الحاجة إلى الإمامة
معنى الإمامة:
الإمامة لغة تقدم شخص على أقرانه ليقتدوا به ويتابعوه إما من جهة خاصة كإمامة الصلاة، أو من جهة عامة كالإمام المعصوم.
إذن الإمامة هي الرئاسة الدينية والدنيوية معاً، من هنا كان منصب الإمامة أعلى من منصب النبوة، كما يدل عليه قوله تعالى مخاطباً النبي إبراهيم (ع) بعد مدة من نبوته: "إني جاعلك للناس إماماً" فليس كل نبي إماماً كما أنه ليس كل إمام نبياً.
الحاجة إلى الإمامة:
قضى رسول الله (ص) جل عمره الشريف في تبليغ الرسالة ونشر الدعوة وبيان أحكام الدين ومجاهدة الكفار والمشركين ومعالجة موروثات المجتمع الجاهلي.
وقد أدى النبي الأعظم (ص) ما أُوكِل إليه من مهام، بل لقد بلغ في الاجتهاد لأجل النجاح في ذلك حتى رأينا المولى عزّ وجل في أكثر من موضع في الكتاب العزيز يلفت رسوله الأكرم (ص) الى أنه لم يكلفه أن يبذل هذا القدر مُثنياً ومكبراً فيه هذا الإخلاص والتفاني في سبيل الدعوة فتراه تعالى يقول له: "طه ما أنزلنا عليك القران لتشقى"(1).
"... ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيقٍ مما يمكرون"(2).
"... فلا تذهب نفسك عليهم حسرات..."(3).
فالنبي (ص) استطاع وبفترة قياسية أن يحقق تمام ما أُوكل إليه من مهام، إلاّ أن الملاحظ أن غالب المنجزات كانت خطوات أولى على طريق الأهداف العظمى للإسلام ولكافة النبوات السابقة للرسول الأعظم (ص) هذه الأهداف التي يمكن تلخيصها بعبارة واحدة هي:
إقامة نظام ودولة الإستخلاف الكامل للإنسان في الأرض عبر إعداد وصياغة المجتمع المؤهّل لدولة الخلافة العظمى، أو فقل دولة العدل الإلهي على الأرض.
من هنا كان لا بد من أن يأتي من بعده اخرون يكملون ما بدأه ويطبقون ما شرعه، ويواكبون حركة المجتمع الإسلامي حتى يبلغ أشده. ويكونون الهداة إلى الله كما كان النبي (ص).
والدليل على ذلك هو الوعد الإلهي القاطع بسيطرة الدين الإسلامي على كافة أرجاء المعمورة وقيام نظام عالمي يحكم وفق الإسلام لم يكن قد تحقق في زمن الرسول الأعظم (ص) فمتى يتحقق هذا الوعد... ومن يحققه؟
وهذا ما يقودنا الى الإعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى قد تكفّل بأن يفعل ما به يحفظ جهود الرسل والأنبياء وليتمّ نعمته على البشر جميعاً، فلا بد من أن يعيِّن أوصياء وأئمة هداة يتحمّلون مسؤولية حفظ واستثمار جهود الأنبياء ليصلوا بالبشرية الى كمال الأهلية لتحقيق كمال الغاية التي من أجلها خلق الله البشر وهي إقامة دولة العدل الإلهي العالمية وقيادتها، وهؤلاء من نسمَّيهم "الأئمة".
إن رحمة الله الواسعة وعنايته لا تتوقف بعد النبي (ص) وعلى أساسها نؤمن بوجود إنسان يتابع أهداف النبوة وهو "الامام".
لذا فإن الدليل على بعثة الإنبياء هو عينه الدليل الذي يقضي بضرورة وجود إمامة مكملة للنبوة. وبدون الإمامة يبقى الدين ناقصاً وعرضة لكل تحريف وتغيير.
قال تعالى بعدما نصب النبي (ص) علي (ع) خليفة وولياً من بعده: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً"(4).
مدة الحاجة إلى الإمامة:
لقد دلت الأدلة الواردة عن أهل بيت العصمة (ع) أن مدة الإمامة مرتبطة بحاجة الناس إلى الإمام، فلا تنقضي إلا بانقضاء أجل الدنيا، ففي كل عصر وزمان لا بد أن يجعل الله تعالى للناس إماماً يقوِّمهم إذا أخطأوا ويهديهم إذا ضلوا، ومن تلك الأدلة الرواية المتواترة:
1 - من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
2 - وعن الإمام الصادق (ع): لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت.
3 - وعنه أيضاً (ع): لو لم يكن في الأرض الا اثنان لكان الإمام أحدهما.
دور الإمام:
إن دور الإمام أكبر بكثير مما نتصوره، بل ورد في الروايات إنه لولا الإمام لساخت الأرض بأهلها، فمن ابرز مهماته:
1 - حفظ الشريعة من عبث العابثين وتحريف المضلين وسقطات الجاهلين.
2 - توضيح الغامض منها وبيان ما لم يبين من أحكامها.
3 قيادة الأمة سياسياً ودينياً، وتنفيذ الأحكام وإقامة الحدود.
4 تجسيد المثل الأعلى للناس ليكون قدوتهم ومنارة دربهم.
علامات الإمام:
لا بد أن تتوفر في الإمام ثلاث خصال لكي يكون إماماً مفترض الطاعة، هي:
1 - أن يكون معيناً من قبل الله تعالى ومنصوصاً عليه في كلمات النبي والإمام الذي قبله.
2 - أن يكون مؤيداً بالعلم الإلهي بحيث لا يحتاج إلى علم الناس وهم يحتاجون إلى علمه.
3 - أن يكون معصوماً بحيث لا يخطأ ولا يعص، كما هو حال الأنبياء (ع).
فمن توفرت فيه هذه الشرائط مجتمعة كان الإمام، ولو انتفى عنه شرط واحد خرج عن أهلية الإمامة.
---------------------------
(1) سورة طه، الآية/1.
(2) سورة النحل، الآية/127.
(3) سورة فاطر، الآية/8.
(4) سورة المائدة، الآية/3.