|
الاهداء
إلى الطليعة المؤمنة من شبابنا الصاعد، حاملي مشعل الاُمّة، وأمل الغد المشرق. لكم أهدي هذه البحوث التي تتصل بعقيدتكم وأدعوه سبحانه أن يسدد خطاكم لمتابعة مسيرتنا الظافرة من أجل تطبيق حكم القرآن في وطننا الاسلامي الكبير.
المؤلف
وَفَاء وَذِكرَى
تبودلت خلال عشر سنوات كتب كثيرة بيني وبين عالم مصر الباحث، وفقيدها الراحل الشيخ محمود أبو ريّة، نشر هو رحمه اللّه اثنين من رسائلي إليه في كتابه: (أضواء على السنَّة المحمَّديّة)(1). وأُسجِّل هنا أمام هذا الكتاب اثنين من رسائله اليَّ وفاء له، وذكرى لمرور عام على وفاته، تغمده اللّه برحمته وأسكنه فسيح جنَّته.
بسم اللّه الرحمن الرحيم
حضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الجليل الشيخ مرتضى العسكري من كبار علماء النجف الاشرف ـ بالعراق سلام اللّه عليكم ورحمته وبركاته وبعد: فقد جرى حديث بين جمع من العلماء الاحرار وجاء ذكر العلماء المتحررين وتآليفهم التي تنفع المسلمين، فذكر بعضهم أن سيادتكم ألّفتم كتابا قيّما عن (عبداللّه بن سبأ) ذكرتم فيه حقائق لم يهتد أحد قبلكم إليها، وصرّحتم بآراء لا يستطيع مقلد جامد أن يجهر بها، فحبَّب لي ذلك أن أطّلع على هذا المؤلّف النفيس واستخرت اللّه أن أطلبه من سيادتكم ويقيني أنكم ستتفضلون بإرسال نسخة منه. ولسيادتكم أخلص الشكر سلفا. والسلام عليكم ورحمة اللّه. المخلص محمود أبو ريّة مصر الجيزة في 17 من المحرم سنة 1380ه. الموافق 11 / يوليه / سنة 1960 م. * * * كان هذا أول كتاب تلقيته من المغفور له الشيخ أبو رية، وتلقيت منه الكتاب الاتي بعد تلبية طلبه وإرسال الجزء الاول من ((عبداللّه بن سبأ)) إليه.
بسم اللّه الرحمن الرحيم
سيدي الكريم العالم الجليل الاستاذ مرتضى العسكري حفظه اللّه. سلام عليكم ورحمته وبركاته.. وأدعوه تعالى أن تكونوا على خير ما أرجو لكم صحة وعافية ـ وبعد. فإنّي انتهز اليوم هذه الفرصة فأذكر لكم كلمة وجيزة عن مولَّفكم النفيس (عبداللّه بن سبأ) بعد القراءة الاولى لانّي سأعود الى قراءته مرة أخرى فأقول لكم: إنَّ بحثكم في هذا الكتاب كان بحثا أكاديميا لم يطرقه أحد قبلكم، وأنَّي أهنئكم تهنئة صادقة على أنّ اللّه وفقكم للقيام بهذا البحث وهداكم الى الوصول الى هذه الحقائق التي لم يهتد اليها أحد في الاربعة عشر قرنا الماضية، وقد صدّق بحثكم هذا ما قاله بعض علماء أوربا ـ وأظنه (ويلز) ـ من أن التاريخ كله أكاذيب!! وأن هذا لينطبق ـواأسفاهـ على التاريخ الاسلامي الذي أملته الاهواء والعصبيات في كلّ عصر.. حتى أصبح في حاجة الى أن يدرس من جديد دراسة عميقة صحيحة، وإن كتابكم ـ (عبداللّه بن سبأ) ـ (ليعد بحق) المدخل لهذه الدراسة فاحمدوا اللّه على أن ادَّخر ذلك اليكم، واستعينوا باللّه وسيروا في طريقكم ملتزمين هذه السنن، ولا تبالوا أحدا أبدا. وكلُّ ما أرجوه أن تظهروا الحقائق كما تبدوا لكم بعد التمحيص، وأن تتلطفّوا في استخراج النتائج من مقدماتها وتدعوا للقارئ أن يستزيد من فهمها وبخاصة فيما يتصل بأبي بكر وعمر، لان العقول
ما زالت لا تحتمل الحقائق ظاهرة مكشوفة. أختم بأطيب التحية، والسلام عليكم ورحمة اللّه. المخلص محمود أبو ريّة الجيزة 9 شارع قرة بن شريك 20 رجب سنة 1380 ه في 7 يناير 1961 م
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحَمْدُ للّهِ الذي عَلَّم بالْقَلَم عَلَّمَ الانسانَ مَا لَمْ يَعْلَم وَالصَّلاُة عَلى خَاتمِ أنبِيائِه مُحمَّدٍ وآلهِ الطَّاهرين وأصحابِه الميامِينَ
المُقدّمَة
في دراساتي الاولى لاحاديث سيف، ظننت: أنَّ سيف بن عمر يروم ـ في ما يضع من رواية، ويختلق من أسطورة ـ الِدّفاع عن ذوي السّلطة والجاه من الصّحابة، والحطّ من مناوئيهم فحسب. وأنّه في سبيل ذلك قلب الحقائق، وجعل قسما كبيرا من أبرار الصّحابة سخفاء جناة، والمطعونين في دينهم ذوي حجى ودين! وأنّه في سبيل ذلك شوّه معالم التاريخ الاسلامي بما افترى واختلق! وأنّه استطاع أنّ يخفي هدفه وعمله تحت غطاء من نشر مناقب عامّة الصّحابة، وكذلك الِدّفاع عن عامّتهم. وأنَّ حيلته قد انطلت على العلماء مدى العصور، وظنّوا أنّ سيف بن عمر ـ في ما يضع ويختلق ـ يدافع عن عامّة الصّحابة وينشر فضائلهم. فرجّحوا رواياته على روايات غيره مع ما وصفوه بالكذب، ووصفوا رواياته بالوضع، واتّهموه بالزندقة! وأنّه بسبب ذلك راجت رواياته وشاعت، ونسيت روايات أُخرى صحيحة وأهملت حتّى اختفت من مصادر الدراسات الاسلاميّة، وأنَّ ذلك أضّر بالاسلام والمسلمين! فلمّا تبيّن لي كلّ ذلك خلال دراساتي الاُولى حاولت أنّ أكشف عن هذه الحقائق دفاعا عن أبرار الصَّحابة، ووضعا للاُمور في نصابها، وأوردت خلاصات عن بعض أبحاثي في كتاب (عبداللّه بن سبأ) وطبعته عام 1375ه بالنجف الاشرف. ثمَّ تابعت دراساتي عن سيف وأحاديثه، فتبين لي بعد ذلك أنَّ سيف بن عمر لا يهدف الدّفاع عن وجهاء الصّحابة ويخفي هدفه وراع التظاهر بالِدّفاع عن عامّة الصّحابة كما يبديه وَحَسبُ، بل يدفعه إلى ذلك أمران آخران: أولا: يدفعه التعصّب القبلي إلى تمجيد العدنانيين ونشر فضائلهم، ثمَّ الوقيعة في القحطانيين من قبائل اليمن ونشر معايبهم، وبما أنَّ السّلطة كانت في قبائل عدنان مدى خلافة أبي بكر وعمر وعثمان(2) ثمَّ الامويين إلى عصر سيف، وكانت الفئات المعارضة لهم من آل قحطان، لهذا يخيّل للباحث أنّ سيفا يضع الرواية ويختلق الاسطورة للِدّفاع عن أصحاب السلطة والحطّ من مناوئيهم، بينما هو يعمل ما يعمل بدافع التعصّب القبلي لعامّة عدنان ضدّ عامّة قحطان. ثانيا: تدفعه الزندقة إلى تشويش معالم التاريخ الاسلامي، وتشويه حقائقه، ولذلك صحّف أسماء كثيرة وحرّف أخبارها، وغيّر سِنيّ الحوادث التاريخية، واختلق الاساطير وقلب الحقائق، ودسَّ الخرافاتَ في عقائد المسلمين إلى غير ذلك ممّا فعل! ولعلَّ الاهم من كلّ ذلك أنّ الزندقة دفعته إلى إبرازه الجيوش الاسلاميّة في فتوحها قاسية متوحّشة، وإظهار حروبها حروب إبادة للبشرية، ومن هنا زعم بعضهم أنَّ الاسلام انتشر بالسيف والدَّم. وعندما أدركت ذلك أخذت أشير إلى أهدافه في ما استدركته على كتاب (عبداللّه بن سبأ) في طبعته الثّالثة ببيروت، وفي ما نشرته من أبحاث في كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق). ثمَّ جمعت من أبحاثي عن سيف ما يكشف عن واقعة المذكور آنفا، وجعلته قسما ثانيا لكتاب (عبداللّه بن سبأ) وهو هذا الكتاب. وختمته ببحث وافٍ عن (عبداللّه بن سبأ) و(السبئية) و(ابن السّوداء) وهي ممّا صحّف فيها سيف وحرّف، ومنه أخذ المؤرّخون ما نقلوه في كتبهم ، ثمَّ تناقلت الالسن أخبارها فكثّرتها وطوَّرتها، ثمَّ أخذ أهل الملل والنّحل وغيرهم من أفواه النّاس ما تقوّلوه في تلكم الاسْماء على مرّ السنين، وخفي على الباحثين هذا التطوّر والتكاثر. وقد قصدت ـ في كلّ ما بحثت ـ إنارة السبيل أمام الباحثين عن حقائق التاريخ الاسلامي، وكشف ما وقع فيه، وما وقع في الاحاديث الشريفة من زيف وتضليل. ورجاء أنّ ينبّه ذلك العلماء إلى ضرورة قيام جماعة منهم بتدارس روايات السيرة والتاريخ الاسلامي وعقد القواعد لذلك. وعسى أنّ يوفّق بعض حماة الاسلام من علماء المسلمين إلى ذلك ثمّ القيام بنشر نتيجة دراساتهم على المسلمين. * * * دفعني كل ذلك إلى القيام بهذه الدراسات المضنية في سنوات طويلة، وتجشّمت في سبيل ذلك مصاعب جمّة من آلمها على القلب ازورار نفوس كريمة عليّ ظنّا منهم أنّ ذلك غيرة منهم على وحدة الصف. وليتهم شعروا أنّ في إخفاء الحقائق وأداً للعلم والدين، وإنّا للّه وإنّا إليه راجعون، والحمد للّه الذي لا يحمد على مكروه سواه.
إنتِشارُ الاسْلام بالسَّيف وَالدَم
في حَديثِ سَيْف
انتشَارُ الاسْلام بالسَّيْف وَالدَّم في حَديْثِ سَيْف
أـ تهويلات في حروب الردة: 1 ـ أبرق الربذة. 2 ـ ردّة طي. 3 ـ ردّة اُم زمل. 4 ـ ردَّة أهل عمان ومهرة. ب ـ فتوحات موهومة: 1 ـ وقعة ذات السّلاسل. 2 ـ وقعة الثني أو المذار. 3 ـ يوم الولجة. 4 ـ وقعة أُلَّيْسَ. 5 ـ وقعة أمِغيشَيَا. 6 ـ يوم المقر وفم فرات بادَقلَى. 7 ـ ما بعد الحيرة. مناقشات ومقارنات: مناقشة أسانيد روايات سيف ومقارنة بين رواياته وروايات غيره. نتائج روايات سيف: أ ـ معارك حربية مختلقة. ب ـ صحابة مختلَقون. ج ـ رواة مختلَقون. د ـ أمكنة مختلقة. ه ـ كتب عهود وصلح مختلقة. و ـ شعر مختلق. مصادر البحوث.
انتشر بين خصوم الاسلام أنّ الاسلام ـ شريعة خاتم الانبياء ـ انتشر بالسيف والدَّم، حتّى اتّخذ خصوم الاسلام من ذلك ذريعة للطعن عليه (3)، وإذا بحثنا في كتب السير والتواريخ لم نجد دليلا على هذا الزعم إلاّ في أحاديث سيف، فهو الّذي روى في الحروب والغزوات الاسلاميّة أعدادا ضخمة من القتلى، وإبادة للجماعات الانسانية ما لا نظير لها إلاّ في حروب البرابرة المتوحشين أمثال جيوش التتر، بينما الواقع ـ الذي نجده في روايات غيره ـ أنَّ الاسلام لم يشهر السيف إلاّ في وجه من تحَدّاه بالسيف، ومن قابله من الحكّام المتسلّطين على الشعوب بالسيف والدم، وأنَّ الشعوب كثيرا ما كانت تساعد المسلمين في حروبهم على حكّامها المستبدّين (4). وكثيرا ما نجد في روايات سيف ذكر حروب للمسلمين أبادوا فيها عددا ضخما من الناس، وهدموا دورهم، وتركوا الارض يبابا بعدهم، في حين أنَّ تلك المعارك لم تقع بتاتا، وكل ما ذكره فيها ـ من قادة الفتح الاسلامي (5) وأشعارهم وقتلاهم وهدم مساكن الشعوب ـ اختلاق في اختلاق. من ذلك: ما ذكره من تهويلات في حروب الردّة والتي لم يصدق في شيء منها، ونذكر أمثلة منها في ما يلي:
1 ـ تهويلات في أخبار حروب الردّة: مهّد سيف لمّا أراد أنّ يذكر في حروب الردّة من تهويلات بما روى في روايات قصيرة له أوردها الطبري في أوَّل أخبار الردّة، قال سيف فيها: كفرت الارض بعد خروج اُسامة لغزوة مؤتة، وتضرَّمت نارا، وارتدّت العرب من كلّ قبيلة خاصَّتها أو عامّتها إلاّ قريشا وثقيفا، ثمَّ ذكر ارتدادا في غطفان، وامتناع هوازن من دفع الصّدقة، واجتماع عوام طيٍّ وأسد على طليحة، وارتداد خواصّ بني سُليم، وقال: ((وكذلك سائر النّاس بكلّ مكان)) وقال: وقدمت كتب أمراء النبّي من كلّ مكان بانتقاض القبائل خاصَّتها، أو عامّتها. ثمَّ ذكر في أحاديث أخرى له معارك أبي بكر ضِدَّ المرتِدّين قبل رجوع أسامة من الغزو (6) نذكر منها ما يلي:
أبرق الربذة: في رواية الطبري عن سيف، عن سهل بن يوسف أنَّ قبائل ثعلبة بن سعد، ومن يليهم من مرَّة، وعبس (7) تجمّعت بالابرق من الرّبذة، واجتمع إليهم ناس من بني كنانة فلم تحملهم البلاد، فافترقوا فرقتين، أقامت فرقة بالابرق، وسارت الاخرى إلى ذي القصّة، وأمدَّهم طليحة الاسدي بأخيه حبال، فكان عليهم وعلى من معهم من القبائل: الدئل، وليث، ومدلج؛ وكان على قبيلة مرَّة بالابرق عوف بن فلان بن سنان، وعلى ثعلبة وعبس؛ الحارث بن فلان أحد بني سبيع، فبعثوا وفودا إلى المدينة، فنزلوا على وجوه النّاس ما عدا عبّاسا، فتحملوا بهم على أبي بكر يبذلون الصّلاة، ويمنعون الزَّكاة، فقال أبو بكر: واللّه لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه(8) وكان عُقُلُ الصدقة على أهل الصَّدَقَةِ مع الصَّدَقَةِ فردّهم، فرجع وفد من يلي المدينة من المرتدَّة إلى عشائرهم، وأخبروهم بقلّة من في المدينة، وأطمعوهم فيها، وجعل أبو بكر ـ بعد مسير الوفد ـ على أنقاب المدينة عليّا، وطلحة، والزبير، وابن مسعود، وألزم أهل المدينة بحضور المسجد، وقال لهم: إنَّ الارض كافرة، وقد رأى وفدهم منكم قلّة، وأدناهم منكم على بريد (9)، وأبينا عليهم ما طلبوا، ولا ندري أيأتونا ليلا أم نهارا، فاستعدّوا؛ فما لبثوا إلاثلاثا حتّى أغاروا على المدينة ليلا، وخلّفوا بعضهم بذي حسى ليكونوا لهم ردءا، فوافوا الانقاب وعليها المقاتلة، فمنعوهم وارسلوا إلى أبي بكر بالخبر، فأرسل إليهم ابو بكر أنِ الزموا مكانكم، وخرج في أهل المسجد على النواضخ، فردّوا العدوّ حتّى بلغوا حسى، فخرج عليهم الرّدْء بأنحأ قد نفخوها، وجعلوا فيها الحبال، فدهدهوها في وجوه الا بل، فنفرت إبل المسلمين، وهم عليها لا يملكونها، ورجعت بهم حتّى أدخلتهم المدينة، ولم يصب أحد فقال الخطّيل بن أوس: فدىً لبني ذبيان رحلي وناقتي عشيّة يحدي بالِرّماح أبو بكر الابيات(10) قال: وظنّوا بالمسلمين الوهن، وبعثوا إلى ذي القصّة بالخبر، وكان بها من العشائر المرتدّة بنو ذبيان، وأسد فقدموا عليهم، وبات أبو بكر ليلته يعّبِئ الناس، وخرج على تعبية آخر اللّيل، على ميمنته النعمان بن مقرن، وعلى ميسرته عبداللّه بن مقرن، وعلى أهل الساقة سويد بن مقرن، معه الركائب، فما طلع الفجر إلاّوهم والعدّو على صعيد واحد، فما شعروا بالمسلمين حتّى وضعوا فيهم السيوف، فاقتتلوا أعجاز ليلتهم، فما ذرّ قرن الشمس حتّى ولّوهم الادبار، وغلبوهم على عامّة ظهرهم، وقتل حبال (11) واتّبعهم أبو بكر حتّى نزل بذي القصّة، وكان أوَّل الفتح، ووضع بها النعمان بن مقرن في عدد، ورجع إلى المدينة، فذلّ لها المشركون. ووثب بنو عبس، وذبيان على من فيهم من المسلمين، فقتلوهم كل قتلة، وفعل من وراءهم من العشائر مثل فعلهم، فحلف أبو بكر ليقتلنَّ في المشركين كلَّ قتلة، وليقتلنَّ في كلّ قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة، وقال في ذلك زياد بن حنظلة: غادة سعى أبو بكر إليهم كما يسعى لموتته جلال (12) أراح على نواهقها عليّا ومهج لهنَّ مهجته حبال وقال أيضا: أقمنا لهم عرض الشمال فكبكبُوا... الابيات. ولم يصنع ـ أبو بكر ـ إلا ما قال، فازداد لها المسلمون ثباتا، والمشركون في كلّ قبيلة انعكاسا من أمرهم ـ إلى قوله ـ: ثمَّ خرج من خرج إلى ذي القصّة مع الَّذين كانوا على الانقاب فقال له المسلمون: ننشدك اللّه يا خليفة رسول اللّه أنّ تعرض نفسك فإنّك إن تُصب لم يكن للمسلمين نظام، ومقامك أشدّ على العدو، فابعث رجلا فإنّ أُصيب أمَّرت آخر، فقال: لا واللّه لا أفعل، ولاُواسينَّكم بنفسي، فخرج في تعبيته إلى ذي حسى وذي القصّة، والنعمان، وعبداللّه، وسويد على ما كانوا عليه حتّى نزل على أهل الربذة بالابرق، فاقتتلوا، فهزم اللّه الحارث وعوفا، وأخذ الحطيئة أسيرا، فطارت بنو عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر أياما، وغلب على بني ذبيان وبلادهم، وقال: حرام على بني ذبيان أنّ يتملَّكوا هذه البلاد إذ غنّمَناها اللّه، وحمى الابرق لخيول المسلمين، وأرعى النّاس سائر بلاد الربذة. وقال في يوم الابارق زياد بن حنظلة: ويوم بالابارق قد شهدنا ـ الابيات إلى آخر الحديث. * * * أوردنا في ما سبق موجزا ممّا رواه الطبري عن سيف في خبر أبرق الربذة وما يتّصل بها من وقائع، ولم يصحّ منها شيء إطلاقا، ولكنّها انتشرت في كتب التاريخ الاسلامي زهاء اثني عشر قرنا، فقد اختلق أخبارها سيف في أوائل القرن الثاني الهجري ونقل عنه الطبري ـ في تاريخه، ونقل عن تاريخ الطبري المؤرخون بعده كابن الاثير، وابن كثير ، وابن خلدون في تواريخهم. كما أخذ الحموي عن سيف ترجمة أبرق الربذة في معجم البلدان، وأخذ عنه صاحب مراصد الاطلاع، وهكذا انتشر خبر أبرق الربذة في مصادر التاريخ الاسلامي حتّى اليوم!!! * * * ويتّصل بالخبر السابق خبر آخر في حروب الردّة، رواه ـ أيضا ـ الطبري عن سيف، عن سهل بن يوسف: أن أُسامة لمّا قدم، واستراح جنده، وجاءت صدقات كثيرة تفضل عنهم، خرج أبو بكر إلى ذي القصّة، وقطع البعوث، وعقد الالوية، فعقد أحد عشر لواء: 1 ـ لخالد بن الوليد، وأمره بطليحة بن خويلد، فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إنّ أقام له. 2 ـ ولعكرمة بن أبي جهل، وأمره بمسيلمة. 3 ـ وللمهاجر بن أبي أُميّة، وأمره بجنود العنسي، ومعونة الابناء على قيس بن المكشوح ومن أعانه من أهل اليمن، ثمَّ يمضي إلى كندة بحضر موت. 4 ـ ولخالد بن سعيد بن العاص ـ وكان قد ترك عمله في اليمن تقيّة منهم ـ وبعثه إلى الحمقتين من مشارف الشام. 5 ـ ولعمرو بن العاص إلى جُمّاع قضاعة، ووديعة، والحارث. 6 ـ ولحذيفة بن محصن الغلفاني، وأمره بأهل دبا. 7 ـ ولعرفجة بن هرثمة، وأمره بمهرة، وأمر حذيفة وعرفجة أنّ يجتمعا وكلُّ واحد منهما في عمله على صاحبه. 8 ـ وبعث شرحبيل بن حسنة في أثر عكرمة بن أبي جهل، وقال: اذا فرغ من اليمامة، فالحق بقضاعة وأنت على خيلك تقاتل أهل الردّة. 9 ـ وعقد لمعن بن حاجز ـ ويقال لطريفة بن حاجز ـ وأمر ببني سليم ومن معهم من هوازن. 10 ـ ولسويد بن مقرن، وأمره بتهامة اليمن. 11 ـ وللعلاء بن الحضرمي ، وأمره بالبحرين. ففصلت الامراء من ذي القصّة، وقد عهد إليهم عهده. وكتب ـ أيضا ـ إلى جميع القبائل المرتدّة الّتي وجّه إليها الجيوش. وأتمّ سيف هذا الخبر في رواية أُخرى جاءت بعدها، رواها عن عبداللّه بن سعيد، قال: فكانت الكتب إلى قبائل العرب المرتدّة كتابا واحدا كما يلي:
بسم اللّه الرحمن الرحيم من أبي بكر خليفة رسول اللّه (ص) إلى من بلغه كتابي هذا من عامّة وخاصّة، أقام على إسلامه أو رجع عنه، سلام على من أتبع الهدى... إلى تمام صفحتين ثمَّ قال: وإنّي بعثت إليكم فلانا في جيش من المهاجرين والانصار، والتابعين بإحسان(13)، وأمرته أنّ لا يقاتل أحدا ولا يقتله حتّى يدعوه إلى داعية اللّه، فمن استجاب له وأقّر وكفّ وعمل صالحا؛ قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرته أنّ يقاتله على ذلك، ثمَّ لا يبقي على أحد منهم قدر عليه، وأنّ يحرقهم بالنّار ويقتلهم كلَّ قتلة، وأنّ يسبي النساء والذراري، ولا يقبل من أحد إلا الاسلام... إلى آخر الكتاب. ثمَّ قال سيف ((فنفذت الرسل بالكتب أمام الجنود، وخرجت الامراء ومعهم العهود: بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول اللّه لفلان حين بعثه في من بعثه لقتال من رجع عن الاسلام، وعهد إليه أنّ يتقي اللّه ما استطاع، وأمره بالجدّ في أمر اللّه، ومجاهدة من تولّى عنه ورجع عن الاسلام، فيدعوهم بداعية الاسلام، ومن لم يجب داعية اللّه؛ قتل وقوتل حيث كان وحيث بلغ، مراغمة لا يقبل من أحد شيئا أعطاه إلاّ الاسلام، فمن أجابه وأقرّ؛ قبل منه، وعلّمه، ومن أبى قاتله، فإنّ أظهره اللّه عليه قتل منهم كلَّ قتلة بالسلاح والنيران...)) إلى آخر الكتاب. كان ما أوردناه خلاصة ممّا روى الطبري عن سيف في خبر خروج أبي بكر إلى ذي القصّة وتأميره الامراء لحروب الردَّة. وأخذ من الطبري كلُّ من ابن الاثير، وابن كثير، وابن خلدون وغيرهم؛ ما ذكروا من هذه الاخبار في تواريخهم. وأخذ من سيف ـ أيضا ـ ياقوت الحموي؛ ما ذكره بترجمة الحمقتين من معجم البلدان قال: ((الحمقتان، قال سيف: عقد أبو بكر (رض) لخالد بن سعيد بن العاص ـ وكان قدم من اليمن، وترك عمله ـ وبعثه إلى الحمقتين من مشارف الشام)). وأخذ منه صاحب مراصد الاطلاع ما ذكر بترجمة الحمقتين. ونقل مؤلفو الاستيعاب، وأُسد الغابة، والاصابة بترجمة حذيفة بن محصن، وعرفجة بن هرثمة ما يخصّهما من هذه الرواية. وهكذا تنتشر روايات سيف وتمتدّ أغصانها إلى مصادر الدراسات الاسلامية!!!
مناقشة السند: في سند رواية سيف عن خبر أبرق الربذة، وخبر تأمير الامراء بذي القصّة سهل بن يوسف، وسبق قولنا فيه إنّه من مخترعات سيف من الرواة! وفي سند رواية سيف نصّ كتب أبي بكر للمرتدّين وعهده لامرائه؛ عبداللّه بن سعيد وهو في سند روايات سيف: عبداللّه بن سعيد بن ثابت بن الجذع الانصاري، روى عنه سيف في تاريخ الطبري ستَّ عشرة رواية، واعتبرناه ـ أيضا ـ من مخترعات سيف من الرواة لمّا لم نجد له ذكرا عند غير سيف! * * * ذكرنا بإيجاز ما رواه سيف في الخبرين السابقين، أمّا غير سيف، فقد روى الطبري عن هشام بن الكلبي قال: لمّا رجع أسامة ومن معه من الجيش جدّ أبو بكر في حرب أهل الردّة، وخرج بالناس حتّى نزل بذي القصّة (منزل به من المدينة على بريد من نحو نجد) فعبّأ هنالك جنوده، ثمَّ بعث خالد بن الوليد على الناس، وجعل ثابت بن قيس بن شمّاس(14) على الانصار، وأمره إلى خالد، وأمره أن يصمد لطليحة وعيينة بن حصن، وهما على بزاخة (ماء من مياه بني أسد) وأظْهِرْ أنّي ألاقيك بمن معي نحو خيبر. قال ذلك مكيدة فقد كان أوعب مع خالد الَناس، ولكنّه أراد أنّ يبلغ ذلك عدوّه فيرعبهم، ثمَّ رجع إلى المدينة. وذكر ـ أيضا ـ ذهاب أبي بكر إلى ذي القصّة، وتأميره خالدا على الجيش هناك؛ كلُّ من: اليعقوبي في تاريخه، غير أنّه ذكر أنّ تعيين ثابت على الانصار كان بعد عتبهم عليه عدم تأميره أحدا من الانصار. والبلاذري والمقدسي ذكرا إغارة بني فزارة عليهم هناك، قال المقدسي ـ بعد ذكر ما سبق ـ: فسار خالد، ورأى خارجة بن حصن الفزاري (15) قلَّتهم مع أبي بكر بذي القصّة ، فحمل عليهم في الفوارس، فانهزموا، ولاذ أبو بكر بشجرة (16) فأرقى طلحة بن عبيد اللّه على شرف، فنادى: أيّها الناس! هذا الخيل! فتراجع الناس، وانكشف خارجة، ورجع أبو بكر إلى المدينة. وقال البلاذري: فخرج أبو بكر إلى ذي القصّة من أرض محارب لتوجيه الزحوف إلى أهل الردّة، ومعه المسلمون، فصار إليه خارجة ومنصور بن زبان الفزاريان، فقاتلوهم قتالا شديدا، فانهزم المشركون، وأتبعهم طلحة، فقتل منهم رجلا، وفاته الباقون ـ إلى قوله ـ: ثمَّ عقد لخالد وهو بالقصّة، وجعل على الانصار ثابت بن قيس، وأمره أنّ يصمد لطلحة، وهو يومئذ ببزاخة. وقال البلنسي (ت: 734ه) في الاكتفاء ما ملخّصه: لمّا توفّي رسول اللّه (ص) واستخلف أبو بكر وكفر من العرب من كفروا ومنعوا الصدقة وقال قائلهم: أطعنا رسول اللّه ما عاش بيننا فيالعباد اللّه ما لابي بكر أيورثها بكرا إذا مات بعده فتلك وبيت اللّه قاصمة الظهر وقال بعضهم: نؤمن باللّه ونشهد أنّ محمدا رسول اللّه (ص) ونصلّي ولكن لا نعطيكم أموالنا. فأبى أبو بكر إلاّ قتلهم. فقال له عمر: إنّما شحّت العرب على أموالها وأنت لا تصنع بتفريق العرب عنك شيئا، فلو تركت للناس صدقة هذه السنة. وقال: وكيف تقاتل الناس وقد قال رسول اللّه (ص) أُمرت أنّ أقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلا اللّه؟ فقال أبو بكر: واللّه لو منعوني عقالا كانوا يؤدَّونه إلى رسول اللّه لقاتلتهم على منعه. وقدم المدينة عيينة بن حصن الفزاري (17) والاقرع بن حابس(18) في رجال معهم وقالوا للمهاجرين: ارتدّ من وراءنا وليس في أنفسهم أنّ يؤدوا إليكم من أموالهم ما كانوا يؤدّونه إلى رسول اللّه (ص)، فإن تجعلوا لنا جعلا نرجع فنكفيكم مَن وراءنا. فقال أبو بكر: واللّه لو منعوني عقالا رأيت أنّ أجاهدهم عليه حتّى آخذه. وقال في شأن عيينة وأصحابه: لو رأوا ذباب السيف لعادوا إلى ما خرجوا منه، أو أفناهم السيف فإلى النار قتلاهم، على حقّ منعوه، وكفر. فقالوا له: رأينا لرأيك تبع، فأمر أبو بكر بالتجهّز. وقال البلنسي في تعداد من تمسّك بالاسلام بين المسجدين: أسلم غفار وجهينة ومزينة وكعب وثقيف. قال: وأقامت طيّ كلّها على الاسلام وهذيل وأهل السراة(19) وبجيلة وخثعم ومن قارب تهامة من هوازن ونصر وجشم وسعد بن بكر وعبد القيس ، وقال: لم يرجع رجل واحد من أوس ولا من أهل السراة كلّها ولا من تجيب ولا من الابناء بصنعاء، ولمّا جاءهم نبأ وفاة الرسول شقّ نساء الابناء الجيوب وضربن الخدود وشقّت المرزبانة درعها من بين يديها وخلفها. وشرح البلنسي كيفية أرتداد من ارتدّ ومن بقي على إسلامه في ما روى وقال: وقد كان رسول اللّه (ص) لمّا حدر من الحجّ سنة 10 ه وأقام بالمدينة حتّى رأى هلال محرّم سنة 11ه بعث المصدقين في العرب فبعث على عجز هوازن؛ عكرمة، وحامية بن سبيع الاسدي؛ على صدقات قومه، وعلى بني كلاب؛ الضحّاك بن سفيان، وعلى أسد وطيّ؛ عدّي بن حاتم، وعلى بني يربوع مالك بن نويرة، وعلى بني دارم وحنظلة؛ الاقرع بن حابس، وبعث كلاّ ً من الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم المنقري على صدقات قومهما (20). فلمَّا بلغتهم وفاة النبيّ (ص) اختلفوا فمنهم من رجع ومنهم من أدى الصدقة إلى أبي بكر، وكان الّذين فرّقوا الصدقة بين قومهم مالك بن نويرة وقيس بن عاصم والاقرع بن حابس من تميم، ودفعها الزّبرقان إلى أبي بكر. أمّا بنو كلاب فتربصوا ولم يمنعوا منعا بيّنا ولم يعطفوا وكانوا بين ذلك. وبعث على فزارة نوفل بن معاوية الديلي فلقيه خارجة بن حصن بالشربّةومعه الفرائض وقال له: أما ترضى أنّ تغنم نفسك فهرب منه نوفل ورجع إلى أبي بكر بسوطه فردّها خارجة على أربابها (21). وبعث على بني سليم عرباض بن سارية فلمَّا بلغتهم وفاة النبيّ أبوا أنّ يعطوه شيئا واسترجعوا منه ما كان جمع. فانصرف من عندهم بسوطه (22). وبعث كعب بن مالك الانصاري إلى أسلم وغفار ومزينة وجهينة ومنازلهم غربي المدينة فسلّموا إليه صدقاتهم بعد وفاة النبيّ فاستعان بها أبو بكر على قتال أهل الردة (23). وكذلك فعل بنو كعب مع مصدّقهم بسر بن سفيان الكعبي (24). واجتمع عند عدي ثلاثمائة بعير من صدقات قومه فطلبت طي أنّ يمنع الصدقة فأبى ودفعها إلى أبي بكر فأعطاه ثلاثين بعيرا فاستعان أبو بكر بهذه الصدقات وتجهز لقتال من أمتنع من أداء الزكاة كما وصفه البلنسي وقال: خرج أبو بكر من المدينة في مائة من المهاجرين والانصار يحمل لواءه خالد بن الوليد، ووكل بالناس محمد بن مسلمة يستحثّهم وسار حتّى نزل ببقعاء (وهو ذو القصّة) عند غروب الشمس فصلّى بها المغرب وأمر بنار عظيمة فأوقدت، وأقبل خارجة بن حصن بن حذيفة في خيل من بني قومه فزارة يريد أنّ يخذل الناس عن الخروج من المدينة أو يصيب غرّة فأغار على أبي بكر ومن معه وهم غافلون فاقتتلوا شيئا من قتال. وتحيّز المسلمون ولاذ أبو بكر بشجرة، فأوفى طلحة على شرف فصاح بأعلى صوته: لا بأس! هذه الخيل! فتراجع الناس وجاء الامداد وتلاحق المسلمون فانكشف خارجة وأصحابه وتبعه طلحة ومن خفّ معه فأدرك أخريات أصحابه فحمل على رجل منهم بالرمح وقتله وهرب من بقي. فأقام أبو بكر أيّاما وبعث إلى من كان حوله من أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وكعب يأمرهم بالجهاد، فقدم إليه من جهينة أربعمائة معهم الظهر والخيل، وساق عمرو بن مرّة الجهنّي مائة بعير فوزَّعها أبو بكر في الناس وتحبّب إليهم الناس فأراد أنّ يولّي على الناس زيد بن الخطّاب فأبى وأبى أبو حذيفة ومولاه سالم من ذلك فأمَّر خالد ابن الوليد على الناس وأخبرهم أنّه سيلقاهم بخير مكيدة. وعهد إليه وكتب معه هذا الكتاب: هذا ما عهد به أبو بكر خليفة رسول اللّه (ص) إلى خالد بن الوليد حين بعثه في من بعثه من المهاجرين والانصار ومن معهم لقتال من رجع عن الاسلام بعد رسول اللّه (ص) عهد إليه. ((قال: ويروي أنّ أبا بكر (رض) كتب مع هذا الكتاب كتابا آخر إلى عامة الناس)). وأمر خالدا أنّ يقرأه عليهم في كل مجمع وهو: من أبي بكر خليفة رسول اللّه (ص) إلى من بلغه كتابي هذا عامّة أو خاصّة تاما على إسلامه أو راجعا عنه. إلى قوله: وإني قد بعثت خالد بن الوليد في جيش من المهاجرين الاوّلين من قريش وغيرهم. إنتهى بإيجاز من الاكتفاء للبلنسي (25).
نتيجة البحث: ذكر المؤرخون خرجة واحدة لابي بكر، خرج فيها إلى ذي القصّة بعد رجوع أُسامة من مؤتة وما خرج غيرها قطّ، عقد فيها لواء القيادة لخالد وأمّر ثابت بن قيس على الانصار، وجعل أمره إلى خالد، وأمرهما بالمسير إلى بزاخة لحرب طلحية ومن معه من بني أسد وفزارة، وأضاف بعضهم إلى هذا: غارة بني فزارة عليهم هناك بغتةً، وقتل واحد منهم. كان هذا كلّ ما ذكره غير سيف من حرب وزحف وتوجيه جيوش في هذه الفترة، بعيد وفاة الرسول. أمّا سيف فقد ذكر تجمّع قبائل كثيرة من أهل الردّة في أبرق الربذة؛ منهم: ثعلبة ابن سعد، وعبس وعليهم الحارث، ومرّة وعليهم عوف، وناس من بني كنانة اجتمعوا إليهم، فلم تحملهم البلاد، فذهب نصفهم إلى ذي القصّة، فأمدّهم طليحة بأخيه حبال وأمّره على من بذي القصّة منهم، وعلى من معهم من قبائل الدئل، وليث، ومدلج، وأنّهم بعثوا وفودا إلى المدينة يقرّون الصلاة، ويأبون الزكاة، فردّهم أبو بكر فأخبروا المرتدّين في الابرق بقلة أهل المدينة، وأطمعوهم فيهم، فاستعدّ لهم أبو بكر، وعيّن على أنقاب أهل المدينة أربعة من كبار الصّحابة ومعهم المقاتلة، وألزم سائر الناس حضور المسجد، وباغتت مرتدّة الابرق أهل المدينة بغارة بعد ثلاث، وخلّفوا ردءا لهم بذي حسى فمنعتهم المقاتلة على الانقاب، وأخبروا أبا بكر فخرج على النواضح، وردّوا العدوّ حتّى بلغ ذا حسى، فباغتهم ردء المرتدّة هناك بأنحاء دهدهوها في وجوه إبل المسلمين، فنفرت بهم حتّى أرجعتهم إلى المدينة لا يملكون زمامها. فأرسل هؤلاء إلى من بذي القصّة يخبرونهم ضعف أهل المدينة، فقدموا عليهم وفيهم بنو ذبيان وبنو أسد، وأنضمُّوا إلى من في الابرق، فعبَّأ أبو بكر جيشه، وعيّن أُمراء على الميمنة والميسرة، والساقة جميعا، وبيّتهم ليلا، فوضع المسلمون فيهم السيوف، وولّوهم الادبار، وغلبوا على عامّة ظهرهم (26)، وقتل في هذه المعركة حبال أخو طليحة، وتبعهم أبو بكر حتّى بلغ ذا القصة، ووضع فيها مسلحة وأمَّر النعمان بن مقرن، ثمَّ رجع إلى المدينة. وخرج أبو بكر من المدينة الخرجة الثالثة لمّا وثب بنو عبس، وبنو ذبيان على من في قبائلهم من المسلمين، وقتلوهم كلَّ قتلة، فخرج أبو بكر على تعبئته حتّى نزل الابرق، وقاتلهم حتّى هزمهم، وأسر منهم، وغلب على بلادهم الربذة، فحرّمها عليهم ، وحمى أبرق الربذة لخيول المسلمين، وأرعى الناس سائر الربذة، وأنشد الصحابي زياد بن حنظلة، وغيره أراجيز متعددة في تلك المعارك. تفرّد سيف بذكر كل ما سبق، ولم يصحَّ منه شيء إطلاقا! لم يصحّ أرتداد أكثر تلك القبائل الّتي ذكرها، ولم يصحَّ تجمُّعها بالابرق وذي القصّة، ولا إرسالها الوفود إلى المدينة، ولا تأمير أبي بكر الامراء على أنقاب المدينة، ولا خرجاته الثلاث من المدينة، وما تبعها من تعبئته الجيش، وخروجه على النواضح، ونفور إبلهم من أنحاء دهدهوها، ولا غيرها ممّا ذكر من قتال،وأراجيز، واستيلاء على أراضيهم عنوة، بل لم يكن وجود لابرق الربذة، ولا لاشخاص ذكرهم في تلك الحوادث كالصحابي الشاعر زياد بن حنظلة، وخطّيل بن أوس، والراوي سهل بن يوسف(27). لم يكن لهؤلاء وجود خارج خيال سيف القّصاص العبقريّ، والمتهم بالزندقة! وذكر سيف خرجة رابعة لابي بكر إلى ذي القصّة، وعقده هناك أحد عشر لواء لاحد عشر أميرا لحرب المرتدين، وأنّه زوّد كلاّ ً منهم بكتاب عهد، وكتاب آخر إلى القبائل المرتدّة، ولم يصحّ هذا ـ أيضا ـ والّذي كان أنّه عقد لواء لخالد، وجعل ثابت بن قيس على الانصار، وجعل أمره إلى خالد، ووجّههما لحرب من في البزاخة، ولم يعقد لغيرهما هناك لواء، ولم يكتب كتاب عهد أو غيره هناك، ولم يرسل خالد بن سعيد لحرب المرتدّين في الحمقتين بمشارف الشام أميرا. وأنّما ذهب هذا مع الجيش الغازي سورية، بعد حروب الردّة، وهكذا لم يصحّ سائر ما ذكره عن هذه الواقعة. ولم يصحّ ـ أيضا ـ سند الرواية لورود اسم سهل بن يوسف، وعبداللّه بن سعيد فيها، وذكرنا أنّهما من مختلقات سيف من الرواة!!!
حصيلة الاحاديث السابقة: اختلق سيف في الاحاديث السابقة ونظائرها: أ ـ كتب عهود، وكتبا سياسية تسجّل في الوثائق السياسية. ب ـ أراجيز تضاف إلى تراثنا الادبي التالد. ج ـ مكانين تُرجما في الكتب البلدانية. د ـ صحابيا يترجم في عداد الصحابة. ه ـ راويين للحديث تُرجم أحدهما في كتب معرفة الرواة. و ـ تأمير أمراء، وتوجيه زحوف، ومعارك حربية تدلُّ على عدم رسوخ الاسلام في نفوس تابعيه، وعلى انتشار الاسلام بحد السيف!! سلسلة رواة الحديث: أ ـ من روى سيف عنه: في سند رواية سيف في الخبرين اسم سهل بن يوسف، وعبداللّه بن سعيد، وهما من مختلقات سيف من الرواة. ب ـ من روى عن سيف: 1 ـ روى الاخبار السابقة جميعها الطبري عن سيف في تاريخه. 2 و3 و4 ـ أخذها من الطبري كلُّ من ابن الاثير، وابن كثير، وابن خلدون في تواريخهم. 5 و6 و7 و8 ـ أورد بعض تلك الاخبار أصحاب الاستيعاب، وأُسد الغابة، والتجريد والاصابة في كتبهم. 9 ـ أورد قسما منها ياقوت في معجم البلدان. 10 ـ نقلها عن معجم البلدان صاحب مراصد الاطلاع بإيجاز.
وكلُّ هذه البركة من أحاديث سيف المتهم بالزندقة. * * *
مصادر البحث ـ عن خبر أبرق الربذة: تمهيد سيف لذكر أخبار الردة ـ الطبري (1 / 1871 ـ 72) وسبب أرتداد غطفان (1 / 1891 ـ 4). ط. اُوروبا. خبر أبرق الربذة عند سيف في الطبري (1 / 1873 ـ 85) وابن الاثير (2 / 232 ـ 34) وابن كثير (6 / 311 ـ 16) وابن خلدون (2 / 273 ـ 4) وترجمة زياد بن حنظلة من (خمسون ومائة صحابي مختلق) وتراجم القبائل من جمهرة ابن حزم ولباب ابن الاثير، وترجمة أبرق الربذة من معجم البلدان ومراصد الاطلاع. * * * خبر توجيه الزحوف من ذي القصة، روايات سيف: في الطبري (1 / 1880 ـ 85) وابن الاثير وابن كثير وابن خلدون الصفحات المذكورة في خبر أبرق الربذة، وترجمة الحمقتين من معجم البلدان ومراصد الاطلاع. في غير روايات سيف: في الطبري (1 / 1870) واليعقوبي ط ـ الغري ـ النجف عام 1385ه والبلاذري ط ـ السعادة ـ مصر عام 1959م (ص 104) والبدء والتاريخ (5 / 157). * * *
ردّة طيّ: ورد خبر ردّة طيّ في سبع من روايات سيف بتاريخ الطبري. في واحدة منها خبر ارتداد غطفان، وعوام طيٍّ، وأسَد، واجتماعهم على طُلَيْحَة. وفي أُخرى تجمُّع أسد بسميراء، وغطفان بجنوب المدينة، وطيّ في حدود أرضهم. وذكر في رواية طويلة ثالثة سبب ارتداد القبائل الثلاث، وفي آخرها ذهابهم إلى المدينة، ونزولهم على وجوه المسلمين يعرضون الصلاة على أن يعفوا من الزكاة، وإجماع ملا المسلمين على قبول ذلك منهم حاشا أبا بكر، فإنَّه ردَّ وجهاء المسلمين وأبى أنّ يقبل من المرتدِّين وأجَّلهم يوما وليلة، فتطايروا إلى عشائرهم(28). وذكر في رابعة: أنّ أبا بكر لمّا دحر القبائل المتجمّعة من أتباع طليحة بأبرق الربذة، أرسل طليحة إلى جديلة، والغوث ـ فرعي قبيلة طيّ ـ أنّ يلتحقوا به، فتعجّل إليه ناس من الحَيَّيْن، وأمروا من تأخّر منهم باللحاق بهم، قال: وبعث أبو بكر عديّ بن حاتم إليهم قبل توجيه خالد من ذي القصّة، وقال له: أدركهم لا يؤكلوا، وأنّ خالدا خرج في أثره، وأمره أبو بكر أنّ يبدأ بطيّ على الاكناف فتوجّه خالد إليهم، فمنع ذلك من بقي من طيّ أنّ يلتحقوا بطليحة، وقدم عليهم عدي، فدعاهم، فقالوا: لا نبايع أبا الفصيل أبدا. فقال لهم عديّ: لقد أتاكم قوم ليبيحنَّ حريمكم، ولتُكَنِّنَّهُ أبا الفحل الاكبر. فقالوا: فاستقبِلِ الجيش، وامنعه عنّا حتّى نسترجع من لحق منّا بطليحة، فإنْ خالفناه وهم في يديه قتلهم. فاستقبل عديّ خالدا وهو بالسنح فقال: أمسك عنّي ثلاثا يجتمع لك خمسمائة مقاتل تضرب بهم عدّوك، وذلك خير لك من أنّ تعجّلهم إلى النّار، وتشاغل بهم، ففعل، فأرسلوا إلى إخوانهم في بزاخة فأتوهم كالمدد لهم، ولولا ذلك لم يتركوا، وهكذا أنقذ عديّ الغوث وهو الفرع الذي ينتمي إليهم من طيّ. وأراد خالد أنّ يسير إلى جديلة (فرع طي الاخر) فاستمهله عديّ، لعّله أن ينقذهم ـ أيضا ـ كما أنقذ الغوث، ففعل خالد، فأتاهم عديّ، ولم يزل بهم حتّى بايعوه، وجاء بإسلامهم، ولحق بالمسلمين من طيّ ألف راكب، فكان عديّ خير مولود ولد في أرض طيّ، وأعظم بركة عليهم. وقال سيف في رواية خامسة بعد ذكره هزيمة أهل بزاخة الذين كانوا مع طليحة: ((ولم يقبل من أحد من أسد، وغطفان، وهوازن، وسليم، وطيّ إلاّ أن يأتوه بالذين حرّقوا، ومثّلوا، وعدوا على المسلمين)). وقال في سادسة في ذكر ردّة أمّ زمل بعد معركة بزاخة: ((تأشَّب إليها الشرداء من كلّ جانب، وتجمَّع إليها كلُّ فلّ، ومضيق عليه من غطفان، وهوازن، وسليم، وطيّ...)) الحديث (29).
وذكر
في سابعة في خبر البطاح: أنّ خالدا سار إلى البطاح بعد أنّ استبرأ أسدا،
وغطفان، وطيّاً وهوازن... الحديث.
مناقشة السند: ورد في سند روايات سيف السابقة: أ ـ اسم حبيب بن ربيعة الاسدي، عن عمارة بن فلان الاسدي في خبر ذهابهم إلى المدينة، يعرضون الصَّلاة ويأبون الزكاة ولم نجد ذكرا لهذين الراويين الاسديّين في غير هذه الرواية، ولذلك اعتبرناهما من مختلقات سيف من الرواة. ب ـ اسم سهل بن يوسف في: 1 ـ 2 خبر أجتماع أسد؛ وغطفان، وطّي على طليحة ـ وطّي بحدود أرضهم. 3 ـ خبر التحاق طيٍّ بطليحة، ونجاح عديّ في إرجاعهم. 4 ـ خبر تجمّعهم على أم زمل بعد اندحار طليحة. 5 ـ خبر انصراف خالد إلى البطاح بعد استبرائهم. وتكرّر في ما سبق قولنا في سهلٍ إنّه من مختلقات سيف من الرواة. * * * كان هذا خبر ردّة طيٍّ في روايات سيف بمتونها وأسانيدها. نقلها الطبري في تاريخه مع ذكر سنده إلى سيف. وأخذ منها كلَّ من: صاحب الاصابة: ترجمتَي ثمامة ومهلهل الطائيّين مع ذكر مصدره. وصاحب معجم البلدان: ترجمة (سنح) الذي ذكره سيف في بلاد طيّ؛ وترجمة غيره. وأخذ من الطبري: ابن الاثير، وابن كثير في تاريخيهما. وأخذ من الحموي صاحب مراصد الاطّلاع.
خبر قبائل طيّ في غير روايات سيف: أمّا غير سيف، فقد روى الطبري ـ أيضا ـ مواقف قبائل طيّ في تلك الحوادث، عن ابن الكلبي، قال: قال أبو مخنف: إنّ خيل طيّ كانت تلقى خيل أسد، وفزارة، فيتشاتمون ولا يقتتلون، فتقول أسد وفزارة: لا واللّه! لا نبايع أبا الفصيل أبدا، فتقول لهم خيل طيّ: أشهد ليقاتِلنّكم حتّى تُكَنّوه أبا الفحل الاكبر. وروي الطبري عن ابن الكلبي أنّ خالد بن الوليد لمّا سار إلى بزاخة بعث عكّاشة بن محصن (30) وثابت بن أقرم طليعة لجيشه، فلمّا دنوا من القوم خرج طليحة وأخوه يتحسّسان الاخبار، فالتقيا بهما، فقتلاهما. وقال البلاذري: قدّم خالد أمامه عُكّاشة، وثابتا، فلقيهما حبال بن خويلد ـأخو طليحة ـ فقتلاه، وخرج طليحة وسلمه أخواه، وقد بلغهما الخبر، فلقيا عُكّاشة، وثابتا فقتلاهما، فقال طليحة: ذكرت أخي لمّا عرفت وجوههموأيقنت أنّي ثائر بحبال عشيّة غادرت ابن أقرم ثاوياوعُكّاشة الغنمي عند مجال (31) قال الطبري في روايته عن ابن الكلبيّ: وأقبل خالد بالناس حتّى مرُّوا بثابت قتيلا لم يفطنوا له حتّى وطئته الخيل، فكبر ذلك على المسلمين، ثمَّ رأوا عكّاشة صريعا، فجزع لذلك المسلمون، وقالوا: قتل سيّدان من سادات المسلمين، وفارسان من فرسانهم. وقال: لمّا رأى خالد ما بأصحابه من الجزع، قال لهم: هل لكم أنّ أميل بكم إلى حيٍّ من العرب كثير عددهم، شديدة شوكتهم، لم يرتدّ منهم عن الاسلام أحد؟ فقال له الناس: ومن هذا الحيّ؟ فنعم واللّه الحيّ! قال: إنّهم طيّ ـ فقالوا: وفقك اللّه، نعم الرأي رأيت، فانصرف بهم حتّى نزل بهم في طيّ. وفي رواية أخرى للطبري قال: إنّ عديّا كان قد بعث إلى خالد أنّ يسير إليه ويقيم عنده أياما حتّى يبعث إلى قبائل طيّ ويجمع له منهم أكثر ممّن معه، ويسير معه إلى عدوِّه، ففعل. * * * كان هذا ما ذكروا عن مواقف قبائل طيّ في تلك الحوادث أما ردّة طليحة ومعركة بزاخة التي أفاض سيف فيها الحديث، فقد ذكر المؤرخون حيّين من العرب كانا مع طليحة، وهما قومه من بني أسد، وبنو فزارة حيّ من غطفان من قبائل قيس عيلان، ولم يرد اسم غيرهما معه في تجمُّع من اجتمع عليه، وحرب من حارب معه (32)، وكان تجمّعهم، وحربهم في أرض بزاخة ماء لبني أسد، فسار إليه خالد من ذي القصّة في ألفين وسبعمائة إلى الثلاثة آلاف، وكان مع طليحة عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في سبعمائة من بني فزارة، قالوا؛ فلمّا استلحمت سيوف المسلمين المشركين جاء عيينة إلى طليحة، وقال له: أما ترى ما يصنع جيش أبي الفصيل؛ فهل جاءك جبريل بشيء؟ قال: لا، فرجع فقاتل حتّى إذا هزّته الحرب كرّ عليه فقال: أجاءك جبريل بعد؟ قال: لا واللّه، فقال عيينة: حتّى متى؟ قد بلغ واللّه منّا! ثمَّ رجع، فقاتل حتّى إذا بلغ منه كرّ عليه، فقال: هل جاءك جبريل بعد؟ قال: نعم، جاءني، فقال: إنَّ لك رحا كرحاه، ويوما لا تنساه! فقال عيينة: أرى واللّه أنّ لك يوما لا تنساه! يا بني فزارة! هذا كذّاب! وولّى من عسكره، فانهزم الناس، وظهر المسلمون وأسروا عيينة، وقدموا به المدينة، فحقن أبو بكر دمه وخلّى سبيله، ووثب طليحة على فرس كان قد أعدّه، وهرب إلى الشام، فأخذه غزاة المسلمين، وبعثوا به إلى المدينة، فأسلم، وأبلى في الفتوح. وقال اليعقوبي: بعث من الشام بشعر إلى أبي بكر يعتذر إليه، يقول فيه: فهل يقبل الصدّيق أنّي مراجع... البيتين. قال: فرقَّ له أبو بكر وأرجعه.
نتيجة المقارنة وحصيلة الحديث: وجدنا سيفا يورد خبر ردّة طيّ إتقانا للصنعة، وتأكيدا للفرية في سبع من رواياته، يذكر في الاوليين منها: ارتداد عوام طيّ، واجتماعهم على طليحة. وذكر في ثالثة: سبب ارتدادهم، وذهابهم مع غيرهم إلى المدينة يعرضون الصّلاة. على أنّ يُعفوا من الزكاة، وإجماع ملا المسلمين على قبول ما عرضوا، وطلبهم من أبي بكر أنّ يقبل ذلك منهم، وأن أبا بكر أبى وردّهم، وأجّلهم يوما وليلة فتطايروا إلى عشائرهم. وذكر في رابعة: التحاق من تعجّل منهم بطليحة، وحثّهم من تأخر منهم باللحاق بهم، وأنّ أبا بكر أمر خالدا أنّ يبدأ بهم، وأنّ ذلك هو الّذي منع المتخلّفين من اللِّحاق بإخوانهم، وأنّه بعث عديّا قبل توجيه خالد إليهم لعلّه يرجعهم إلى الاسلام، فقالوا لعديّ: ((لا نبايع أبا الفصيل أبدا))، فقال: ((ليبيحَّن حريمكم حتّى تكنّوه أبا الفحل الاكبر)) فدعاهم الخوف أنّ يستمهلوا خالدا ريثما يستعيدوا من لحق منهم بطليحة، ففعل. وذكر في خامسة: هزيمة جيش طليحة وأنّ خالدا لم يقبل بعد الهزيمة من أحد منهم من أسد ولا طيّ إلا أنّ يأتوه بالَّذين حرّقوا، ومثَّلوا، وعدوا على المسلمين. وذكر في سادسة: طيّا في من تأشب إلى أمّ زمل بعد بزاخة من الشرداء من كلّ فلّ ومضيّق عليه. وذكر في سابعة: طيّا في القبائل الّتي استبرأهم خالد قبل ذهابه إلى البطاح. هكذا وصف سيف ردّة طيّ بينما كان الواقع خلاف ذلك، فإنَّ طيّا هي الّتي قالت لجماعة طليحة: ليقاتلنّكم أبو بكر حتّى تُكنّوه أبا الفحل الاكبر. وأنّ خالدا التجأ إليهم لانّهم كانوا أقوياء كثيرين، ولم يرتدّوا، واستعان بهم في حرب طليحة. استطاع سيف في ما حرّف ووضع؛ أنّ يسجّل قبيلة طيّ في سجّل القبائل المرتدّة، وأظهر أنّ رجوعهم إلى الاسلام لم يكن إيمانا بالاسلام، وإنَّما تخوُّفا من القتل والاسر! كما استطاع أنّ يسجّل قبائل أخرى غير طيّ في المرتدّين مع طليحة، بينما لم يكن مع طليحة غير جماعة من قومه أسد، وجماعة من فزارة مع رئيسهم عيينة بن حصن. وانتشرت مفترياته في مصادر التاريخ الاسلامي وشاعت حتّى اليوم! كما أدرجت أسماء الاماكن الّتي اختلقها بتلك الاحاديث في الكتب البلدانية!، والصحابة الذين اختلقهم في كتب تراجم الصحابة! سلسلة رواة الخبر: أ ـ من روى سيف عنه: ورد اسم سهل بن يوسف في سند خمس من تلك الروايات، واسما الاسديين حبيب وعمارة في سند واحدة منها، وقد اعتبرنا الرواة الثلاثة من مختلقات سيف من الرواة. ب ـ من روى عن سيف: 1 ـ الطبري في تاريخه مع ذكر مصدره. 2 ـ صاحب الاصابة مع ذكر مصدره. 3 ـ صاحب معجم البلدان دونما ذكر لمصدره. 4 ـ 5 ـ أخذ من الطبري كل من ابن الاثير وابن كثير في تاريخيهما. 6 ـ ومن معجم البلدان أخذ صاحب مراصد الاطلاع. * * *
مصادر خبر ردّة طيّ: أ ـ روايات سيف: في الطبري: (1) روايته اجتماع عوام طيّ على طليحة (1 / 1871). (2) تجمع طيّ بحدود أرضها(1 / 1873). (3) ذهابهم إلى المدينة يعرضون الصلاة على أنّ يعفوا من الزكاة (1 / 1891 ـ 92). (4) إلتحاقهم بطليحة ونجاح عديّ في إرجاعهم (1 / 1885 ـ 87). (5) ـ عدم قبول خالد من طيٍّ وغيرها من القبائل المرتدّة إلاّ أنّ يأتوا بمن حرَّق المسلمين وقتل من أفراد قبائلهم (1 / 1900). 6 ـ تجمع الشرداء من فلول جيش طليحة من طيٍّ وغيرها على أم زمل (1 / 1902). 7 ـ إنصراف خالد عن طيٍّ ـ وغيرها بعد استبرائها ـ (1 / 1922). في ابن الاثير ط. المنيرية (2 / 234)، وابن كثير (6 / 317)، وفي معجم البلدان ومراصد الاطلاع بمادة (سنح) و(القردودة). ب ـ روايات غير سيف: 1 ـ مواقف قبائل طيّ في روايات ابن الكلبي عند الطبري (1 / 1900). 2 ـ قتل حبال، وعكاشة، وثابت من فتوح البلاذري ط . دار النشر (ص 133). 3 ـ معركة بزاخة، وهرب طليحة، وأسر عيينة في فتوح البلاذري (ص 134). وتاريخ ابن خياط (1 / 67)، وفتوح ابن أعثم (13 ـ 16) والطبري (1 / 1890)، ولغة (بزاخة) و(قطن) و(الغمر) من معجم البلدان، وتاريخ الاسلام للذهبي (1 / 350)، واليعقوبي (2 / 108) والبدء والتاريخ (5 / 159).
* * * الهوامش
q1 في الطبعة الثانية منه. q2 اختلف حكم الامام عليّ عن حكم غيره من الخلفاء بأنّ مناوئي الامام كانوا من قريش العدنانية وحلفائهم وأنّ أنصاره كانوا من قبائل قحطان ومواليها. ولهذا يبدو سيف فاتراً في نشر مناقب الامام، ونشيطاً في نشر الاكاذيب ضده وضد أنصاره السبائيين من آل قحطان. q3 شاهدت بمكتبة الاثار في بغداد نسخة من تاريخ الطبري، كان قبل ذلك ملكا للحبر الكبير الاب أنستاس ماري الكرملي، وكان قد علَّم حول سطور ورد فيها ذكر أعداد هائلة من قتلى الجيوش الاسلامية في فتوحها، ولمّا دققت النظر وجدت تلك السطور كلها ضمن روايات سيف. وراجع أجناس جولت تسيهر ص: 43 حيث يقول: ((وجدت أمام أعيننا رقعة فسيحة كبيرة للاسلام جاوزت حدود الوطن وقد فتحت بقوة السيف)). q4 مثل ما وقع في بعض حروب المسلمين مع الروم في بلاد الشام. راجع فتوح البلدان للبلاذري؛ ما فعله أهل حمص يوم اليرموك. q5 ذكرنا عددا كبيرا منهم في كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق). q6 ذكرنا غزوة أسامة لنواحي الشام في أوائل الجزء الاول من هذا الكتاب. وثقيف وغطفان وهوازن قبائل عدنانية من قيس عيلان. وأسد: اسم عدة قبائل في العرب، وأراد هنا أسد بن خزيمة من مضر التي كان منها طليحة المتنبي الكذاب، وطي: قبيلة من قحطان كان منهم حاتم الشهير بالجود ويأتي ذكر ابنه عدي في أخبار الردة، وبنو سليم يقال لعدة عشائر في العرب منهم بنو سليم ابن منصور من قيس عيلان العدنانيين، ومنهم بنو سليم بن نهم من الازد القحطانيين، ومنهم بنو سليم بن حلوان من قضاعة ـ راجع تراجمهم في جمهرة أنساب ابن حزم، ولباب ابن الاثير. قصد بأمراء النبيّ الولاة الذين بعثهم النبيّ في حياته إلى القبائل العربية. q7 قصد بهم قبائل قيس عيلان العدنانيين ذكر نسبهم في جمهرة ابن حزم (ص: 233 - 240). q8 ذكر سيف في رواية اخرى له قبلها في الطبري خبر ارتداد عيينة، وغطفان، ومن ارتد من طي، قال: ((قدمت عليه وفود أسد، وغطفان، وهوازن، وطي، وقضاعة، واجتمعوا بالمدينة، فنزلوا على المسلمين لعاشرة من متوفّى رسول اللّه (ص)، يعرضون الصلاة على أن يعفوا من الزكاة، واجتمع ملا مَنْ أنْزَلَهُمْ على قبول ذلك حتى يبلغوا ما يريدون، فلم يبق من وجوه المسلمين أحد إلاّ أنزل منهم نازلا إلاّ العباس، ثمّ أتوا أبا بكر، فأخبروه خبرهم، وما أجمع عليه ملاهم، فأبى أبو بكر إلاّ أن يأخذ ما كان رسول اللّه يأخذ، وأبوا فردّهم، وأجّلهم يوما وليلة، فتطايروا إلى عشائرهم)). q9 البريد: إنثنا عشر ميلا من المسافة. q10 الِرّدْء، العون. وأنحأ جمع نحي: الزق. والنواضح جمع الناضحة: ناقة يستقى عليها، والاَنقاب، الطرق في الجبل، وأراد بها هنا الطرق المؤدية إلى المدينة و(ذا حسى) لم أجد ترجمتها. وذو القصة منزل كان على طريق الربذة، ويبعد عن المدينة اثنى عشر ميلا. q11 لم يقتل حبال هنا، وإنّما قتله عكاشة وثابت يوم بعثهما خالد طليعة في حرب بزاخة راجع في ما يأتي: موقف طي في غير روايات سيف. q12 الجلال: البعير العظيم. q13 التابعون: يقال لمن أدرك الصحابة وأصله ما ورد في القرآن الكريم (والتابعون بإحسان) واشتهر هذا الوصف بعد عصر الصحابة. q14 ثابت بن قيس الخزرجي، وأمه امرأة من طي، وكان خطيب النبيّ والانصار، شهد اُحدا، وما بعدها، وقتل يوم اليمامة، وقتل أولاده محمد، ويحيى، وعبداللّه، يوم الحرة ـ أُسد الغابة (1 / 229). q15 خارجة أخو عيينة بن حصن، يقال: إنّه وفد على النبيّ، وشكا الجدب، فدعا لهم الرسول، وأسلم، ورجع إلى قومه. روى الواقدي أنّه كان ممن منع صدقة قومه، وأنّه لقي نوفل بن معاوية الديلي واستعاد الصدقة منه وأعادها على قومه، وقدم على أبي بكر حين فرغ خالد من قتال بني أسد، فقال أبو بكر: اختاروا سلما مخزية، أو حربا مجلية. وفسر له أبو بكر السلم المخزية فقال: رضيت (الاصابة 1 / 399) رقم 2133. q16 رجحت هذه الرواية عندي على رواية الطبري (1 / 1870) عن ابن إسحاق وغيره . التي قالوا فيها : إن أبا بكر (استترا بأجمة) يومذاك ، لانّ طبيعة تلك الاراضي لا تتناسب وتكوُّن أجمة فيها . q17 أبو مالك عيينة الغطفاني الفزاري أسلم قبل الفتح أو بعده وكان من الاعراب الجفاة من المؤلفة قلوبهم. تزوّج عثمان بن عفّان ابنته أم البنين. توفي في أواخر خلافته ـ أُسد الغابة (4 / 166) الاصابة (3 / 54 ـ 55). q18 والاقرع بن حابس كان من فرسان تميم وأشرافهم ومن المؤلفة قلوبهم. أسلم قبل الفتح وشهد حنيناً مع النبيّ واليمامة مع خالد وأصيب بجوزجان عام 32 وهو أمير الغزاة ـ ترجمته بالاصابة وفتح جوزجان مع فتوح البلدان. q19 السراة: الارض الحاجزة بين تهامة واليمن ولها سعة، والجبال المطَّلة على تهامة ممّا يلي اليمن أوّلها لهذيل وهي تلي السهل من تهامة، ثمَّ بجيلة وهي السراة الوسطى وقد شركتهم ثقيف في ناحية منها ثمَّ سراة الازد، وأزد شنوءة، تهامة أرض منخفضة ساحلية بين اليمن ومكة ـ معجم البلدان. q20 شرح ألفاظ الحديث: عجز هوازن: جشم وسد بني بكر ونصر بن معاوية وثقيف ويقال هم أيضا عليا هوازن، أنساب الاشراف ـ مخطوطة الاستانة. والمزهر للسيوطي ط. مصر سنة 1325 ه (1 / 127). وعكرمة هرب بعد الفتح إلى اليمن ثمّ أسلم وبعثه أبو بكر إلى عمان واليمن واشترك في الحروب الموسومة بالرّدة ثمّ وجّهه إلى الشام فقتل في فتوحها سنة 13. ترجمته في الاستيعاب والاصابة (1 / 301). وأبو سعيد: الضحّاك بن سفيان العامري الكلابي ولاّه الرسول على قومه. ترجمته بأسد الغابة. وعدي كان نصرانيا وأسلم عام 9 ه وشهد اليمامة والعراق وحضر مع الامام عليّ الجمل وصفين. مات بالكوفة أيّام المختار سنة 67ه وهو ابن مائة وعشرين. ترجمته بالاستيعاب وأُسد الغابة والاصابة. والزبرقان: البدر سمّي به لجماله كان من سادات تميم. أسلم سنة 9 ه وبقي على صدقات قومه حتّى نهاية خلافة عمر وتوفي في خلافة معاوية ـ ترجمته في الاصابة. وقيس بن عاصم كان في وفد تميم وأسلم سنة 9 ه وكان عاقلا حليما. ترجمته في الاصابة. q21 نوفل اسلم قبل الفتح وشهد الفتح ونزل المدينة وتوفي بها في خلافة يزيد. ترجمته بأسد الغابة. وخارجة أخو عيينة من سادات فزارة وفد على النبيّ وأسلم ـ ترجمته بأسد الغابة والشربّة: مكان بوادي الرّمة بين السليلة والربذة. q22 أبو نجيح عرباض بن سارية السلمي توفي سنة خمس وسبعين أو في فتنة ابن الزبير ترجمته بأسد الغابة. q23 كعب بن مالك الخزرجي السلمي، شهد العقبة وتخلّف عن بدر وتبوك قيل كان عثمانيا، توفي على عهد الامام عليّ أو معاوية ـ ترجمته بأسد الغابة. q24 بسر بن سفيان كان شريفا في قومه كتب إليه الرسول يدعوه إلى الاسلام. ترجمته بأسد الغابة. q25 راجع تاريخ الردة (1 ـ 28). q26 أي عامة دوابهم. q27 ذكرنا في ما سبق أنّ سهل بن يوسف من مختلقات سيف من الرواة، وبسطنا القول في ترجمة زياد ابن حنظلة بكتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق) أمر (أبرق الربذة) و(زياد بن حنظلة). أمّا خطيل بن أوس فقد بحث في القسم المخطوط من (خمسون ومائة صحابي مختلق). q28 ذكر سيف في هذه الرواية التي استوعبت أكثر من صفحتين من تاريخ الطبري: أسماء عدد من مختلقاته، كثمامة بن أوس بن لام، ومهلهل بن زيد الطائيين، وقضاعى من الصحابة. القرودة من الاماكن، ويأتي البحث في شأنهم في محله إنّ شاء اللّه تعالى. q29 نذكر تتمة الحديث في ردة أم زمل إنّ شاء اللّه تعالى. q30 أبو محصن عكاشة اسدي حليف لبني عبد شمس، هاجر إلى المدينة، وشهد المشاهد مع الرسول كلها، أُسد الغابة (4 / 2 ـ 3). وثابت بن أقرم البلوي، حليف للانصار، شهد المشاهد كلها مع رسول اللّه 6 وشهد مؤتة مع جعفر بن ابي طالب، ولمّا أصيب جعفر دفعت الراية إليه: فسلمها إلى خالد، وقال: أنت أعلم بالقتال مني ـ أُسد الغابة ـ (1 / 220) والاصابة (2 / 88). q31 شرح الفاظ الخبر = طيّ: من قبائل قحطان وينقسمون إلى فرعين: الغوث نسبة إلى الغوث بن طيّ، وجديلة وهم بنو سعد بن خارجة بن فطرة بن طيّ، نسبوا إلى أمهم جديلة، هاجروا من اليمن وسكنوا جبلي طيّ: أجا وسلمى؛ و(الاكناف) قصد به سيف جبلي طيّـ و(السنح) من أطراف المدينة. والسنح المذكور في الخبر تخيله سيف مكانا بالقرب من جبلي طيّ وأخذ صاحب معجم البلدان ترجمة السنح المذكور والاكناف من حديث سيف. قارن الترجمتين بحديث سيف في الطبري. وأخذها من معجم البلدان غيره. (أبا الفصيل): كانوا يكنون أبا بكر أبا الفصيل استهزاء به فإنّ البكر والفصيل اسمان لولد الناقة، وكان يقابلهم من أراد تفخيمه بتكنيته: أبا الفحل الاكبر. q32 كما في لغة بزاخة من معجم البلدان عن أبي عمرو الشيباني وفتوح ابن أعثم ويستفاد ذلك من غيرهما مثل ما روى الطبري عن ابن الكلبي أنّ خيل طيّ كانت تلقى خيل أسد وفزارة. |