|
بسم اللّه الرحمن الرحيم
والحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الانبياء محمّد وآله الطاهرين، وأزواجه اُمهات المؤمنين، وأصحابه الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
المقدّمات
* مقدمة الطبعة الرابعة. * مقدمة الطبعة الثالثة. كتاب الشيخ محمّد جواد مغنيَّة. كتاب الدكتور حامد حفني داود من مصر. موجز ما ورد من نقد: نقد مجلّة الازهر. * مقدمة الطبعة الاُولى. سبب تسمية الكتاب.
مقدمة الطبعة الرابعة
طبع هذا الكتاب بعيداً عن إشراف المؤلّف في النجف الاشرف عام 1375 ه . وفي القاهرة عام 1381 ه . وفي بيروت عام 1388 ه . ومن ثمّ انتشرت فيه أخطاء صحّحناها في هذه الطبعة وخاصة أرقام صفحات مصادره الكثيرة، كما استدركنا ما فاتنا هناك في خلال صفحاته بآخر الكتاب، فينبغي تصحيح النسخ المطبوعة سابقاً على هذه الطبعة والكمال للّه وحده.
مرتضى العسكري
مقدمة الطبعة الثالثة
صدرت الطبعة الاُولى من الكتاب عام 1375 ه فتناولته أقلام الكتاب بالنقد والتقريض، وانتشرت بعض مواضيعه في موسوعات علمية. وإنّنا ـ مع تقديرنا لكل ما كتب ـ نكتفي بإيراد بعض المقالات التي أثارت نقاطاً معينة تستحق الاهتمام وهي: أ ـ كتاب الشيخ محمّد جواد مغنيّة. ب ـ كتاب الدكتور حامد حفني داود. ج ـ نقد مجلة الازهر. د ـ نقود اُخرى. * * * أ ـ الشيخ محمّد جواد مغنيّة من لبنان. أحد كبار الكتّاب المعاصرين، وأكثر علمائنا إنتاجاً ـ في العصر الحاضر ـ مع غزارة مادة، وسلاسة اُسلوب، وكثرة نفع التأليف، قال: كل شيء تطور إلاّ الكتابة عن الشيعة، ولكلّ بداية نهاية إلاّ الافتراء على الشيعة، ولكلّ حكمٍ مصدره ودليله إلاّ الاحكام على الشيعة ... ولماذا؟ هل الشيعة فوضويون ومشاغبون يُعكِّرون صفو الناس وأمنهم ...؟ الجواب أنّ رجلاً يسمّى سيف بن عمر التميمي مات في القرن الثاني الهجري، وضع كتابين: الاول ((الفتوح والردة)) والثاني ((الجمل ومسير عائشة وعلي)) وحشاهما بما يلي: 1 ـ إختلاق الحوادث التي لا حقيقة لها ولا أساس. 2 ـ تحريف الحوادث الثابتة، وتزييفها تزييفاً يجعل الايجاب سلباً والسلب إيجاباً. فلقد اختلق سيف لرسول اللّه (ص) أصحاباً لا وجود لهم، وأسماهم بأسماء لم يسمع بها الرسول ولا أحد من أصحابه، مثل سعير، والهزهار. وأُطّ، وحميضة، وما إلى ذلك، كما ابتدع رجالاً من التابعين وغير التابعين، ووضع على لسانهم الاخبار والاحاديث. من هؤلاء بطل اختلق شخصيّته، واختلق اسمه، واختلق قضايا ربطها به، هذا البطل الاسطوري هو ((عبداللّه بن سبأ)) الذي اعتمد عليه كلّ من نسب إلى الشيعة ما ليس لهم به علم، وتكلّم عنهم جهلاً وخطأً، ونفاقاً وافتراء. وجاء المؤرّخون بعد سيف الوَضّاع، فرأوا الكتابين المذكورين بين مصادر التاريخ، فنهلوا منهما دون فحص وتمحيص، ونقلوا عنهما بأعينهم وأيديهم وعقولهم، وأوّل من خُدع بسيف ؛ الطبري، ثم نقل عن الطبري ابن الاثير، وابن عساكر، وابن كثير وغيرهم، وبهذا امتدّت أغصان سيف الكذّاب إلى مصادر التاريخ بصورة غير مباشرة، أمّا الجذر والاصل فواحد هو: ((كتاب الفتوح)) و ((الجمل)). أما الدليل الصحيح الواضح، أمّا الارقام المحسوسة الملموسة على هذه الحقيقة، فتجدها في كتاب ((عبداللّه بن سبأ)) للبَحّاثة العسكري، فقد اعتمد في كتابه هذا منهج الحقّ والعدل، والتزم بكلّ شرط يفرضه العلم في عملية البحث، بحيث لا يستطيع القارئ مهما بلغ من الفكر والعلم أن يرفض النتائج التي توصّل إليها المؤلف، أو يشكّك فيها، ولو باحتمال كيفي موهوم، لانّ الاُسس الّتي بنى عليها المؤلف ماديّة لا فكرية فحسب، ومشاهدات لا نظريات، وقضايا ضرورية لا اجتهادية. لقد رددت على المفترين والمعترضين مرّات ومرّات، واعترف أنّي لم آت بجديد لا تعرفه الناس، بل كنت أُكرّر ما أجاب به المفيد والمرتضى والعلاّمة، ولا شيء لي سوى الاُسلوب والتوضيح. ذلك أن الاعتراض واحد لم يتغيّر منذ زمان وزمان، فجوابه أيضاً واحد لم يتغيّر، تماما كجواب من أنكر البارئ عزّ وجلّ. وكنت أُعزّي النفس بأنّ الكثير يجهلون ما أجاب به الاوّلون، وبأنّ السكوت يُغري بنا السفهاء ويُفسّر بالضعف والعجز عن الجواب، وعلى أيّة حال فكنت أُجيب كما أجاب غيري على أساس الاعتراف بابن سبأ، ثم الانكار والتبرّؤ منه ومن أقواله، أمّا صاحب كتاب ((ابن سبأ)) فقد هدّم البناء من الاساس، وأثبت بأن ابن سبأ أُسطورة لا وجود له، وهذا هو الجديد في الكتاب. ولا أُغالي إذا قلت: إنّه الكتاب العربي الوحيد الذي بحث التاريخ على أساس العلم، وتعمّق فيه هذا التعمّق. وأيضاً لست مبالغاً إذا قلت: إنّ المؤلف قد أدّى إلى الدين والعلم ـ وبخاصة إلى مبدأ التشيّع ـ خدمة لا يعادلها أيّ عمل في هذا العصر الّذي كثرت فيه التهجمات والافتراءات على الشيعة والتشيّع، بل قد أدّى خدمة جُلّى للاسلام وجميع المسلمين، لانّه أقفل الباب في وجوه السماسرة والدسّاسين الذي يتشبثون بالطُّحلُب لتمزيق وحدة المسلمين، وإضعاف قوّتهم. لقد ذقنا من العملاء الادهى والامرَّ، وتحمّلنا منهم الكثير رغبة في الوئام، وتجنّب الخصام، وما زادهم ذلك إلاّ إغراء بالكذب، ومصدرهم الاوّل والاخير اسطورة ((ابن سبأ)) وخرافة (ابن السوداء) التي ابتدعها سيف هذا الوضّاع الّذي لا يشعر بأيّة مسؤولية أمام اللّه والضمير. أمّا اليوم وبعد كتاب ((عبداللّه بن سبأ)) فماذا يقول هؤلاء الانتهازيّون المرتزقة ! وبالتالي، فإنّي أرى أن يتفضّل السادة العلماء والمراجع الكبار في النجف الاشرف بتخصيص مبلغ من الحقوق، أو يأمروا من يمتثل أوامرهم من أصحاب الثراء بإعادة طبع هذا الكتاب طبعاً حديثاً وأنيقاً على أجود ورق، ثم يُعرَض للبيع في البلاد الاسلامية والعربية بواسطة شركات التوزيع بثمن يقلّ عن نصف تكاليفه، كي يصبح في متناول الجميع، كما هي الحال في سائر كتب الدعايات التي يراد بها انتشار مبدأ وتشجيع فكرة، بل اقترح أن يأمروا بترجمته إلى عدّة لغات، ويُنشر على هذا النحو، وبذلك يقدّمون خدمة للدين دونها جميع الاعمال والخدمات. هذا هو واللّه الغرض الاكمل لمصرف الحق الالهي، وسهم الامام ((منه وإليه)). واللّه سبحانه المسؤول أن يحفظهم جميعاً، ويُلهم أحد المقرّبين منهم إلى نقل اقتراحي هذا إلى مقامهم، وأن يستجيبوا له، أو يضعوه في موضع الدراسة على الاقل.
محمّد جواد مغنية
ب ـ كتاب الدكتور حامد حفني داود، دكتوراه في الادب العربي مع مرتبة الشرف واُستاذ الادب العربي بكلّية الالسن العُليا في القاهرة جاء فيه: مضى ثلاثة عشر قرناً من حياة التاريخ الاسلامي كان ((أنصاف العلماء)) خلالها يُصدرون أحكامهم على الشيعة مشبوبة بعواطفهم وأهوائهم. وكان هذا النهج السقيم سبباً في إحداث هذه الفَجوة الواسعة بين الفرق الاسلامية ومن ثم خسر العلم الشيء الكثير من معارف أعلام هذه الفرق، كما خسر الكثير من فرائد آرائهم وثمار قرائحهم. وكانت خسارة العلم أعظم فيما يمسّ الشيعة والتشيّع بسبب ما رماهم به مبغضوهم من نحل وترهات وخرافات هم في الحقيقة براء منها. ولو أن هؤلاء ((الانصاف)) ترفعوا بأنفسهم عن التعصّب وطبّقوا ـ وهم يكتبون عنهم أو يأخذون منهم ـ مناهج البحث العلمي الصحيح، وآثروا حكم العقل على حكم القلب، وقدّموا الرأي على الهوى؛ لجاءنا علم كثير عن الشيعة، ولانتفعنا بالكثير من تُراث هذا المذهب. إنّ الباحث المنصف للحقائق العلمية يأخذ عن مذهب الشيعة بقدر ما يأخذ عن غيرها من المذاهب الاسلامية الاُخرى. وهو مضطرُّ ـ إن كان منصفاً ـ إلى دراسة فقه الشيعة حين يدرس المذاهب الفقهية الاربعة عند أهل السنة. ناهيك أن الامام جعفر الصادق المتوفّى سنة 148 ه ـ وهو رافع لواء الفقه الشيعي ـ كان اُستاذاً للامامين السنّيين: أبي حنيفة النعمان بن ثابت المتوفّى سنة 150 ه ، وأبي عبداللّه مالك بن أنس المتوفّى سنة 179 ه . وفي ذلك يقول أبو حنيفة مقرّاً له بالاُستاذية وفضل السبق: ((لولا السنتان لهلك النعمان)) يقصد بهما السنتين اللّتين اغترف فيهما من علم جعفر بن محمد. ويقول مالك بن أنس: ((ما رأيت أفقه من جعفر ابن محمد . ولقد كانت الطّامة أعظم حين خرج على الناس بعض المحدثين الذين ينتحلون لانفسهم سِمَة العلم ويأتزرون بإزار المعرفة، وليتهم تواضعوا وتنزّهوا عن رفع أنفسهم فوق قدرها لمّا أعلنوا الثورة على الفرق الاسلامية وأفردوا الشيعة بأعظم جانب منها. فأفسدوا ـ فيما كتبوا ـ مناهج البحث العلمي، وأوصدوا دونهم أبواب العلم. وكان ـ للاسف الشديد ـ اُستاذنا أحمد أمين واحداً من هؤلاء النفر الذين حجبوا عن أنفسهم نور المعرفة في ركن عظيم من أركان الحضارة الاسلامية ذلك الركن الذي سبق فيه الشيعة غيرهم من بناة الحضارة الاسلامية والتُّراث الاسلامي. فكان هذا المسلك هنة سجّلها التاريخ الاسلامي عليه كما سجّلها على غيره ممن حذا حذوه من أساتذة الجامعات الذين آثروا التعصّب الاعمى على حرية الرأي وجمدوا بآرائهم عند مذهب بعينه. وليس ذلك بالطريق السويّ الذي يسلكه المحققون من الباحثين. ولعلّ أعظم هذه الاخطاء التاريخية التي أفلتت من زمام هؤلاء الباحثين وغُمَّ عليهم أمرها فلم يفقهوها ويفطنوا إليها، هذه المفتريات التي افتروها على علماء الشيعة حين لفّقوا عليهم ((قصة عبداللّه بن سبأ)) فيما لفّقوه من قصص اشرت إلى بعضها في مؤلفاتي(1)، وزعموا أنّ كلّ خرافة أو اُسطورة أو اُكذوبة جاءت من فجر التاريخ الاسلامي؛ كانت من نسج خيال علماء الشيعة واعتبروها مغمزاً يغمزون به عليهم. وها هو البحّاثة الجليل ((مرتضى العسكري)) يُسجّل لنا في كتابه ((عبداللّه بن سبأ)) أنّ هذه الشخصيّة لم تخرج عن كونها شخصيّة خرافية وأنّ ما أورده المؤرخون عنه من حكايات في ترويج التشيع لم يكن أكثر من اُكذوبة سجّلها الرواة حول هذه الشخصية الوهمية ليحملوا على الشيعة ما شاء لهم أن يحملوا وليغمزوا عليهم ما شاء لهم أن يغمزوا. لقد جمع هذا البحّاثة المقارن تحقيقاته العلمية وأبحاثه الشيّقة من متفرقات الكتب ومنشورات الاثار وبطون المصادر، وصال وجال في كل ميدان من ميادين التاريخ الاسلامي حتى وصل إلى هذه الحقيقة ناصعة جلية، وقد حاول الاُستاذ المحقق في كلّ مبحث من مباحثه التي جاء بها في هذا الكتاب أن يقيم الحجة الدامغة على أعداء الشيعة وخصومهم حين استشهد على آرائه العلمية بنصوص ثابتة من أقوال الخصوم أنفسهم، فأقام الحجّة عليهم من أقرب طريق. والمتطلّع في هذا الكتاب يستطيع أن يقف في سهولة ويسر على التحقيقات العلمية التي أجراها المؤلف في أحاديث ((سيف بن عمر)) التي كانت تشغل أدمغة المؤرّخين منذ ظهر التاريخ الاسلامي المدوّن إلى وقت قريب منّا، قيّض اللّه للتاريخ فيه جهابذة محققين لا يخشون في اللّه وفي الحق لومة لائم. كان الاُستاذ المؤلف في الطليعة منهم، حين استطاع أن يحمل الباحثين على إعادة النظر فيما جاء به أبو جعفر الطبري في كتابه تاريخ الاُمم والملوك. وأن يحملهم على النقد التاريخي لكلّ ما جاء في هذا الكتاب وغيره من اُمّهات كتب التاريخ بعد أن كان هؤلاء ينظرون إلى الاحداث التاريخية نظرتهم إلى المقدسات التي لا تقبل التغيير والتبديل. وقد استطاع المؤلّف بفضل القرائن التاريخية أن يكشف اللثام عن كثير من الاحداث التاريخية، وأن يوضح للباحثين الحقائق من أقرب طريق، وإن كان المؤلف قد جاء ببعض هذه الحقائق في صورة مذهلة مدهشة لمخالفتها ما اعتاده الناس وتوارثوه في معتقداتهم. ولكن الحق أحق أن يتبع. ولكي تقف بنفسك على صدق هذا القول فما عليك إلاّ أن تقرأ هذه الاحداث التاريخية التي أوردها المؤلف في كتابه واختلفت فيها الروايات مثل ((بعث اُسامة)) و ((وفاة الرسول عليه السلام)) و ((حديث السقيفة))... وغيرها. استطاع المؤلف أن يصل إليها بفضل إفادته من مقارنة النصوص ومعرفة سقيمها من صحيحها في هذه الابحاث الثلاثة. وقس على ذلك ما جاء في سائر أبحاثه خلال هذا السفر الجليل، الذي سيغيّر الكثير من وجه التاريخ الاسلامي. واُحب أن اُذيل هذا التعليق بثلاثة أسئلة: الاول: هل يخطئ الصحابي الجليل؟ الثاني: هل يجوز نقد الصحابي الجليل؟ الثالث: هل يجوز تكفير الصحابي الجليل أو اتهامه بالنفاق؟ أما إجابتنا على السؤالين الاوّل والثاني فنعم. وأما الثالث فلا. وليست ((لا)) هذه من باب الورع الذي لا يقوم على أساس من العلم، وإنما لعلة يقبلها العقل ويرتضيها المنطق. وذلك لان الكفر الخفي أو النفاق من باب ((أفعال القلوب)) التي لا يعلمها إلاّاللّه؛ لذلك نمسك عنه القلم لاننا لا نستطيع إدخاله تحت ((التجربة العلمية)) لخفاء أمره علينا، وهو من اختصاصات علاّ م الغيوب سبحانه. ذلك ما يقره ((المنهج الحديث)) الذي وضعنا اُسسه واتبعنا ناموسه في سائر مؤلفاتنا. * * * وأخيراً يسرني ـ باسم العلم ـ أن اُعلن إعجابي بهذا السفر الجليل ولصاحبه العلامة المحقق السيد مرتضى العسكري، كما يسرني بهذه المناسبة أن اُنوّه عن الجهد العظيم الذي بذله السيد مرتضى الرضوي الكشميري الذي أعان القُرّاء والباحثين على إخراج هذا السفر إلى حيّز الوجود(2) في هذه الصورة الجميلة من الطباعة الدقيقة. وهو بنشره هذا البحث القيّم قدم للعالم الاسلامي خدمة عظيمة سيكون لها أكبر الاثر في تقويم الحقائق التاريخية في الاسلام.
الدكتور حامد حفني داود القاهرة: أول جمادى الاُولى 1381 ه 12 ـ اكتوبر 1961 م.
ج ـ مقالات لمجلة الازهر الشريف(3) أهمّ ما جاء فيهما قوله: ((أمّا أصحاب رسول اللّه فلندع خلافاتهم التي قد مضى عليها أربعة عشر قرناً، وقد افضوا جميعاً إلى ربهم ...))(4). تعليقنا على هذا: أولاً: إنّ دراستنا المقارنة لاحاديث سيف فرضت علينا ذلك، فإنّ أحاديثه في كتاب (عبداللّه بن سبأ) كانت كالاُسطورة السبئية نفسها تدور غالباً حول خلافات أصحاب رسول اللّه، فكان لا بدّ لنا من متابعته هناك كما تابعناه في كتاب (خمسون ومائة صحابي مُختلق)، ودار الحديث فيه غالباً حول الفتوح تبعاً له، إذاً فدراستنا المقارنة هي التي تفرض علينا ـ أحياناً ـ الحديث عن مواضيع يهتمّ العلماء بإغفالها وإسدال الستار عليها، ويثير شجونهم البحث والتحقيق فيها، كراهية منهم لما وقع، ونحن ـ أيضاً ـ نكره ما وقع كما يكرهون، ويثير شجوننا حديثه والتفكير فيه كذلك، ولكن ماذا نصنع حين لم يخلق اللّه أصحاب النبي ملائكة ليتخلّوا عن غرائز البشر؟! بل كانوا كسائر البشر على درجات متفاوتة من الايمان والتثبّت. أجرى النبي الحدّ على بعضهم، ونزلت في بعضهم آيات الافك، وفي بعضهم آيات النفاق، ومع كلّ هذا لا نعلم كيف يسوغ لنا أن نترك أصحاب النبي وخلافاتهم وهم طريقنا إلى رسول اللّه في أخذ أحكام الاسلام وعقائده، وهل يستلزم احترام أصحاب النبي لصحبتهم له وجهادهم في سبيل الاسلام منع البحث والتحقيق، وسدّ باب العلم باسم الدين والاسلام ـ كما أغلقنا باب الاجتهاد قروناً طويلة ـ؟ اللّهمّ إنّا لا نقرّ ذلك، بل نخوض البحث والتحقيق للاسلام وباسم الدين وللعمل به. ثانيا ً: ليتنا نعلم أنّ ما يُظهره العلماء قديماً وحديثاً من الغيرة على كرامة أصحاب النبي هل تشملهم جميعاً؟ سواء منهم المعدم والامير، وإكباراً لشرف صحبة النبي فيهم، أم أنها تخصُّ ذوي الجاه والسلطة منهم، واحتراماً منهم ـ من حيث يشعرون أو لا يشعرون ـ لمركز القدرة والسلطة في بعضهم فحسب؟ الّذي يثبت للمتتبّع النقيد هو الاخير، فإنّك مثلاً إذا رجعت إلى الطبري(5) في حوادث سنة 30 ه من تاريخه وجدته يقول: ((وفي هذه السنة أعني سنة ثلاثين كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة وقد ذكر في سبب ذلك اُمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها، فأمّا العاذرون معاوية في ذلك فإنّهم ذكروا في ذلك قصّة كتب إليَّ بها السرّيُّ يذكر أنَّ شُعيباً حدَّثه سيف ...)) الحديث. وإذا رجعت إلى ابن الاثير في تاريخه الكامل(6) وجدته يقول: ((وفي هذه السنة كان ما ذكر من أمر أبي ذر وإشخاص معاوية إيّاه من الشام إلى المدينة وقد ذكر في سبب ذلك اُمورٌ كثيرة من سبّ معاوية إيّاه وتهديده بالقتل وحمله إلى المدينة من الشام بغير وِطاء ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع لا يصلح النقل به ...)). فالطبري هنا حين كره ذكر كثير من الاُمور التي جرت بين أبي ذر ومعاوية لم يترك ذكرها بالمرّة، وإنّما اختار ذكر حديث سيف الذي يرويه ((العاذرون معاوية)) مع ما فيه من حطّ لكرامة الصحابي أبي ذر، وتنقيص لدينه، وتسخيف لعقله، وافتراء عليه في عمله، مع ضعف سنده(7)، ومخالفته للاخبار الكثيرة الصحيحة لانّ فيها عذر معاوية، وهكذا ضَحّى إمام المؤرّخين الطبري بكرامة الصحابي الفقير في سبيل الحفاظ على كرامة معاوية الامير ، وكذلك فعل ابن الاثير، وابن كثير، وابن خلدون(8) إلى غيرهم، وإلى عصرنا الحاضر، ولذلك راج تاريخ الطبري، ونبه اسمه أكثر من غيره، وهكذا انتشرت أحاديث سيف المتهم بالزندقة. إذاً فهؤلاء العلماء وغيرهم إنّما يهُمُّهم الحفاظ على كرامة أصحاب الجاه والسلطة كـ: * ـ معاوية بن أبي سفيان الذي اعتبره الرسول من المؤلّفة قلوبهم(9) مع أبيه، ودعا عليه بقوله: ((لا أشبع اللّه بطنه))(10) لانّه ولي السلطة. * ـ وعبداللّه بن سعد بن أبي سرح الذي اسلم وكتب للرسول ثم ارتدّ وافترى على الرسول والقرآن فأهدر النبي دمه يوم فتح مكة، لانه ولي الامرة على مصر(11). * ـ والوليد أخي الخليفة عثمان الذي نزلت في حقه: (إن جاءكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصيبوا قوماً بجهالَةٍ فتُصبِحوا على ما فَعَلْتُم نادِمين)(12). لانه ولي الكوفة. * ـ ومَروان بن الحكم الذي طرده الرسول مع أبيه إلى الطائف لانّه ولي الحكم(13). إنّ هؤلاء ونُظراءهم من سادة قريش ومن أفراد الاُسر الحاكمة وممّن ولي السلطة والامرة يجب المحافظة على كرامتهم، أمّا نُظراء أبي ذر الغفاري الصحابي الزاهد الفقير، وعمار بن ياسر الصحابي الورع، ابن الامة سميّة، والصحابي البرّ عبدالرحمن بن عُدَيس البَلَويّ من أصحاب بيعة الشجرة الذين نزلت فيهم: (لقد رضي اللّه عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السّكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً) (14)، والصحابيين زيد وصَعصعة ابني صوحان العبدي، إلى عشرات من أمثالهم من أبرار الصحابة وأخيار التابعين من غير السادة الاُمراء من قريش؛ لندع سيف بن عمر يطعن فيهم، ويختلق يهودياً من صَنعاء اليمن يزعم أنّه جمعهم حول نفسه وكوّن منهم السبئية وتآمر معهم على بني اُمية أصحاب السلطة والجاه!!! * * * انتشرت نظائر هذه الاساطير التي وضعها مختلقوها للدفاع عن ذوي السلطة والجاه، والحطّ من كرامة مُعارضيهم، وراجت على مرّ العصور حتى أصبحت من الحقائق التاريخية التي لا يتطرَّق الشكُّ إليها، ويرى العلماء من الدين المحافظة عليها، وهذا ما حدا العلماء أن يحجروا البحث حول الصحابة، إذاً فما وَسَموه باسم الدين يُقصد منه المحافظة على أصحاب السلطة. أمّا المستضعفون من الصحابة والتابعين الابرار فلا يستأثرون باهتمام العلماء إذا لم يكونوا ممّن تابعوا السلطة وشايعوها، رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين. وأخيراً يشهد اللّه أنّ الذي حداني إلى هذه الدراسات: أني كنت منذ الصغر توّاقاً إلى معرفة حياة الرسول والذين كانوا معه، وإلى معرفة الاسلام. كيف بُدئ، كيف انتشر، كيف انحسر، انفقت جلّ عمري في هذا السبيل، ثم نشرت نتيجة دراساتي تباعاً بقصد المساهمة في الوصول إلى معرفة ما وقع في ذلك العصر، وعساني أن أتلقى من الباحثين توجيهاً وتسديداً فيما أنا بصدده مع ثقتي بنفسي أني لست أقل حباً وتقديراً لاصحاب النبي من المتظاهرين بذلك إلاّ من ثبت تاريخياً نفاقهم. غير أني أعي الفرق بين احترام الصحابي وعبادته، وأرى أن هؤلاء العلماء قد جرّهم احترام الصحابة إلى حدّ التقديس والتعبّد، وأصبح بعضهم ـ والعياذ باللّه ـ من زُمرة عُبّاد السلف الصالح من حيث لا يشعرون، نسأل اللّه أن يَعصِمنا وإيّاهم وجميع المسلمين من ذلك. ولعلّنا نختلف وإيّاهم في تحديد الانسان الخيّر، فإنّا حين نحترم الصحابي الخيّر لا يعني ذلك أنّا نُنكر وجود الغرائز الانسانية وآثارها فيه، بينما هم يرون ـ من حيث لا يشعرون ـ أنّ الانسان الخيّر من انعدمت نوازعُ الشرّ في وجوده. ولما كانوا يعدُّون صحابياً كلّ من رأى النبي مُسلماً ولو ساعة من نهار(15)، والصحابيُّ الخيّر عندهم كالمَلَك خَيّر بطبيعته قد عَدِمَ نوازع الشرّ. لهذا لا يرضون أن يسمعوا غير ذلك. ونتيجة لهذا الفهم وقعوا في مفارقات عجيبة لا مجال لبحثها هاهنا. وختاماً أرجو من النُقّاد أن يقرأوا في مقدّمة الطبعة الاُولى: ((ينبغي لمن يؤمن بالتاريخ المدوّن إيمان العجائر بخرافاتها التقليدية أن لا يقرأ هذا الكتاب)). * * * د ـ نُقود اُخرى تناولت تسمية الكتاب بـ (عبداللّه بن سبأ) مع أنّ الحديث عن غيره في الكتاب أكثر. هذا تساؤل أجبنا عنه في مقدّمة الطبعة الاُولى، ثم إنّ ما ورد على الغلاف في طبعات الكتاب المختلفة: ((عبداللّه بن سبأ)) و ((قصص اُخرى)) أو ((أساطير اُخرى)) ، فيه تصريح بأنّ الكتاب يبحث عن قصة عبداللّه بن سبأ مع قصص اُخرى، وقلنا في مقدمة الطبعة الاُولى: ((سوف يرى القارئ أنّ البحث لا يقتصر فيه على (عبداللّه بن سبأ) وقصصه وحدها وإنما هو أوسع من ذلك...)) ولا نعلم كيف خفي ذلك على الكتّاب؟ ه ـ نقد علمي نزيه، أو أسئلة أثارها الدكتور إحسان عباس، نشرناها مع جوابها في الملحق بآخر الكتاب، وما توفيقي إلاّ باللّه عليه توكلتُ وإليه أُنيب. تم تحريره في الساعة الثامنة بعد الغروب من عشية يوم عيد الاضحى المبارك ـ الاثنين 10 ذي الحجة 1387 ه ـ بمضارب الحجيج بمنى، أعاد اللّه أمثال هذا العيد على المسلمين وهم أقرب إلى تحصيل رضاه بتنفيذ أحكام القرآن ليغيّر اللّه ما بهم و (إنّ اللّه لا يُغيِّر ما بقومٍ حتّى يُغيِّروا ما بأنفسهم)(16) صدق اللّه العليُّ العظيم.
مرتضى العسكري
مقدمة الطبعة الاُولى
في سنة 1369 ه بينما كنت اُراجع قسماً من المصادر الاسلامية، جرياً وراء مواضيع كنت أبحث عنها، رابني ما وجدت في بعض الروايات الواردة في أشهر الكتب التاريخية القديمة وأكثرها انتشاراً؛ من ظواهر تدل على أنها مدسوسة وموضوعة، فأخذت أجمع تلك الروايات المريبة واُقارن بينها وبين غيرها، وإذا بي أهتدي إلى حقيقة كان التاريخ قد نسيها فانطوت في أثنائه وضاعت في تيّاراته، ولمّا تجمّع لديَّ من تلك الروايات عدد كبير يصلح لان يكون كتاباً مستقلاً بنفسه رأيت من الواجب الادبي أن أشهر تلك الحقيقة المجهولة فبَوّبت مذكراتي وقَسَّمتُها إلى فصول، وسمَّيتها: (أحاديث سيف) ثم اطّلع عليها فقيد العلم والدين الحجة الشيخ راضي آل ياسين مؤلف كتاب صلح الحسن (ع) طاب ثراه فشجّعني على المضي في بحثي وارتأى أن اُسميها (عبداللّه بن سبأ) فأجبته إلى ذلك، ثم بقيت تلك المذكرات زهاء سبع سنين مطوية لم يطّلع عليها إلاّ القليل من إخواني العلماء، وكان يمنعني من نشرها تهيّب إثارة العواطف في الشرق المسلم، لان البحث في تلك المذكرات كان يدور حول التاريخ المدوّن عن الحوادث الاسلامية منذ وفاة الرسول (ص) حتى سنة 36 ه . وكان التاريخ المدوّن قد جعل عُرضَةً لحوادث تلك الحقبة من الزمن شيئاً واقعياً لا يمكن النقاش فيه، فكانت الجماهير المسلمة ترى فيه ما يتصل بصميم العقائد الدينية التي يجب أن يتلقّاه الخلف عن السلف الصالح دون شك وارتياب، كما وإن البحث كان يهدم كثيراً من اُسس بنى عليها أساتذة التاريخ مبانٍ لا تقبل النقض والابرام، ويكشف عن زيف كثير من القصص الاسلامية وضعف كثير من المصادر التاريخية الوثيقة. ولذلك ينبغي لمن يؤمن بالتاريخ المدوّن إيمان العجائز بخرافاتها التقليدية أن لا يقرأ هذا الكتاب، وسوف يرى القارئ أن البحث لا يقتصر فيه على (عبداللّه بن سبأ) وقصصه وحدها، وإنما هو أوسع من ذلك وأعمق بكثير. لهذا السبب ولغيره كنت أتهيّب نشر هذا الكتاب، حتى إذا ما قرأت لعلمين من كبار العلماء(17) الباحثين مواضيع تطرقوا فيها إلى نشر بعض ما كنت أتهيب نشره أقدمت على نشر أبحاثي هذه مستنداً فيها إلى أقدم المصادر التاريخية، إذ لم أنقل عمن جاء بعد الخمسمائة للهجرة إلاّ ما كان فيه زيادة بيان أو ترجمة إنسان، وللّه الحمد والشكر ومنه التوفيق.
15 شهر رمضان 1375 ه . مرتضى العسكري
عبداللّه بن سبأ و الاُسطورة السَّبَئيَّة
* الاُسطورة السبئية كما تخيَّلها مختلقها. * منشأها. * مختلقها. * سلسلة رواتها.
الاُسطورَةُ السَّبَئيَّة
كَما تَخَيَّلَها مُخْتَلِقُها
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
منذ ألف سنة والمؤرّخون يكتبون عن ابن سبأ الاوّل كثيراً، وينسبون إليه وإلى السّبئيين ـ أتباعه ـ أعمالاً مُدهشة خطيرة. فمن هو ابن سبأ؟ ومن هم السَبئيّون؟ وما هي دعاواه؟ وما هي أهمُّ أعماله؟ يتلخّص ما زعموا: بأنّ يهودياً من صنعاء اليمن أظهر الاسلام في عصر عثمان واندسَّ بين المسلمين وأخذ يتنقّل في حواضرهم وعواصم بلادهم: الشام، والكوفة، والبصرة، ومصر، مُبشّراً بأنّ للنبيّ محمد (ص) رجعة، كما أنّ لعيسى بن مريم رجعة، وأنّ علياً هو وصيُّ محمد (ص) كما كان لكلّ نبيٍّ وصيُّ، وأنّ عليّاً خاتم الاوصياء كما كان محمد (ص) خاتم الانبياء. وأنّ عثمان غاصب حق هذا الوصيّ وظالمه فيجب مناهضته لارجاع الحقّ إلى أهله. وسمّوا بطل قصّتهم (عبداللّه بن سبأ) ولقّبوه بـ (ابن الامة السوداء) وزعموا أن (عبداللّه بن سبأ) هذا بثّ في البلاد الاسلامية دُعاته وأشار عليهم أن يُظهروا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. والطّعن في الاُمراء. فمال إليه وتبعه على ذلك جماعات من المسلمين، فيهم الصحابي الكبير والتابعي الصالح، من أمثال أبي ذر، وعمار بن ياسر، ومحمد بن أبي حذيفة، وعبدالرحمن بن عديس، ومحمد بن أبي بكر، وصعصعة بن صوحان العبدي، ومالك الاشتر، وغيرهم من أبرار المسلمين وأخيارهم. وزعموا: أنّ السبئيين أينما كانوا أخذوا يثيرون الناس على وُلاتهم ـ تنفيذاً لخُطّة زعيمهم ـ ويضعون كتباً في عيوب الاُمراء، ويُرسلونها إلى غير مِصرهم من الامصار فَنَتَج من ذلك قيام جماعات من المسلمين بتحريض السبئيين، وقدومهم إلى المدينة، وحصرهم عثمان في داره حتى قُتل فيها. وأنّ كلّ ذلك كان بقيادة السبئيين ومباشرتهم. وزعموا: أن المسلمين بعد أن بايعوا عليّاً وخرج طلحة(18) والزبير(19) إلى البصرة لحرب الجمل رأى السبئيون أنّ رؤساء الجيشين أخذوا يتفاهمون، وأنّهم إن تمّ ذلك سيؤخذون بدم عثمان، فاجتمعوا ليلاً وقرّروا أن يندسّوا بين الجيشين ويثيروا الحرب بكرة دون علم غيرهم، وأنهم استطاعوا أن ينفّذوا هذا القرار الخطير في غلس اللّيل قبل أن ينتبه الجيشان المتقابلان. فناوش المندسّون من السبئيين في جيش عليّ من كان بإزائهم من جيش البصرة، والمندسّون منهم في جيش البصرة من كان بإزائهم في جيش علي ففزع الجيشان، وفزع رؤساؤهما وظنّ كلّ بخصمه شرّاً. وزعموا: أنّ حرب البصرة المشهورة بحرب الجمل وقعت هكذا دون أن يكون لرؤساء الجيشين فيها رأي أو علم! إلى هنا ينتهي هذا القاصّ من نقل قصّة السبئيين ولا يذكر بعد ذلك عن مصيرهم شيئاً. لكي يتّضح لنا مدى انسجام هذه التهمة مع الشخصيات التي افترضوا فيها أنّهم أتباع ابن سبأ ونسبوا إليهم القيام بأدوار مهمة في الاُسطورة السبئية ينبغي لنا أن نتعرّف عليهم أولاً ثم ندرس منشأ الاُسطورة ومبدأ اختلاقها. فمن هم السبئيّون؟
كبار السبئيّين: أ ـ أبو ذر، ب ـ عمار بن ياسر، ج ـ محمد بن أبي حذيفة، د ـ عبدالرّحمن بن عديس، ه ـ محمد بن أبي بكر، و ـ صعصعة بن صوحان، ز ـ مالك الاشتر، فمن هؤلاء؟ أ ـ أبو ذرّ جُندب بن جنادة الغفاري، كان رابع أربعة سبقوا إلى الاسلام، وكان من المتألّهين في الجاهلية والذين عبدوا اللّه وتركوا الاصنام. ولما أسلم أجهر بإسلامه في البيت الحرام بمكّة فضربه رجال من قريش حتى ضرّجوه بدمه وأُغمي عليه فتركوه ظناً منهم أنّه قد مات. ثم رجع إلى بلاده بعد أن قال له الرسول: إرجع إلى أهلك حتى يأتيك خبري وأقام بها حتى مضت بدر واُحد فقدم إلى النبي (ص) في المدينة، ثم سُيّر إلى الشام بعد وفاة النبي (ص) ومكث هناك حتى شكاه معاوية إلى الخليفة عثمان بن عفّان، فاستقدمه الخليفة وعنّفه ونفاه إلى الرّبذة ـ بين مكة والمدينة ـ وتوفّي بها سنة 32 ه . وقد ورد عن الرسول أحاديث كثيرة في مدحه منها قوله (ص): ((ما اظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذرّ))(20). ب ـ أبو اليقظان عَمّار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحُصّين ابن الوذيم من بني ثعلبة. واُمّه سميّة. وكان حليفاً لبني مخزوم. وكان هو ووالداه من السّابقين إلى الاسلام وهو سابع سبعة أجهروا بإسلامهم. وقد تُوفّي والداه إثر تعذيب قريش إيّاهما على إسلامهما. وقد ورد عن الرسول (ص) أحاديث صحيحة في مدحه، منها قوله (ص): ((إنّ عماراً مُلئ إيماناً إلى مُشاشِه))، وكان مع عليّ في حرب الجمل وصفّين وقتل بصفّين مساء الخميس 9 صفر سنة 37 ه وله من العمر 93 سنة(21). ج ـ أبو القاسم محمد بن أبي حُذيفة بن عُتبة بن رَبيعة بن عبد شمس بن عبد مناف العبشمي، واُمه سهلة بنت سهيل بن عمرو العامريّة، ولد بأرض الحبشة على عهد رسول اللّه (ص). ولما استشهد أبوه، أبو حذيفة، باليمامة ضمّ عثمان ابنه محمداً هذا إليه وربّاه فلما كبر واستخلف عثمان استأذنه في التوجّه إلى مصر فأذن له، وكان من أشدّ الناس تأليباً عليه. ولما ذهب عبداللّه بن سعد بن أبي سرح سنة 35 ه إلى المدينة وأناب عُقبة بن عامر على مصر، وثب محمد بن أبي حذيفة عليه، وأخرجه من مصر، فبايعه أهل مصر بالامارة ومنعوا عبداللّه بن أبي سرح من الرجوع إلى مصر. فأرسل محمد عبدالرحمن بن عديس على رأس 600 مقاتل إلى المدينة لقتال عثمان. ولما ولي علي الخلافة ولّى محمد بن أبي حذيفة على مصر، وأبقاه على إمارته حتى سار معاوية إليه عند مسيره إلى صفّين، فخرج إليه محمد ومنعه من دخول الفُسطاط(22) فتصالحوا على أن يخرج محمد بن أبي حذيفة ومَن معه آمنين، فخرج محمد بن أبي حذيفة و 30 رجلاً فيهم عبدالرحمن بن عديس فغدر بهم معاوية وحبسه في سجن دمشق، ثم قتله رشدين مولى معاوية. وكان محمد بن أبي حذيفة ممن أدرك صحبة الرسول(23). د ـ عبدالرحمن بن عُدَيس البلويّ. كان ممن بايع النبي تحت الشجرة وشهد فتح مصر واختَطَّ بها وكان رئيساً على من سار إلى عثمان من مصر. وقد سجنه معاوية بفلسطين بعد أن غدر به وبمحمد بن أبي حذيفة بعد المُهادنة ثمّ قتله سنة 36 ه بعد أن فرّ من السّجن(24). فقال لقاتله ويحك اتّق اللّه في دمي فإنّي من أصحاب بيعة الشجرة، فقال: إنّ الشجر بالخليل كثير، قصد عبدالرحمن أنّه ممن بايع الرسول تحت الشجرة فنزلت فيهم (لقد رضي اللّه عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) (الفتح / 18) وقصد القاتل الاستهزاء به وقال إنّ الشجر بمدينة الخليل كثير، وهي مدينة قريبة من القدس الشريف. ه ـ محمد بن أبي بكر واُمّه أسماء بنت عُمَيس الخثعميّة. تزوّجها أبو بكر بعد استشهاد جعفر بن أبي طالب فولدت له محمّداً في حجة الوداع بطريق مكة. ثم نشأ في حِجر علي بعد أبيه وشهد معه حرب الجمل وكان على الرجّالة وشهد معه صفّين، ثمّ ولاّه مصر فدخلها في 15 رمضان سنة 37 ه . فجهّز معاوية جيشاً بقيادة عمرو بن العاص لفتح مصر فتغلّب عمرو عليه سنة 38 ه . وقتله معاوية بن خديج صبراً، ثم أدخلوا جسده في بطن حمار ميّت وأحرقوه(25). و ـ صَعْصَعة بن صُوحان بن حُجْر بن الهِجرس العَبديّ، أسلم على عهد رسول اللّه (ص). كان خطيباً فصيحاً شهد صفّين مع علي ولما استولى معاوية على الكوفة نفاه إلى البحرين فمات بها(26). ز ـ الاشتر هو مالك بن الحارث بن عبد يَغُوث بن سلمة بن(27) جُذَيمة بن مالك النخعي، أدرك الرسول (ص) وهو من ثقات التابعين وكان رئيس قومه، شهد اليرموك فشترت عينه بها ولُقّب بالاشتر. صحب علياً (ع) في الجمل وصفّين وله مواقف شهيرة فيهما. ولاّه عليّ مصر سنة 38 ه . فلمّا وصل إلى القُلزُم(28) دسّ إليه معاوية السُّمَّ بالعسل وتوفّي مُتأثّراً بالسُّمّ(29). هذه هي اُسطورة ابن سبأ بإيجاز، وهؤلاء هم السبئيّون إلى مئات غيرهم من أبرار المسلمين(30) صحابة وتابعين ونظراءهم. فما هو منشأ هذه الاسطورة؟
الهوامش
q1 انظر مقدمة كتاب ((مع أحمد أمين)) للدكتور حامد حفني داود. q2 كتب الدكتور حامد هذه التعليقة على الطبعة المصرية من الكتاب. q3 المقال الاول نقد الكتاب في طبعته النجفية الاولى، ص 1150 ـ 1151 من المجلد 32 باب الكتب من ج 10 سنة 1380 ه ، والثاني نقده في طبعته المصرية الثانية ص 760 ـ 761 من المجلد 33 ج 6 سنة 1381 ه . q4 جاءت هذه الجملة في آخر المقال الاول، وكل ما في المقالين شرح وتفصيل لها، وكتب بدافع منها. q5 الطبري ط. أوربا تسلسل 1 / 2858. q6 الكامل في التاريخ 3 / 88. ط. أوربا. q7 غير خاف على عالم كالطبري إجماع علماء الحديث وتراجم الرجال على تضعيف سيف، ونعته بالكذب، واتهامه بالزندقة، راجع فيما يأتي: فصل ترجمة سيف بن عمر. q8 راجع فصل منشأ الاُسطورة من هذا الكتاب. q9 أجمعت السير على أن الرسول تآلفهم على الاسلام بعد فتح حُنين. q10 راجع صحيح مسلم، باب ((من سبَّه النبي أو لعنه)). q11 راجع ترجمته فيما يأتي. q12 الحُجُرات الاية 6، وراجع تفسير الاية في كتب التفسير. q13 راجع ترجمته وترجمة سائر المذكورين في هذا الكتاب، فصل الاسطورة السبئية وما بعده. q14 الفتح / 18. q15 راجع مقدمة الاصابة لابن حجر. q16 سورة الرعد الاية 11. q17 هما كل من العلاّمة الجليل الشيخ الاميني تغمده اللّه برحمته في موسوعته (الغدير) والدكتور طه حسين في كتابه (الفتنة الكبرى). q18 أبو محمد طلحة بن عبيداللّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، واُمه الصعبة بنت الحضرمي امرأة من أهل اليمن، وهي اُخت العلاء بن الحضرمي. شهد اُحداً فَشُلَّت اصبعه بها. وقد آخى النبي بينه وبين الزبير وكان من أشدّ المؤلّبين على عثمان. فلما قتل عثمان سبق إلى بيعة علي بن أبي طالب، ثم خرج إلى البصرة مطالباً بدم عثمان. ورآه مروان بن الحكم يوم الجمل فقال: لا أطلب بثأري بعد اليوم. فرماه بسهم قتل منه في سنة 36 ه . طبقات ابن سعد. 3 ق 1 / 156و 159، والاصابة حرف الطاء القسم الاول 3 / 220، والمسعودي في مروج الذهب 2 / 11، وتهذيب ابن عساكر 7 / 84، وتاريخ ابن كثير 7 / 2247، وأنساب الاشراف للبلاذري 5 / 44 ـ 90، والرياض النضرة 2 / 258، والعقد الفريد 3 / 92 و 96 و 98 ـ 109. q19 أبو عبداللّه الزبير بن العوام بن خويلد بن اُسد بن عبد العزّى بن كلاب القرشي الاسدي. أسلم بمكة وعمره 12 أو 8 سنوات. وكان ممن خالفوا عثمان. ولما قتل عثمان بادر إلى بيعة علي ثم خرج إلى البصرة مطالباً بثأر عثمان. ولما تقابل الجيشان طلبه علي وقال له: أتذكر قول الرسول: ((ستقاتل علياً وأنت له ظالم)) فترك الحرب وانصرف، فتبعه عمرو بن جُرموز التميمي وقتله غيلة في سنة 36 ه وله ست أو سبع وستون سنة. راجع الطبري وابن الاثير، حوادث سنة 36 ه ، وطبقات ابن سعد 3 ق 1 / 77 والاصابة حرف الزاي 1 / 526، والصواعق المحرقة آخر الباب الثامن في ذكر الخلافة، وكنز العمال كتاب الفتن في ذكر الجمل، والعقد الفريد 3 / 92 و 96 و 98 ـ 109 في ذكره واقعة الجمل، ومسند أحمد 1 / 165 ومروج الذهب 2 / 5 ـ 11، واليعقوبي 2 / 54 ـ 159، وشرح ابن أبي الحديد 1 / 75ـ85. q20 راجع ترجمة أبي ذر في طبقات ابن سعد 4 ق / 1 / 161 ـ 171، ومسند أحمد 2 / 163 و 175 و 223 و 5 / 147 و 155 و 159 و 165 و 166 و 172 و 174 و 351 و 356 و 6 / 442، والمستدرك (3 / 342) تأليف الحاكم. وصحيح البخاري باب مناقب أبي ذر من كتاب المناقب، وصحيح الترمذي، وصحيح مسلم كتاب المناقب، وسنن ابن ماجة باب 1 من المقدمة، ومسند الطيالسي الحديث 458. والطبري وابن الاثير في ذكر غزوة تبوك، وترجمته من الاستيعاب والاصابة واسد الغابة. q21 راجع مروج الذهب للمسعودي 2 / 21 و 22، والطبري وابن الاثير وابن كثير في ذكر حوادث سنة 36 ـ 37 ه ، وانساب الاشراف للبلاذري 5 / 48 ـ 88، وطبقات ابن سعد 3 ق 1 / 176 ـ 189، ومسند أحمد 1 / 99 و 123 و 125 و 130 و 137 و 404 و 2 / 161 و 164 و 206 و 3 / 5 و 22 و 28 و 90 و 4 / 76 و 89 و 90 و 197 و 198 و 319 و 5 / 214 و 306 و 6 / 289 و 300 و 311 و 315 و 450، وصحيح البخاري، كتاب الجهاد باب 17 من شرح القسطلاني، وصحيح مسلم في كتاب الفتن، وسنن ابن ماجة في الباب 11 من المقدمة، وسنن الترمذي في الباب 33 من كتاب المناقب، ومسند الطيالسي الحديث 117 و 603 و 643 و 649 و 1156 و 1598 و 2168 و 2202، والاستيعاب حرف العين 2 / 469، والاصابة بترجمته 2 / 505. q22 الفسطاط: مدينة بمصر بناها عمرو بن العاص بعد فتح مصر. q23 راجع الطبري وابن الاثير وابن كثير في ذكر حوادث سنة 30 ـ 36 ه ، والاصابة حرف الميم 3 ق 1 / 353، والاستيعاب 3 / 321 ـ 322. q24 راجع الطبري وابن الاثير في حوادث سنة 30 ـ 36 ه ، والاصابة حرف العين. 4 ق 1 / 403، واسد الغابة 3 / 309. q25 راجع الطبري وابن الاثير وابن كثير في ذكر حوادث سنة 37 ه ، والاصابة حرف الميم 3 ق 2 / 451، والاستيعاب 3 / 328 ـ 329. q26 راجع ترجمته في الاستيعاب واُسد الغابة والاصابة، الطبعة المصرية. q27 في جمهرة ابن حزم ص 415: ((سلمة بن ربيعة بن الحارث بن جذيمة)). q28 القلزم من مدن مصر القديمة على ساحل البحر الاحمر. q29 راجع حوادث سنة 38 ه في الطبري 6 / 54، وابن الاثير 3 / 141، وابن كثير 7 / 2312، ولغة بعلبك من معجم البلدان، وترجمته في الاصابة حرف الميم 3 / 459، والاستيعاب في ترجمة محمد بن أبي بكر 3 / 328، ومروج الذهب 6 / 29 باب ذكر حروبه (رض) مع أهل النهروان. q30 سيأتي في فصول هذا الكتاب والكتاب الذي يليه خمسون ومائة صحابي مختلق ان الذي وضع هذه الاسطورة شخص متهم بالزندقة وترى أنّه استطاع فيما وضع ان يوجه الطعن إلى ابرار المسلمين مدى القرون. |