أولا: التعريف
هناك عدة موارد لاستعمال كلمة العدل نذكر منها مايختص بموضوعنا :
المعنى الأول :
العدل هو : رعاية حقوق الأفراد و إعطاء كل ذي حق ماله من حق و الظلم هنا سحق الحقوق و التجاوز على حقوق الآخرين .
و هذا المعنى للعدل يختص بالإنسان و المجال البشري ولا يمتد إلى الساحة الإلهية ، لأنه هو المالك على الإطلاق ولا يملك أي موجود أية أولوية بالنسبة إليه سبحانه و تعالى ، و لكونه مالكاً على الإطلاق فهوه يملك حق الأولوية على الإطلاق . فإذا تصرف في أي شيء و بأي لون من ألوان التصرف فإنه يكون قد تصرف في شيء متعلق به في تمام وجوده ، وهو ملك مطلق له .
المعنى الثاني :
العدل هو : رعاية الاستحقاق في إفاضة الوجود و عدم الامتناع عن الإفاضة و الرحمة حيث يتوفر إمكان الوجود أو إمكان الكمال .
فكل موجود وفي أي رتبة من الوجود يملك استحقاقاً خاصاً من حيث قابليته لاكتساب الفيض . و لما كانت الذات الإلهية المقدسة كمالا مطلقاً و خيراً مطلقاً – أي لا حد له – و فيضه على الإطلاق فهي تعطي و لا تمسك و لكنها تعطي لكل موجود ما هو ممكن له في وجوده، أي كمال الوجود .
فالعدل الإلهي يعني أن أي موجود يأخذ من الوجود و من كمال الوجود المقدار الذي يستحقه و بإمكانه أن يستوفيه .
مثال توضيحي لتقريب الفكرة:
اذا جاء لك شخص بكأس صغير الحجم وطلب ماء و أعطيته ملء الكأس , ثم قال لك لقد أعطيتني كمية قليلة من الماء, تقول له: السبب هو انت وليس انا لانك جئت بكأس صغير لايتحمل الا هذا المقدارمن الماء.
الانسان مثلا كلما عرف الله واطاعه حصل على الهداية الالهية التي تتناسب وحجم معرفته وعمله وطاعته لله واخلاصة فيصل الى كماله الانساني كما حصل للرسول (ص) والائمة الإطهار , وباقي الناس , كل حسب درجته واستعداده لعطاء الله الغير محدود.
و لكن علينا أن نلتفت إلى أن أي موجود لا يملك حقاً تجاه الله بحيث يكون إعطاء ذلك الحق أداء للدين و قياماً للواجب ويعد الله حينئذ عدلاً لأنه قد أدى بدقة وظائفه تجاه الآخرين، وإنما عدل الله هو عين الفضل و الجود منه ، وهذا يعني أن عدله يقتضي كون فضله غير محبوس .
ثانياً : لماذا نهتم بموضوع العدل الإلهي ؟
1. إن العدل الإلهي هو الصفة الأساسية التي تنازع حولها المسلمون و أثارت جدلاً طويلاً بينهم .
حتى إن فرقة الأشاعرة أنكرت لزوم العدالة كصفة من صفات الله بالمعنى المطروح سابقا ، و قالوا :
كل ما يريده الله و يقوم به فهو حسن و أن كان في حساب عقولنا من الأعمال المسلم بكونها ظلما وقبيحا مثلا يقولون : ( إذا أدخل الله أمير المؤمنين (ع) إلى جهنم وأدخل قاتله ( ابن ملجم ) إلى الجنة فهذا لا مانع منه ) .
2. من جهة ضبط النفس مقابل الذنوب .لأن الإنسان حينما يشعر أن قوله و عمله تحت رقابة الله سبحانه و تعالى و إن مثقال ذرة من عمله لا تخفى عليه و إنه سيرى جزائه أكان خيراً أم شراً ، و سوف لا يرى نفسه في هذا العالم تائها بلا ضابط و قيد .
3. إن فريقاً من الغربيين و المستشرقين ممن من كانوا يخططون لاستعمار البلاد الإسلامية ، حاولوا بشتى الوسائل أن يلزموا الإسلام بفكرة الجبر ، أي أن الإنسان مجبور على أفعاله ولا إرادة له فكل الأمور من الله و هو الإنسان وسيلة لتنفيذ تلك الأمور . فأشاعوا هذه الأفكار بين المسلمين من اجل أن يخدروهم و يشلوا إرادتهم في تطوير حياتهم من جهة ، و من جهة ثانية أرادوا أن يخمدوا نار الثورة ضد مخططاتهم و ممارستهم الإستكبارية .
4. رجال الدين المسيحي أشاعوا فكرة الجبر بين الأوربيين ، و أشاعوا الخمول و الكسل ، و عندما جاءت الأفكار الماركسية الإلحادية رأوا بأن كل دين هو المخدر و المحبط لكل أنواع التحرر ، فرفعوا شعارهم المعروف " الدين أفيون الشعوب " و المقصود بهذا القول أن الدين أي دين هو مخدر للشعوب ، لأن الأفيون نوع من أنواع المخدرات .
إننا لا ننكر بأن هناك جماعة من المسلمين كانوا يعتقدون و مازالوا بمسالة الجبر و ذلك إذا خلصت مقاصدهم راجعا في الأساس لجهلهم بالعقيدة الاسلامية و لابتعادهم عن مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، و هم عدل القرآن الكريم .