فعلنا ذلك ـ ولله الحمد ـ في روايات الزيادة و النقيصة في القرآن الكريم بمدرسة الخلفاء في المجلد الثاني من هذا الكتاب . وما درسناه هناك إضافةً إلى أكثر من ألف مورد غيرها نقلها المحدث النوري من كتب مدرسة الخلفاء مباشرة أو بواسطة تصرّح بوجود نقص أو زيادة أو اختلاف في القراءة في كتاب الله الذي بأيدينا - معاذ الله - وكتمها الاستاذ احسان ظهير ونشر ما أوردها الشيخ النوري بعنوان أحاديث مدرسة أهل البيت ولابدّ لنا في دراستها أن نرجع الى أئمة أهل البيت و نأخذ منهم ما عينوا من مقاييس لمعرفة الحديث كما سنبينه في ما يأتي و نبيّن ان علماء مدرسة أهل البيت إنما عنوا من الدراسات الروايات التي يستنبطون منها الأحكام أو العقائد دون غيرها.
بحوث تمهيدية
(3)
نهج الأصوليين والاخباريين في شأن الحديث
أ ـ تعريف الاخباريين والاصوليين بمدرسة أهل البيت. ب ـ متابعة العلماء الاصوليين بمدرسة أهل البيت أئمتهم في معاملتهم مع الغلاة أولاً وفي تمحيص سنّة الرسول(ص) ثانياً.
انقسم علماء مدرسة أهل البيت من بعد أئمتهم على أصوليين و أخباريين واتبع الاصوليّون منهم أئمة أهل البيت في معاملتهم الغلاة وفي تمحيص سنّة الرسول(ص) فَمَن هم الاخباريون ؟ ومَن هم الاصوليون ؟ وكيف عاملوا الغلاة؟
أولاً ـ الاخباريّون و الاصوليّون بمدرسة أهل البيت (ع)
انّ جماهير علماء مدرسة أهل البيت بعد عصر الأئمة (ع) ومنذ القرن الرابع الهجري حتى اليوم، يزنون الاحاديث بموازين علم معرفة رجال الحديث وعلم الدراية، وفي استنباط الاحكام الشرعية، يزنونها بموازين علم اصول الفقه. واستقلّ عنهم افراد في كلّ عصر خالفوهم في ذلك ، و ضعفوا عن طرح الحديث الضعيف، و أدى ذلك بهم الى التناقض في القول ممّا سندرسه في ما يأتي ـ ان شاء الله ـ وقد تعاظم شأنهم وغالوا في رأيهم و افرطوا في القول منذ عصر عميدهم «محمد امين الاسترابادي» (ت: 1033 - أو - 1036 هـ). ولعل سبب ذلك ما كان من أمر استعارة العلاّمة الحلّي بعض مصطلحات الاصول مثل: الاجتهاد والمجتهد، من مدرسة الخلفاء بدل الفقه والفقيه، المصطلحين الاسلاميين([33]) وما أضيف - أيضاً - في علم الاصول الى أدلّة الاحكام : العقل والاجماع الى الكتاب والسنّة ، و أصبحت بذلك أدلّة الاحكام أربعة . و اعتبر الاخباريون اتخاذ العقل والاجماع دليلين للاحكام، عملاً برأي الواحد و رأي الكثيرين في الاحكام، في مقابل العمل بالكتاب والسنّة، و تراءى لهم - أيضاً - انّ تقليد المجتهد انّما هو عمل برأي المجتهد في شريعة الله. في حين انّ الاجتهاد و المجتهد لدى علماء الأصول بمدرسة أهل البيت، تسميتان عرفيتان للفقه و الفقيه، المصطلحين الاسلاميين، و اشتراك في الاسم مع مصطلح مدرسة الخلفاء، و ليس في المدلول. وانّ المراد بالعمل بحكم العقل، ليس مساوقاً للعمل بالقياس والاستحسان وأمثالهما في مدرسة الخلفاء ولا مجال لذكر تفصيل الفارق بينهما و تمحيص الاستدلال بالعقل هنا . و أمّا العمل بالاجماع فإنَّ العمل به عمل بالسنّة في الحكم الذي دلّ عليه الإجماع، لانّه كاشف عن قول المعصوم في الحكم ، أي: انّه كاشف عن وجود السنّة في الحكم. و انّ التقليد عبارة عن رجوع الجاهل الى العالم، أي الى رواة السنّة من الذين لهم دراية في فهم السنّة و القرآن . بناءً على ما ذكرنا، انّ الاشتراك الاسمي في هذه المصطلحات بين المدرستين، مع اختلاف مدلولاتها، أدّى بالاخباريين الى المغالاة في الرجوع الى الاخبار، أي الاحاديث مهما كانت درجتها من الصحة و الضعف، و ضعفوا عن طرح الاحاديث الضعيفة، و أحياناً أوّلوا نصوص القرآن بمفاد الروايات الضعيفة . وتعاظم أمر الاخباريين ، و انتشرت كلمتهم على يد عميدهم «محمد أمين الاسترآبادي» (ت : 1033 - أو - 1036 هـ) حتى قيام عميد مدرسة الاصول في عصره الاستاذ البهبهاني محمد اكمل (ت: 1206 هـ) و تلامذته، فانّهم استطاعوا أن يكسروا شوكة الاخباريين، غير انّه بقي منهم أفراد معدودون في كل عصر، و شذّ منهم الشيخ احمد الاحسائي (ت: 1241 هـ) مؤسس الكشفيّة أو الشيخيّة، وغلا بعض أتباعه في حق الائمة من أهل البيت (ع). و الصفة المميّزة للاخباريين انكارهم علم اصول الفقه و تمسّكهم بالأخبار الضعيفة. وفي الاخبار الضعيفة ما وضعته الغلاة الذين طردهم الائمة و أتباعهم من أهل قم . و بناء على ما ذكرنا، لا ينبغي الاحتجاج بآراء هؤلاء الاخباريين على جماهير من أتباع مدرسة أهل البيت و المشهورين باسم الاصوليين مع استنكارهم أقوال الاخباريين و بعض معتقداتهم، مثل ما اعتقدوا في حقّ الائمة من الغلو، وفي القرآن من النقص .
ثانياً ـ مقابلة علماء مدرسة أهل البيت (ع) مع الغلاة والراوين عنهم
اشتهر القميون من أتباع مدرسة أهل البيت (ع) بفضح الغلاة ومن يروي عنهم واخراجهم من مدينتهم قم، كما فعلوه مع الراويين الآتي ذكرهما:
أ - أبو سعيد الرازي سهل بن زياد الآدمي : قال مشايخ علماء الرجال فيه: «ضعيف في الحديث، غير معتمد عليه فيه، وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلوّ و الكذب : أخرجه من قم الى الري وكان يسكنها . كان الفضل بن شاذان لايرتضيه ويقول: «هو أحمق» . و أخبروا عنه انّه كتب الى الامام أبي محمد العسكري (ع) للنصف من شهر ربيع الأول سنة 255 على يد محمد بن عبد الحميد العطّار([34]) . ب - احمد بن محمد بن خالد البرقي (ت: 274 أو 280 هـ ـ وهو الأظهر) : قالوا بترجمته ما موجزه: هرب جدّه من والي الامويين على الكوفة الى برقة قم و سكنوها و نسبوا اليها . كان احمد ثقة في نفسه، غير انّه أكثر الرواية عن الضعفاء واعتمد المراسيل . طعن عليه القميون، و ليس الطعن فيه، انما الطعن فيمن يروي عنه. و أبعده عن قم أحمد بن محمد بن عيسى، ثم أعاده اليها و اعتذر اليه([35]) . المثال الاوّل لمن كان كذاباً غاليـاً ، و المثـال الثاني لـمن يـروي عن الضعفاء.
عمل أتباع مدرسة أهل البيت في تمحيص سنّة الرسول(ص)
لـمّـا قام الكليني (ت: 329 هـ ) بتأليف أشهر موسوعة حديثية بمدرسة أهل البيت، نقل تلك الاحاديث في أبواب موسوعته، وفعل غيره مثله. و أدى ذلك بجماعة من العلماء مثل النجاشي (ت: 450 هـ) والشيخ الطوسي (ت: 460 هـ) وابن الغضائري الذي كان معاصراً لهما، بتصنيف كتب أسسوا فيها علم معرفة الرجال والمؤلفات. واستمرّ عمل العلماء في هذا المجال الى عصر العلامة الحلّي (ت: 726هـ) الذي أسس هو و استاذه ابن طاووس (ت: 664) بمدرسة أهل البيت علم دراية الحديث . ثم استمر العلماء بدراسة سنّة الرسول(ص) المروية عن طرق أئمة أهل البيت (ع) في ضوء العلمين المذكورين . ومن أمثلة تلك الدراسات التي أجراها العلماء على أحاديث الكافي ما يأتي بيانه: أولاً: دراسات العلماء لأحاديث الكافي شرح الكافي علماء كثيرون، وهم يبدءون في شرح كل حديث بدراسة سنده ، ثم يشرحون متنه . وفي ما يأتي مثال واحد لدراسة السند عندهم:
«دراسة سند الحديث الثاني من كتاب العقل من أصول الكافى» «علي بن محمد ، عن سهل بن زياد، عن عمرو بن عثمان، عن مفضّل بن صالح، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة، عن علي (ع) ...» الحديث . قال في شرحه صدر الدين الشيرازي (ت: 1050 هـ) ما موجزه: ] علي بن محمد [ ثقة، عين، ] عن سهل بن زياد [ ضعيف في الحديث، غير معتمد عليه، ] عن عمرو بن عثمان [ نقيّ الحديث، صحيح الحكايات، ] عن مفضّل بن صالح [ضعيف، كذّاب ، يضع الحديث ] عن سعد بن طريف [ من أصحاب الباقر ، صحيح الحديث ] عن الاصبغ [ مشكور ، من خاصّة أمير المؤمنين([36]). وقال محمد صالح المازندراني (ت: 1086 هـ) في شرحه ما موجزه: ] علي بن محمد [ ثقة، ثقة، عيـن ] عن سهل بن زيـاد [ ضعيف في الحديث ] عن عمرو بن عثمان [ كوفي، ثقة، نقيّ الحديث ] عن مفضّل بن صالح [ ضعيف كذّاب ] عن سعد بن طريف [ يعرف و ينكر ، قيل: صحيح الحديث. قال ابن الغضائري: انّه ضعيف. ] عن الاصبغ بن نباتة [ من خاصّة أمير المؤمنين . قال العلامة: انّه مشكور([37]) . و اكتفى المجلسي (ت: 1110 هـ) في شرحه بكتاب مرآة العقول بقوله: «ضعيف»([38]) . و أطال المظفر دراسة السند في شرحه «الشافي»، ولا مجال لايراد دراسته لـه([39]) . هكذا يدرس كل واحد منهم اسناد أحاديث الكافي بتفصيل ، عدا المجلسي الذي يوجز دراسة السند غالباً . و نتيجة لهذه الدراسات، أحصى جمع من العلماء عدد أنواع الحديث في الكافي من ضعيف وقوي وصحيح مثل : أ - الشيخ يوسف البحراني (ت: 1186 هـ) في لؤلؤة البحرين . ب - الخونساري (ت: 1313 هـ) في روضات الجنات . ج - النوري (ت: 1320 هـ) في مستدرك الوسائل . د - الشيخ آغا بزرگ (ت: 1390 هـ) في الذريعة . وكان نتيجة الاحصاء كما جاء في خاتمة المستدرك في الفائدة الرابعة نقلاً عن كتاب اللؤلؤة كالآتي([40]) : 5072 حديث صحيح . 0144 حديث حسن . 1118 حديث موثق . 0302 حديث قوي . 9485 حديث ضعيف . ـــــــــــــــــــــــــــــــ 16121 المجموع انّ العلماء وان كانوا قد اختلفوا في تعيين العدد المذكور لكل نوع من الحديث في الكافي، غير انهم أحصوا الحديث الضعيف في الكافي وعدّوها أكثر من «تسعة آلاف» حديث ضعيف من مجموع ستة عشر الف حديث . وقال استاذ الفقهاء الخوئي (ره) في باب (المدخل - روايات الكتب الاربعة) ما موجزه : وهذا محمد بن يعقوب بعدما ذكر أنه طلب منه تأليف كتاب كاف يجمع فيه من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم و يرجع اليه المسترشد، و يأخذ منه من يريد علم الدين و العمل بالآثار الصحيحة عن الصادقين عليهما السلام، قال بعد كلام له : «فاعلم يا أخي ـ أرشدك الله ـ أنه لا يسع أحداً تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه عن العلماء - عليهم السلام - برأيه إلاّ على ما أطلقه العالم بقوله عليه السلام: اعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله عزّ و جلّ فخذوه وما خالف كتاب الله فردوه . و قوله عليه السلام : خذوا بالمجمع عليه ، فان المجمع عليه لا ريب فيه»([41]). ثم ان في الكافي - ولاسيما في الروضة - روايات لا يسعنا التصديق بصدورها عن المعصوم عليه السلام، ولابد من رد علمها إليهم عليهم السلام و التعرض لها يوجب الخروج عن وضع الكتاب ، لكننا نتعرض لواحدة منها و نحيل الباقي الى الباحثين . فقد روى محمد بن يعقوب باسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزّ و جلّ : ( وانه لذكر لك و لقومك و سوف تسئلون )فرسول الله صلى الله عليه و آله الذكر و أهل بيته المسؤلون وهم أهل الذكر »([42]). أقول: لو كان المراد بالذكر في الآية المباركة رسول الله(ص) فمن هو المخاطب، ومن المراد من الضمير في قوله تعالى: «لك ولقومك» وكيف يمكن الالتزام بصدور مثل هذا الكلام من المعصوم(ع) فضلاً عن دعوى القطع بصدوره. وقال (ره) في ص 83 من المقدمة : و يشهد على ما ذكرناه: أن محمد بن يعقوب روى كثيراً في الكافي عن غير المعصومين أيضاً ولا بأس أن نذكر بعضها : 1 - ما رواه بسنده عن أبي أيوب النحوي، قال: «بعث إليّ أبو جعفر المنصور في جوف الليل ...» ([43]) و رواه أيضاً عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن النضر بن سويد([44]). 2 - ما رواه بسنده عن ادريس بن عبد الله الأودي ، قال: «لما قتل الحسين عليه السلام، أراد القوم أن يوطئوه الخيل»([45]). 3 - ما رواه بسنده عن اليمان بن عبيد الله ، قال: «رأيت يحيى بن أم الطويل وقف بالكناسة ...»([46]). 4 - ما رواه بسنده عن ابراهيم بن أبي البلاد ، قال: «أخذني العباس بن موسى ...»([47]) . فانها ليست باحاديث يرويها. ولو سلم أن محمد بن يعقوب شهد بصحة جميع روايات الكافي فهذه الشهادة غير مسموعة، فانه إن أراد بذلك أن روايات كتابه في نفسها واجدة لشرائط الحجية - فهو مقطوع البطـلان، لأن فيها مرسلات و فيها روايات في اسنادها مجاهيل، ومن اشتهر بالوضع والكذب، كأبي البختري و أمثاله . وقال (ره) في ص 85 منه : (و مما يؤكد ما ذكرناه من ان جميع روايات الكافي ليست بصحيحة : أن الشيخ الصدوق - قدّس سرّه - لم يكن يعتقد صحة جميع ما في الكافي . و كذلك شيخه محمد بن الحسن بن الوليد على ما تقدم من ان الصدوق يتبع شيخه في التصحيح و التضعيف. و المتحصل أنه لم تثبت صحة جميع روايات الكافي، بل لا شك في ان بعضها ضعيفة، بل ان بعضها يطمأن بعدم صدورها عن المعصوم عليه السلام. والله أعلم ببواطن الامور ). وقال في ص 91 : (وقد تحصل من جميع ما ذكرناه انه لم تثبت صحة جميع روايات الكتب الاربعة، فلابدّ من النظر في سند كل رواية منها، فان توفرت فيها شروط الحجّية أخذ بها، و إلاّ فلا).
ثانياً : النظر في صحة روايات من لا يحضره الفقيه
قال استاذ الفقهاء السيد الخوئي (ره) : وقد استدل الصدوق على ان روايات كتاب من لا يحضره الفقيه كلها صحيحة - بما ذكره في أول كتابه - حيث قال : «ولم أقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه ، بل قصدت الى ايراد ما افتي به و أحكم بصحته، و اعتقد فيه انه حجة فيما بيني و بين ربي تقدّس ذكره، و تعالت قدرته، و جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول و إليها المرجع ... وغيرها من الاصول و المصنفات التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي و أسلافي رضي الله عنهم» . و الجواب : (ان دلالة هذا الكلام على ان جميع ما رواه الشيخ الصدوق في كتابه من لا يحضره الفقيه صحيح عنده ، وهو يراه حجة - فيما بينه و بين الله تعالى - واضحة، إلاّ إنّا قد ذكرنا: ان تصحيح أحد الاعلام المتقدمين رواية لا ينفع من يرى اشتراط حجية الرواية بوثاقة راويها أو حسنه، على أنا قد علمنا من تصريح الصدوق نفسه - على ما تقدم - أنه يتبع في التضعيف و التصحيح شيخه ابن الوليد، ولا ينظر هو الى حال الراوي نفسه، و أنه ثقة أو غير ثقة . أضف الى ذلك أنه يظهر من كلامه المتقدم: ان كل رواية كانت في كتاب شيخه ابن الوليد أو كتاب غيره من المشايخ العظام و العلماء الاعلام يعتبرها الصدوق رواية صحيحة، و حجّة فيما بينه و بين الله تعالى . و على هذا الأساس ذكر في كتابه طائفة من المرسلات أفهل يمكننا الحكم بصحتها باعتبار أن الصدوق يعتبرها صحيحة . وعلى الجملة: إن اخبار الشيخ الصدوق عن صحة رواية و حجيتها ، إخبار عن رأيه و نظره، وهذا لا يكون حجة في حقّ غيره)([48]) . * * * و إذا كان هذا دأب علماء مدرسة أهل البيت مع أشهر موسوعة حديثية عندهم، فماذا يكون شأنهم مع أحاديث الكتب التي ألفت بعدها ونالت من الشهرة دونها، مثل: الفقيه، والتهذيب، والاستبصار وغيرها ؟ وقد أثبت استاذ الفقهاء الخوئي (ره) في مقدمة «معجم رجال الحديث» انّ مؤلفي الكتب الأربعة أنفسهم، ما اعتقدوا بصحّة جميع أحاديث الكتب الاربعة([49])وهذا رأي عامّة علماء مدرسة أهل البيت (ع)، عدا بعض الاخباريين، كما سننقله في ما يأتي إن شاء الله تعالى . ونضيف الى ما سبق انتشار الاخطاء الكثيرة في نسخ الكتب المخطوطة و نورد على سبيل المثال صنفين منها في ما يأتى باذنه تعالى . ثم ان علماء الاصول بمدرسة أهل البيت(ع) التزموا بصحة الحديث في دراساتهم العقائدية والفقهية دون غيرها في مثل كتب الأدعية والاخلاق كما سنبينه باذنه تعالى في ما يأتي.
واصول الدين دون غيرهما
كان التشديد على الغلاة و الكذّابين و استنكار أخذ الحديث منهم لدى مدرسة أهل البيت (ع) في عصر أئمة أهل البيت. ثم تسامح العلماء والمحدثون بمدرسة أهل البيت في نقل الحديث بجميع أبواب المعرفة الاسلامية، عدا أبواب الحلال والحرام. المسمّى بفروع الدين، وأبواب العقائد المسمّى باصول الدين. وتسامح المحدثون في غيرهما، ونقلوا الحديث في كتبهم عن كلّ مسلم، قوياً كان أم ضعيفاً، صدوقاً كان أم كذوباً . وكذلك تسامح المحدثون القميّون أنفسهم، و نقلوا الحديث عمّن كان اسلافهم يُخرجونهم من قم و عن أمثالهم المتهمين بالغلو و وضع الحديث. وهكذا انتشرت أحاديث الضعفاء والمتروكين سابقاً في كتب علوم القرآن والسيرة و أمثالهما من فنون العلوم الاسلامية . قال النجاشي([50]) في ترجمة جابر الجعفي ما موجزه : «روى عنه جماعة غمز فيهم و ضعّفوا ، منهم : عمرو بن شمر و مفضّل بن صالح و منخل بن جميل و يوسف بن يعقوب . وكان شيخنا أبو عبدالله ـ المفيد ـ قلّ ما يورد عنه شيئاً في الحلال والحرام» .
ب ـ التزامهم في أصول الدين بصحة الحديث وعدم اعتمادهم على أخبار الآحاد فيها في شأن احاديث اصول الدين، نقل استاذ علماء الاصول في عصره الشيخ مرتضى الانصاري (ت: 1281 هـ) أقوال العلماء في كتابه الرسائل وقال ما موجزه: «أمّا في اصـول الدين فانّهم قالوا: لا خـلاف في عدم جـواز التعويل على اخبار الآحاد فيه، عدا بعض غفلة أصحاب الحديـث، كما يظهر ذلك مـن كـلام العلاّمة في النهاية من انّهـم يُعوِّلون في فروع الدين و أصوله على أخبار الآحـاد([51]). قصد الشيخ الانصاري بقوله: «بعض غفلة أصحاب الحديث» بعض الاخباريين الذين سبق تعريفهم . وفي ما يأتي ندرس باذنه تعالى كيفية تمحيص سنّة الرسول(ص) بمدرسة أهل البيت(ع).
بحوث تمهيدية
( 4 )
كيفية تمحيص سنّة الرسول(ص) بمدرسة أهل البيت(ع)
أ ـ لم يصدر عن الرسول (ص) وأصحابه والأئمة من أهل بيته ما يشكك بسلامة النص القرآني، ومنشأ التوهم تبدُّل المصطلح القرآني بعدهم أو سهو في نقل الرواية أو نسخها أو مما اختلقه الزنادقة والغلاة. ب ـ عالج أئمة أهل البيت الأمرين: أولاً ـ بتشهير الغلاة. ثانياً ـ وضع مقاييس لمعرفة صحيح الحديث من سقيمه.
تمهـيـد :
قلنا في «خلاصة بحوث المجلدين من الجزء الثاني»: انّ الرسول (ص) و أصحابه و الأئمة من أهل بيته لم تصدر عنهم كلمة تشكك بسلامة النص القرآني من الزيادة والنقيصة، وما جاء في الروايات ممّا يفهم ذلك منه فهو أمّا أن يكون: أ - لتبدّل معنى المصطلح القرآني بعد عصر الرسول(ص) والصحابة وأئمة أهل البيت عما كان عليه في عصورهم. ب - لسهو الرواة في نقل لفظ الرواية . ج - روايات اختلقها الزنادقة و دسّوها في مصادر الدراسات الاسلامية بمدرسة الخلفاء نظير ما درسنا في مجلدات (عبدالله بن سـبأ) و (خمسون و مائة صحابي مختلق) و ذكرنا في آخر بحث روايات نزول القرآن على سبعة أحرف من المجلد الثاني من هذا الكتاب أنا نرى تلك الروايات مما افترتها الزنادقة على صحابة الرسول (ص). د - روايات وضعها الغلاة، و اختلقها الكذّابون و تسرّبت الى مصادر الدراسات الاسلامية بمدرسة أهل البيت كما نشرحها في ما يأتي: ابتلي المسلمون بتخريب الغلاة و الزنادقة للحديث، و تسرّبت أحاديث الغلاة الى كتب مدرسة أهل البيت (ع) و روايات الزنادقة الى كتب مدرسة الخلفاء، و عالج أوصياء الرسول (ص) الاثنا عشر و أتباعهم تخريب الغلاة و قابلوهم بمثل ما يأتي:
العلاج الأول : مقابلة أئمة أهل البيت (ع) للغلاة :
استفاض الحديث عن أئمة أهل البيت (ع) في كشف الغلاة و التحذير من أخذ الحديث عنهم، و نقتصر منها بذكر ما يأتي : روى الكشّي بسنده عن أبي عبد الله الصادق (ع) ... و ذكر الغلاة، فقال: « إنّ فيهم من يكذب حتّى انّ الشيطان ليحتاج الى كذبه »([52]) . و روى - أيضاً - بسنده عن مرازم، قال: قال أبو عبد الله (ع): «قل للغالية توبوا إلى الله فانكم فسّاق كفّار مشركون »([53]) . هكذا كان أئمة أهل البيت (ع) يكشفون عن واقع الغلاة . أما التحذير من أشخاصهم، ففي ما يأتي أمثلة منها: كان من الغلاة بيان أو بنان التَبّان - أي بائع التبن - وكان يكذب على الامام علي بن الحسين (ع) . ومنهم المغيرة بن سعيد ، وكان يكذب على الامام الباقر (ع). فقد روى الكشّي بسنده عن سلمان الكناني قال: قال لي أبو جعفر - الامام محمد الباقر (ع) - هل تدري ما مثل المغيرة ؟ قلت : لا . قال : مثله مثل بلعم . قلت ومن بلعم ؟ قال: الذي قال الله عزّ وجلّ : (الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فَأتّبعَهُ الشيطان فكان من الغاوين ) ([54]) (الاعراف / 175). و روى - أيضاً - بسنده عن الامام أبي عبد الله الصادق (ع) انّه كان يقول: «لعن الله المغيرة بن سعيد، انّه كان يكذب على أبي فأذاقه الله حرّ الحديد ، لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا ، ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا و إليه مآبنا و معادنا و بيده نواصينا »([55]) . و روى - أيضاً - بسنده عن هشام بن الحكم انّه سمع أبا عبد الله (ع) يقول: «كان المغيرة بن سعيد يتعمدّ الكذب على أبي، و يأخذ كتب أصحابه ، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي، فيدفعونها إلى المغيرة فكان يدسّ فيها الكفر و الزندقة، و يسندها الى أبي، ثم يدفعها الى أصحابه فيأمرهم أن يبثوها في الشيعة . فكلما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو ، فذاك ما دسّه المغيرة بن سعيد في كتبهم »([56]) . وفي رواية أخرى ، سُئل يونس وقيل له: ما أشدّك في الحديث لما يرويه أصحابنا ! فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث ؟ فقال: حدّثني هشام بن الحكم انه سمع أبا عبد الله (ع) يقول: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة ، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فانّ المغيرة بن سعيد - لعنه الله - دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي . فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى و سنّة نبينا صلى الله عليه وآله فانا إذا حدّثنا قلنا قال الله عزّ وجلّ و قال رسول الله (ص)([57]) . ومنهم أبو الخطّاب محمد بن مقلاص الاسدي الكوفي ، وكان يكذب على الامام الصادق (ع) ([58]) . قال يونس : وافيت العراق ، فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر (ع) و وجدت أصحاب أبي عبد الله (ع) متوافرين، فسمعت منهم، و أخذت كتبهم فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا (ع)، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد الله (ع) وقال لي : «انّ أبا الخطاب كذب على أبي عبدالله (ع) ، لعن الله أبا الخطاب ! و كذلك أصحاب أبي الخطاب يدسّون هذه الاحاديث الى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبدالله(ع)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فانّا إن تحدّثنا حدّثنا بموافقة القرآن و موافقة السنّة، إنّا عن الله وعن رسوله(ص) نحدّث ولانقول: قال فلان وفلان فيتناقض كلامنا، انّ كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا وكلام أولنا مصادق لكلام آخرنا، فإذا أتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك فردوه عليه...»([59]) وقد نقل القمي في ترجمته في «الكنى والالقاب» وقال عنه وعن جماعته الذين يسمّون بالخطّابيّة: «استحلوا جميع المحارم وقالوا: من عرف الامام، حلّ له كل شيء كان حرم عليه. فبلغ أمره جعفر بن محمد (ع) فلم يقدر عليه بأكثر من أن لعنه و تبرأ منه ومن جميع أصحابه فعرّفهم ذلك ، و كتب الى البلدان بالبراءة منه وباللعنة عليه . وعظم أمره على أبي عبدالله (ع) و استفظعه و استهاله ». انتهى([60]) . وقد جاء في أمره روايات كثيرة، نقتصر على ايراد ما يأتي منها: روى الكشّي بسنده عن الامام موسى بن جعفر (ع)، وقال: «كان أبو الخطاب ممّن أعاره الله الايمان، فلـمّا كَذَبَ على أبي ، سلبه الله الايمان »([61]) . و روى - أيضاً - بسنده وقال: قال أبو عبد الله (ع) وذكر أصحاب أبي الخطاب والغلاة، فقال لي: « يا مفضّل لا تقاعدوهم ولا تواكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصافحوهم ولا توارثوهم »([62]) . و روى - أيضاً - بسنده عن أبي عبد الله (ع) في قول الله عزّ وجلّ: ( هل أنبئكم على من تنزّل الشياطين تنزّل على كل أفّاك أثيم ) قال: هم سبعة : المغيرة ابن سعيد و بيان و صائد و حمزة بن عمارة البربري و الحارث الشامي وعبد الله ابن عمرو بن الحارث وأبو الخطاب([63]) . و روى - أيضاً - عن أبي عبد الله - الصادق - (ع) انه قال في حديثه: « ... و انّ أبا منصور كان رسول ابليس، لعن الله أبا منصور ، لعن الله أبا منصور ثلاثاً »([64]) . و روى - أيضاً - وقال : قال أبو عبد الله (ع): «إنّ بياناً و السريّ و بزيعاً لعنهم الله تراءى لهم الشيطان ...»([65]) . و روى - أيضاً - عن ابن أبي يعفور قال: دخلت على أبي عبد الله (ع) فقال: ما فعل بزيع ؟ فقلت له : قتل. فقال: الحمد لله. أما إنّه ليس لهؤلاء المغيرية خير من القتل، لانّهم لا يتوبون أبداً ([66]) . و روى - أيضاً - ما موجزه : بلغ أمرهم عيسى بن موسى العباسي عامل المنصور على الكوفة، فبعث اليهم رجلاً، فقتلهم([67]) . ومنهم من كان يكذب على الامام موسى بن جعفر (ع) . روى الكشّي بسنده: انّ يحيى بن عبد الله بن الحسن قال لأبي الحسن موسى بن جعفر (ع) : جعلت فداك ! انهم يزعمون انّك تعلم الغيب ؟! فقال: سبحان الله ضع يدك على رأسي فوالله ما بقيت في جسدي شعرة ولا في رأسي إلاّ قامت ! قال: ثم قال: لا والله ! ما هي إلاّ وراثة عن رسول الله (ص)، وفي نسخة: رواية عن رسول الله (ص)([68]) . ومنهم: محمد بن فرات البغدادي ، كان يكذب على الامام علي بن موسى الرضا (ع). قال الكشّي بترجمته: «كان يغلو في القول» . وروى بسنده عن الامام الرضا(ع) وقال: قال(ع): «آذاني محمد بن الفرات، آذاه الله وأذاقه حرّ الحديد، آذاني لعنه الله ، وما كَذَبَ علينا خطّابيّ بمثل ما كذب محمد بن الفرات ، وما من أحد يكذب علينا، إلاّ و يذيقه الله حرّ الحديد»([69]). و روى - أيضاً - بسنده وقال: «قال ابو الحسن الرضا (ع): كان بيان يكذب على علي بن الحسين (ع) فاذاقه الله حرّ الحديد، وكان المغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر (ع) فأذاقه الله حرّ الحديد، وكان محمد بن بشير يكذب على أبي الحسن موسى (ع) فاذاقه الله حرّ الحديد، وكان أبو الخطّاب يكذب على أبي عبد الله (ع) فاذاقه حرّ الحديد ، والذي يكذب عليّ محمد بن فرات . قال أبو يحيى وكان محمد بن فرات من الكتّاب ، فقتله ابراهيم بن شكلة([70]). * * * تبرّأ أئمة أهل البيت من الغلاة وطردوهم و لعنوهم و أشهروهم و نشروا ذلك على الملأ الاسلامي ، فانتشر خبر تبرّي الائمة منهم لدى الفريقين وفيما يأتي نذكر بعض ما جاء في كتاب «الملل و النحل» للشهرستاني حيث قال: «البيانيّة أتباع بيان بن سمعان التميمي » ثم ذكر ضلالتهم ، وقال في آخر ترجمته: «ومع هذا الخزي الفاحش كتب الى محمد بن علي بن الحسين الباقر - رضي الله عنهم - و دعاه الى نفسه وفي كتابه: « أسلم تسلم، و يرتقي من سلم، فإنّك لا تدري حيث يجعل الله النبوة ». وكان الرسول عمر بن أبي عفيف، فأمره الباقر أن يأكل قرطاسه الذي جاء به فأكله فمات في الحال». وقال : «اجتمعت طائفة عليه، و دانوا به و بمذهبه، فقتله خالد بن عبد الله القسري على ذلك، وقيل: أحرقه»([71]) . وقال: «المغيرية» أصحاب المغيرة بن سعيد العجلي، كان مولى لخالد بن عبد الله القسري » . ثم ذكر ضلالته وقال في آخرها : «وقد قال المغيرة بإمامة أبي جعفر محمد بن علي - رضى الله عنهما - ثم غلا فيه وقال بالوهيته، فتبّرأ منه الباقر و لعنه، وقال: اختلف أصحابه من بعده»([72]) . وقال: «المنصورية» أصحاب أبي منصور العجلي ، وهو الذي عزا نفسه الى أبي جعفر محمد بن علي الباقر في الاوّل ، فلـمّا تبرّأ منه الباقر و طرده ، زعم انّه هو الامام، و دعا الناس الى نفسه». قال : وخرجت جماعة منهم بالكوفة في بني كندة، فأخذه يوسف بن عمر الثقفي والي هشام بن عبد الملك على العراق و صلبه([73]). هذا موجز ما ذكره . ثم ذكر دعاواه . وقال النوبختي : كان من عبد القيس، ومنشؤه من البادية([74]) . وقال: «الخطّابيّة» أصحاب أبي الخطّاب محمد بن أبي زينب الاجدع الاسدي ولاءً، وهو الذي عزا نفسه الى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق - رض - فلـمّا وقف الصادق على غلوّه الباطل في حقه، تبرّأ منه، ولعنه و أمر أصحابه بالبراءة منه، و شدّد القول في ذلك وبالغ في التبرّي منه واللعن عليه. فلمّـا اعتزل عنه ادّعى الامامة لنفسه. قتله عيسى بن موسى صاحب المنصور بسبخة الكوفة ، و افترقت الخطّابيّة بعده فرقا . و زعمت طائفة انّ الامام بعد أبي الخطّاب بزيغ، و تسمّى هذه الطائفة البزيغية([75]) . و ذكر الشهرستاني بعض فرقهم و ذكر أقوالهم، ثم قال: و تبرّأ من هؤلاء كلّهم جعفر بن محمد الصادق - رض - و طردهم و لعنهم. وذكر ضلالاتهم وتأويلهم للآيات القرآنية وفق عقائدهم!! إذاً فانّ بنان أو بيان التبّان كان يكذب على الامام علي بن الحسين (ع) والمغيرة بن سعيد على الامام الباقر (ع) وأبو الخطّاب على الامام الصادق (ع) ومحمد بن بشير على الامام الكاظم (ع) ومحمد بن الفرات على الامام الرضا (ع) . وكان المغيرة و أبو الخطاب ممن أعارهم الله الايمان، ثم غويا و أغويا جماعة، وكان هؤلاء يقولون في أئمة أهل البيت من الغلو في حقهم ما تبرّؤا منه، و أحلّوا ما حرّم الله ، و حرّموا ما أحلّ الله ، و كذبوا على الله و على الرسول(ص) والائمة (ع). وكان المتستّرون منهم في أصحاب الأئمة ، يأخذون كتب أصحاب الأئمة و يدسّون فيها الكفر والغلوّ ، و ينسبون فيها الى الأئمة ما لم يقولوه . ثم يبثّونها في الشيعة. وقد كشف الأئمة عن مكرهم و أخبروا أصحابهم بمكرهم و كتبوا الى البلاد بذلك وقالوا: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة ، فإنّا إذا حدّثنا قلنا: قال الله عزّ وجلّ وقال رسول الله (ص)، ولا نقول: قال فلان وقال فلان، فيتناقض كلامنا، انّ كلام آخرنا مثل كلام اولنا، فاذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف ذلك فردّوه عليه». ومنهم «احمد بن محمد بن سيّار » أبو عبد الله المشهور بالسيّاري، كان من كتّاب آل طاهر([76]) . وكان معاصراً للامام أبي محمد الحسن العسكري من أئمة أهل البيت(ع)([77]). قال الكشّي في ترجمته: انّ الامام الجواد (ع) قال في جواب من سأل عنه: «انّه ليس في المكان الذي ادّعاه لنفسه، ولا تدفعوا إليه شيئاً »([78]) . أي يكذب في ما يدّعي لنفسه . و الظاهر انّ هذا الكلام من الامام أبي محمد العسكري (ع) ، و أخطأ الناسخ و كتب انّه «الامام الجواد (ع) »، أي انّه محمد الجواد (ع)([79]) . وقال كل من النجاشي (ت : 450 هـ) في رجاله، والشيخ الطوسي (ت : 460 هـ) في فهرسته : «ضعيف الحديث: فاسد المذهب ! مجفو الرواية ! كثير المراسيل ! ». قال النجاشي: ذكر ذلك لنا الحسين بن عبيدالله (الغضائري). وقال ابن الغضائري: «ضعيف ! متهالك ! غال ! محرّف » . و روى - أيضاً - انّه قال بالتناسخ([80]) ! ونقل الشيخ الطوسي في الاستبصار عن فهرست الشيخ الصدوق (ت : 381 هـ)، انّه ذكر كتاب النوادر وقال: «استثنى منه ما رواه السيّاري، وقال: لا أعمل به ولا أفتي به لضعفه»([81]) . وسبق الشيخ الصدوق في تضعيف السيّاري ، الشيخ محمد بن الحسن بن الوليد (ت : 343 هـ)([82]) . وعد الشيخ الطوسي و النجاشي من كتبه: ثواب القرآن ، الطبّ ، القراءات، النوادر ، الغارات ، و قالا: أخبرنا ... إلاّ بما كان فيه غلوّ و تخليط. * * * ذكرنا أمثلة من تخريب الغلاة وكيف قابل أئمة أهل البيت (ع) الغلاة، و سنذكر في ما يأتي بحوله تعالى موقف أتباع مدرسة أهل البيت من الغلاة و الوضّاعين و ما عملوه - أيضاً - في دراسة الحديث لتمحيص سنّة الرسول (ص).
العلاج الثاني :
تعيين أئمة أهل البيت مقاييس لمعرفة صحيح الحديث من سقيمه
كل أمر ديني بمدرسة أهل البيت يستند إلى كتاب الله و سنّة رسوله(ص) وتنحصر الطريق إلى سنّة الرسول(ص) عندهم : أ ـ بما صح لديهم سنده عن عدول الصحابة إلى الرسول(ص). ب ـ ما صح لديهم سنده إلى أحد أئمة أهل البيت الاثني عشر بصفتهم أوصياء قد أخذوا شريعة الاسلام عن جدهم الرسول(ص) بما ورثوه عن أبيهم الامام علي(ع) من علم الرسول(ص) كما شرحناه في محله من الجزء الأول من معالم المدرستين. * * * بعد تقديم البحوث التمهيدية، نبدأ بحوله تعالى بدراسة أقوال الاستاذ «احسان الهي ظهير» في كتابه «الشيعة و القرآن» :
دراسة أقوال الاستاذ احسان الهي ظهير
في كتابه الشيعة والقرآن
أ ـ دراسة ما أورده في الباب الأول والثاني والثالث والرابع. ب - دراسة ما سمّاه بألف حديث شيعي في تحريف القرآن ـ والعياذ بالله ـ . أولاً ـ روايات الدليل الحادي عشر. ثانياً ـ روايات الدليل الثاني عشر حول آيات سور القرآن من سورة الفاتحة حتى سورة الناس.
تمهيـد :
قسم الاستاذ ظهير كتابه الشيعة و القرآن الى مقدمة و أربعة أبواب و خاتمة: أ - نقل في المقدمة ما نسبه الى الشيعة من القول بتحريف القرآن في كتابه (الشيعة و السنّة) و ذكر من ناقشه في ذلك من علماء الشيعة ، وأنه سوف يذكر تفاصيل ما يسنده الى الشيعة في بحوث الكتاب ، و استدل هنا بما سمّيت سورة النورين . ب - ذكر في الباب الاول و الثاني و الثالث من كتابه عقيدة الشيعة حول تحريف القرآن على حدّ زعمه في الادوار الثلاثة حسب تقسيمه . ج - أورد في الباب الرابع منه (الف حديث شيعي في اثبات التحريف في القرآن) نقلاً عن كتاب فصل الخطاب . ونحن نستعين الله وندرس ما استند اليه في اسناد القول بتحريف القرآن والعياذ بالله الى أتباع مدرسة أهل البيت ونترك سائر أقواله و تهجماته !
مقدمة كتاب الاستاذ الهي ظهير
ان أهم ما جاء في المقدمة استدلاله بسورة النورين الخرافية، و سوف ندرسها باذنه تعالى في بحث «روايات لاسند لها ولا أصل» من الباب الرابع من كتابه .
وقال في الباب الاول :
عقيدة الشيعة في الدور الاول من القرآن «كل من يريد أن يعرف عقيدة الشيعة في القرآن، و يتحقق فيه ويبحث لابد له من أن يرجع الى امهات كتب القوم و مراجعهم الاصلية في الحديث و التفسير حتى يكون منصفاً في الحكم، و عادلاً في الاستنتاج، لانه عليها مدار عقائدهم و معول خلافاتهم مع الآخرين، و بالتمسك برواياتهم التي رووها حسب زعمهم عن أئمتهم المعصومين من سلالة علي (رض) من طرقهم الخاصة وأسانيدهم المخصوصة يتميزون عن الفرق الاخرى من المسلمين». الى قوله في ص 28 منه : «فيلزم الباحث المنصف أن لا ينسب شيئاً إلى القوم إلاّ أن يكون ثابتاً من أئمتهم، و الظاهر أنه لا يثبت إلاّ حينما يكون و ارداً في الكتب التي خصصت لايراد مروياتهم و أحاديثهم، وهذه الكتب إما أن تكون من كتب الحديث أو التفسير، و خاصة الكتب القديمة التي روت هذه الروايات بالسند، أو وافق على صحتها أئمة القوم المعصومين . ونحن نلزم أنفسنا في هذا الباب أن لا نورد شيئاً إلاّ و يكون صادراً من واحد من الائمة الا ثني عشر ، ومن كتب الشيعة أنفسهم المعتمدة لديهم و الموثوقة عندهم، لبيان أن الشيعة في عصر الائمة قاطبة من بكرة أبيهم - ولا أستثني منهم واحداً - كانوا يعتقدون أنّ القرآن محرف و مغير فيه، زيد فيه و نقص منه كثير ». «فنبدأ من (الكافي) للكليني، الذي قيل فيه: هو أجل الكتب الأربعة الأصول المعتمدة عليها، لم يكتب مثله في المنقول من آل الرسول، لثقة الاسلام محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني الرازي المتوفى سنة 328 هـ » ([83]). ثم أورد ثناء العلماء على كتاب الكافي و مؤلفه، ثم قال في ص 31 منه: «فذاك هو الكافي وهذا هو الكليني. فهذا الكليني يروي في ذاك الكافي ...» ثم نقل عن الكافي روايات فيها ذكر مصحف فاطمة (ع) وقد درسناه في باب «مصطلحات قرآنية» من المجلد الاول من هذا الكتاب و روايات أخرى استدلّ بها على القول بتحريف القرآن الكريم و الزيادة و النقيصة فيه - العياذ بالله - ثم قال في ص 34 منه : « هذه، و مثل هذه الروايات كثيرة كثيرة في أوثق كتاب من كتب القوم، الذي عرض على الامام الغائب فأوثقه و جعله كافياً لشيعته. أعرضنا عنها لما أنها وردت في كتاب (فصل الخطاب) الذي خصصنا له الباب الرابع من هذا الكتاب تجنباً عن التكرار ». ثم ذكر في ص 35 - 36 ، تفسير المنسوب إلى علي بن ابراهيم القمي ( كان حياً الى سنة 307 هـ ). وفي ص 37 و 38، تفسير العياشي لأبي النظر محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السلمي السمرقندي (ت: 320 هـ). وفي ص 38 و 39 ، بصائر الدرجات لمحمد بن حسن الصفّار (ت: 290 هـ). وفي ص 39 - 42، تفسير فرات بن ابراهيم الكوفي (توفي حدود سنة 307 هـ) . وفي ص 42، الكتاب المنسوب إلى سليم بن قيس الهلالي أبي صادق العامري (ت: 90 هـ) الذي أدرك أمير المؤمنين علياً و الائمة من ولده: الحسن والحسين و علي بن الحسين(ع) وتوفي متستراً عن الحجاج ونقل عنهم روايات استدلّ بها على عقيدة الشيعة بتحريف القرآن في ما سمّـاه : «في الدور الاوّل» كما استدلّ لذلك بأقوال كل من السيد نعمة الله الجزائري ، و السيد هاشم البحراني ، والشيخ النوري، نقلاً من كتابه فصل الخطاب. ثم قال: « فهؤلاء محدثوا القوم و مفسروهم و رواتهم الأجلة في العصور الأولى لقوا أئمتهم و رووا عنهم بلا واسطة و بواسطة. فكلهم يروون مثل هذه الروايات و يعتقدون بهذه العقيدة أي عقيدة تحريف القرآن وتغييره و هؤلاء هم عمدة المذهب، و تلك كتبهم عليها مدار عقائد الشيعة، لولاهم ولولاها لما ثبت لهم شيء ». إذاً فقد اعتمد في ما نسب من القول بالتحريف الى الشيعة في هذا الدور على حد زعمه بأمرين : أ - الروايات التي وردت في تلكم الكتب . ب - أقوال الأعلام الثلاثة الذين نقل أقوالهم . أما الروايات، فمجال دراستها في الباب الرابع من كتابه مع ما أورده من روايات هناك. على ان علماءنا المحققين أثبتوا سقوط اعتبار قسم من الكتب التي استدل بها الشيخ النوري أولاً والاستاذ الهي ظهير أخيراً، مثل: أولاً - التفسير المنسوب إلى القمي: ان هذا التفسير يحتوي على : أ - بعض ما رُوي فيه عن علي بن ابراهيم القمي والراوي عنه مجهول حاله ولم نجد له ذكراً في كتب الرجال . ب - ما أدرج فيه الراوي المجهول من تفسير أبي الجارود ، و أبو الجارود زياد بن المنذر رأس الجارودية من الزيديّة ، و سمّوا بالسرحوبيّة - أيضاً - قال الكشي: وكان أبو الجارود مكفوفاً أعمى ، أعمى القلب وقد ورد لعنه على لسان الصادق (ع) ، قال: «لعنه الله فانه أعمى القلب، أعمى البصر»([84]). ج - ما أورده الراوي المذكور من سائر مشايخه . د - مقدمة وضعها الراوي المذكور أو غيره للتفسير أورد فيها مختصراً من روايات منسوبة الى أمير المؤمنين (ع) في صنوف آي القرآن الكريم والتي فصّلها وشرحها صاحب التفسير المنسوب إلى النعماني . هـ - يبتدئ التفسير بقوله: حدثني أبـو الفضل بـن العباس بن محمد بن القاسم بن ...([85]) قال بترجمة الكتاب في الذريعة : ولخلّو تفسيره هذا عن روايات سائر الأئمة عليهم السلام قد عمد تلميذه الآتي ذكره والراوي لهذا التفسير عنه، الى ادخال بعض روايات الامام الباقر عليه السلام التي أملاها على أبي الجارود في أثناء هذا التفسير، وبعض روايات أخر عن سائر مشايخه مما يتعلق بتفسير الآية ويناسب ذكرها في ذيل تفسير الآية، ولم يكن موجوداً في تفسير على بن ابراهيم فادرجها في أثناء روايات هذا التفسير تتميماً له وتكثيراً لنفعه، وذلك التصرف وقع منه من أوائل سورة آل عمران إلى آخر القرآن، والتلميذ هو الذي صدر التفسير باسمه في عامة نسخه الصحيحة التي رأيناها([86]) فمن الذي يقول حدثني أبو الفضل بن العبّاس؟ هل هو المؤلف نفسه؟ ومن هو أبو الفضل بن العباس ؟ هل هو التلميذ نفسه؟ وهل المؤلف يقول حدثني تلميذي ؟ وبناء على ذلك فهو قول مجهول عن قائل مجهول، ولانعلم حقيقته !
ثانياً - تفسير العياشي قال بترجمة الكتاب في الذريعة : «تفسير أبـي النضر محمـد بن مسعود بن محمد بن عياش السلمي السمرقندي المعروف بتفسير العياشي ، حذف منه الناسخ أسانيد الروايات لغرض الاختصار . قال العلاّمة المجلسي «وذكر في أوله عذراً هو أشنع من جريمته!»([87]) وكيف يستدل على روايات لا يعلم من رواها وهل رواها راو غال ضالّ كذّاب أو نقلها المؤلّف من رواة مدرسة الخلفاء لسنا ندري شيئاً من ذلك ؟
ثالثاً - تفسير فرات الكوفي: لم نجد لفرات الكوفي ذكراً في كتب تراجم الرواة ولا ضمن تراجم الآخرين ولم نعرف نسبه ومن هو فرات الكوفي؟! وقد جاء في مقدمة الكتاب الذي لا يعرف قائله: «وتفسير آيات القرآن المروي عن الائمة» في حين ان المصنف جمع فيه من الكتب التفسيرية التي كانت متداولة في عصر الائمة بأسانيد مختلفة ومن مختلف الفئات الاسلامية فمن الشيعة نقل عن الامامية و الزيدية و الواقفية و ... ونقل من السنّة كذلك من مختلف الفئات ولـم يقتصر فيها على أحاديث الرسول(ص) أو أهل بيته(ع) عليهم الصلاة و السلام بل تعداها إلى أقوال الصحابة و التابعين و بعض الشخصيات الاخرى. و ربما كان من الناحية الفكرية و العقيدية زيدياً أو كان متعاطفاً معهم و مخالطاً إيّاهم و متمايلاً إليهم على الاقل كما يبدو واضحاً لمن يلاحظ في الكتاب مشايخه و أسانيده و أحاديثه، فهو أشبه ما يكون بكتب الزيدية، و ليس فيه نص على الائمة الاثني عشر، و إن كان مكثراً في الرواية عن الصادقين بنصوص تؤكد إمامتهما و عصمتهما لكن في المقابل يروي عن زيد أحاديث تنفي العصمة عن غير الخمسة من أهل البيت . و ربما كان السبب في عدم ذكر ترجمته في الكتب الرجالية هو أنه لم يكن إمامياً لتهتم الامامية به، و لم يكن سنّياً، لتهتم السنّة، به بل هو من الوسط الزيدي في الكوفة، و الزيدية قد انمحت الكثير من آثارهم. وكيف يصح الركون إلى مرويات كتاب مثل هذا([88]) ؟!
رابعاً - ما سمي بأصل سليم بن قيس الهلالي : كان سليم من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. غير ان النسخة المنسوبة إليه انتشرت بعد وفاته . وقال الشيخ المفيد : «هذا الكتاب غير موثوق به ، ولا يجوز العمل على أكثره، وقد حصل فيه تخليط و تدليس. فينبغي للمتديّن أن يتجنب العمل بكل ما فيه ولا يعوّل على جملته و التقليد لروايته» ([89]). وقال بترجمة الكتاب في الذريعة: رأيت منه نسخاً متفاوتة: أولاً - في سند مفتتحها . ثانياً - في كمية الأحاديث . ثالثاً - لاتوجد فيها جملة من الأحاديث المروية عن كتاب سليم في سائر كتب القدماء([90]). كان ذلكم شأن الكتب التي استدل بما جاء فيها الاستاذ ظهير. وأمّا الاعلام الثلاثة الذين استشهد بأقوالهم ([91])، فقد قال عنهم مشايخنا مايأتى :
أولا - عن السيد نعمة الله الجزائري : قال الاستاذ البحاثة الشيخ معرفت في كتابه : صيانة القرآن من التحريف : «نعم، حدثت فكرة وقوع التحريف من قبل فئة هم شرذمة قليلة من هذه الأمة ممّن لا اعتداد بهم في جماعة الشيعة، و ذلك في عهد متأخّر ، منذ أن نبغ نابغتهم الجزائري (1050 - 1112) في حاشية الخليج . فأشاد من هذه الفكرة و أسّس بنيانها على قواعد الاسترسال و الانطلاق مع شوارد الاخبار و غرائب الآثار . و انطلقت وراءه زرافات من أهل الخبط و التخليط، و أخيراً رائدهم النوري (1254 - 1320) في فصل الخطاب، الذي حاول فيه نقض دلائل الكتاب، و نفي حجّيته القاطعة، الثابتة عند أهل الصواب . و إليك من دلائل الجزائري في كتابه «منبع الحياة !» : قال: «إنّ الأخبار المستفيضة بل المتواترة قد دلّت على وقوع الزيادة و النقصان والتحريف في القرآن. منها ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام لمّا سئل عن التناسب بين الجملتين في قوله تعالى: (وإن خِفتُم أَلاَّ تُقسِطُوا في اليَتَامى فَانكِحوا ما طابَ لَكُم مِنَ النِّساءِ مَثنى و ثُلاثَ و رُباعَ) فقال : لقد سقط أكثر من ثلث القرآن . ومنها: ما روي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: ( كُنتُم خيرَ أُمَّة ... ) قال: كيف يكون هذه الأمة وقد قتلوا ابن رسول الله ليس هكذا نزلت و إنّما نزولها «كنتم خير أئمة» يعني الأئمة من أهل البيت عليهم السلام. و منها : ما روي في الأخبار المستفيضة أنّ آية الغدير هكذا نزلت «يا أيّها الرسول بلّغ ما اُنزل إليك - في عليّ - فإن لم تفعل فما بلّغت رسالاته» !! إلى غير ذلك ممّا لو جمع لصار كتاباً كبير الحجم » ! قال: «وأمّا الازمان التي ورد على القرآن فيها التحريف و الزيادة و النقصان، فهما عصران: العصر الأول عصره (ص) و أعصار الصحابة. و ذلك من وجوه : أحدها : أنّ القرآن كان ينزل منجماً على حسب المصالح و الوقائع، وكتّاب الوحي كانوا ما يقرب من أربعة عشر رجلاً من الصحابة، و كان رئيسهم أمير المؤمنين عليه السلام، وقد كانوا في الاغلب ما يكتبون إلاّ ما يتعلّق بالاحكام و إلاّ ما يوحى اليه في المحافل و المجامع. و أمّا الذي كان يكتب ما ينزل في خلواته و منازله، فليس هو إلاّ أمير المؤمنين عليه السلام لأ نّه كان يدور معه كيفما دار، فكان مصحفه أجمع من غيره من المصاحف» . قال: «و لمّا مضى (ص) إلى لقاء حبيبه، و تفرّقت الأهواء بعده جمع أمير المؤمنين عليه السلام القرآن كما اُنزل، و شدّه بردائه و أتى به الى المسجد وفيه الاعرابيان و أعيان الصحابة، فقال لهم: «هذا كتاب ربّكم كما اُنزل» . فقال له الاعرابي الجلف: «ليس لنا فيه حاجة، هذا عندنا مصحف عثمان !» فقال عليه السلام: «لن تروه ولن يراه أحد حتى يظهر ولدي صاحب الزمان، فيحمل الناس على تلاوته والعمل بأحكامه. ويرفع الله سبحانه هذا المصحف إلى السماء». ولمّا تخلّف ذلك الاعرابي احتال في استخراج ذلك المصحف، ليحرقه كما أحرق مصحف ابن مسعود، فطلبه من أمير المؤمنين عليه السلام فأبى». قال: «وهذا القرآن عند الأئمة يتلونه في خلواتهم. و ربّما أطلعوا عليه بعض خواصّهم، كما رواه ثقة الاسلام الكليني - عطّر الله مرقده - باسناده عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام و أنا أستمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأها الناس. فقال أبو عبد الله عليه السلام: مه كفّ عن هذه القراءة واقرأ كما يقرأ الناس، حتى يقوم القائم، فإذا قام قرأ كتاب الله على حدّه و أخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام». قال: «وهذا الحديث وما بمعناه قد أظهر العذر في تلاوتنا هذا المصحف والعمل بأحكامه». و ثانيها: «أنّ المصاحف لـمّا كانت متعدّدة لتعدّد كتّاب الوحي عمد الاعرابيان الى انتخاب ما كتبه عثمان و جملة ما كتبه غيره، و جمعوا الباقي في قدر فيه ماء حار فطبخوه». قال: «ولو كانت تلك المصاحف كلّها على نمط واحد لما صنعوا هذا الشنيع الذي صار عليهم من أعظم المطاعن». وثالثها: «أنّ المصاحف كانت مشتملة على مدائح أهل البيت عليهم السلام صريحاً، و لعن المنافقين و بني أميّة نصّاً و تلويحاً . فعمدوا أيضا الى هذا و رفعوه من المصاحف حذراً من الفضائح و حسداً لعترته (ص) ». و رابعها: «ما ذكره الثقة الجليل علي بن طاووس رحمه الله في كتاب سعد السعود عن محمد بن بحر الرهني - من أعاظم علماء العامّة - في بيان التفاوت في المصاحف التي بعث بها عثمان الى أهل الامصار . وعدد ما وقع فيها من الاختلاف بالكلمات و الحروف، مع أ نّها كلّها بخطّ عثمان ! » قال: «فإذا كان هذا حال اختلاف مصاحفه التي هي بخطّه فكيف حال غيرها من مصاحف كتّاب الوحي و التابعين !؟ و أمّا العصر الثاني، فهو زمن القرّاء، و ذلك أن المصحف الذي وقع اليهم خال من الاعراب و النقط كما هو الآن موجود في المصاحف التي هي بخطّ مولانا أمير المؤمنين عليه السلام و أولاده المعصومين صلوات الله عليهم. وقد شاهدت عدّة منها في خزانة الرضا عليه السلام». قال: «وبالجملة لـمّا وقعت اليهم المصاحف على ذلك الحال تصرّفوا في إعرابها ونقطها و إدغامها و إمالتها ونحو ذلك من القوانين المختلفة بينهم على ما يوافق مذاهبهم في اللغة و العربيّة ...([92]) ». قلت: و لعلّ مواضع الخلط في كلامه هذا واضحة، تغنينا عن تكلّف الردّ عليه. اُنظر الى مبلغ علم الرجل بتاريخ جمع القرآن، يقول: إنّ علياً عليه السلام لـمّا جاء بمصحفه الى القوم، قام الثاني و قال: يكفينا مصحف عثمان ! أين كان موضع عثمان يومذاك من جمع القرآن ؟! ويقول: كانت المصاحف المرسلة الى الآفاق كلّها بخطّ يد عثمان ؟! وهل كان عثمان يكتب المصاحف بخطّ يده ؟! وتارةً يقول: إنّ عمر أحرق مصحف ابن مسعود، و أراد إحراق مصحف عليّ أيضاً، و احتال في ذلك فلم يقدر !! & |