• التاريخ : الثلاثاء 7 رمضان 1431

  • عدد الزوار :72
الدرس العاشر - المعاد
           

 معنى المعاد:

 المعاد مشتق من العود والرجوع إلى الحياة بعد الموت أو بمعنى الرجوع إلى الله عز وجل، و الإيمان به أصل من أصول الدين، ومنكره كافر لما في ذلك من تكذيب للأنبياء والرسل جميعاً.


الدليل على ثبوت المعاد:


الدليل الأول:


علمنا فيما مر أن الله تعالى حكيم وعادل، فلا يمكن أن يظلم العباد ولا يقبل أن يظلموا بعضهم البعض لذلك حرم عليهم الظلم ونهاهم عنه. ومع كل ذلك فإننا نرى في هذا الوجود ظالماً ومظلوماً وصالحاً وشريراً ومطيعاً وعاصياً ومؤمناً وكافراً، ونرى أنهم جميعاً يموتون دون أن ينال الظالم جزاءه ودون أن ينتقم منه للمظلوم، ويموت المطيع والعاصي دون أن ينال الأول ثواب طاعته ولا الثاني عقاب معصيته. وبما أن عدل الله تعالى وحكمته لا يمكن أن يتركا الظالم ينجو بفعلته دون حساب ويترك المظلوم دون انتصاف، فلا بد أن يكون هناك عالماً اخر غير هذا العالم يعاقب فيه المسيء على إساءته ويثاب فيه المحسن على إحسانه ذلك هو يوم الجزاء المسمى يوم القيامة والمعاد.


قال تعالى مرشداً إلى هذا الدليل: "أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون"(1).


وقال أيضاً: "أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين امنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون"(2).


الدليل الثاني:


الروح مخلوق غير مادي، يعني مجرد عن المادة، لذلك هي غير قابلة للفناء كالمادة، بل هي خالدة ما شاء الله تعالى. وهذا الوجود الذي نعيشه هو وجود مادي ومحدود من حيث الزمن مهما طالت مدته، خصوصاً فيما لو نظرنا إلى البدن الذي تسكنه الروح فإنه لا يبقى أكثر من عشر سنوات، ثم يتغير كلياً، وهكذا حتى يموت ويفنى وتبقى الروح على ما هي عليه.


من هنا نتساءل: أليس معنى ذلك أن الروح مؤهلة لتعيش حياة أخرى غير هذه الحياة القصيرة، وإلا فما هي الحكمة من خلقها غير قابلة للفناء؟ ألا يكون ذلك ضرباً من اللغو والعبث؟


تخيل لو أنك نزلت في بلد لمدة يوم واحد على أن تغادره في اليوم التالي، فهل من الحكمة أن تشتري لنفسك قصراً عظيماً متيناً لتقيم فيه هذا اليوم، ثم تتركه هكذا وترحل؟


ما الذي يحصل يوم القيامة؟


تصور لنا الايات والأحاديث اليوم الموعود، وكيف تستيقظ الكائنات على وقع زلزلة عظيمة تلم بالكون وتبعثر أجرامه وتفاصيله، فتدك الجبال ثم تنسف نسفاً تغور البحار وينفرط عقد نظام الكون وتتيه نجومه وكواكبه في الفضاء الرحب وترتطم ببعضها البعض وينخسف القمر وتتكور الشمس وتلفظ الأرض من أحشائها ما فيها من موتى ليبعثوا إلى الحياة من جديد.


الحساب والثواب والعقاب:


ويقف الناس لرب العالمين ينتظرون الدينونة، ثم يعطى كل منهم كتاباً فيه تفصيل كل ما عمله في الدنيا، إلى درجة أنه يقول: "ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها".


وعندئذ تبدأ الوجوه بالتغير فالمؤمنون وجوههم ضاحكة مستبشرة والمجرمون ووجوههم عابسة كالحة.وتوضع الموازين القسط فتوزن أعمال العباد ثم يعامل كل واحد منهم حسب ما في كتابه، وبمقدار ما في الميزان من عمل صالح أو عمل طالح. هناك يندم الكافر على ما بدر منه فيقول: "يا ليتني قدمت لحياتي"، "يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً"، "رب ارجعونِ لعلي أعمل صالحاً فيما تركت"، ولكن "فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد".


وأما المؤمنون فهم مستبشرون: "لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون"، وتتلقاهم الملائكة: "بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار"، "نعم الثواب وحسنت مرتفقاً"، ثم يقال لهم: "سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقب الدار"، فلا يملكون إلا أن يتوجهوا إلى خالقهم بالشكر "واخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين".


أثر الإيمان بالمعاد على الأفراد والمجتمعات:


عندما يتيقن الإنسان أنه سوف يحاسب على كل ما يقوم به في حياته إن خيراً فخير وإن شراً فشر فإنه يرتدع عن كثير من المعاصي والشرور، ويتوجه إلى فعل الخير رغبة في ثواب الله وخوفاً من عقابه. فالإيمان بالمعاد يساعد كثيراً على تهذيب النفس من شوائبها.


ومما لا شك فيه أن صلاح الأفراد يؤدي مباشرة إلى صلاح المجتمع، حيث ينتشر فيه فعل الخير، وتترعرع فيه القيم والأخلاق والإحسان إلى الاخرين، وهذا ما يحييه ويقويه ويجعله في طليعة المجتمعات المتحضرة.


إن كل إنسان يجد في أعماق ذاته حباً للحياة الخالدة والدائمة، يتألم من كل زوال وفناء ويهرب منه، ولا يشعر أبداً بالملل من أصل الحياة وخلودها.


أما ذاك الملل الذي يشعر به أحياناً فليس هو من أصل الحياة، بل من الحوادث المؤلمة التي إذا زالت وارتفعت وتبدلت بالأفراح زال معها ذاك الملل.


إذاً فأصل الشوق إلى الحياة الخالدة هو المحبوب والمطلوب النهائي لكل إنسان - كالعطش الموجود في كل النباتات والحيوانات والناس-  ولأنَّه لا يوجد شيء باطل وعبثي في عالم التكوين، فلا بد إذاً من وجود حياة دائمة ومصونة بعد الموت.


فلو لم تكن هذه الحياة موجودة في عالم الخلقة، لكان هذا الشوق عبثاً.


لأنَّه بحكم "كل نفس ذائقة الموت"(3)، وبحكم "وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد"(4)، فليس من الممكن وجود حياة خالدة ومصونة من الموت في الدنيا، ولا بقاء لأيّ إنسان في هذا العالم وما يسمى بماء الحياة كناية عن الإيمان والمعرفة التي تكون من نصيب المؤمن العارف. فهذا الماء لا يهطل من السماء ولا يصعد من الأرض  لهذا فإن وجود عالم مصون من الزوال ومحفوظ من الموت ووجود القيامة التي ليس بعدها موت ضروري وحتمي.


مخافة الله:


نقل الشيخ الصدوق عليه الرحمة:


بينما رسول الله مستظل بظل شجرة في يوم شديد الحر، إذ برجل جاء فنزع ثيابه ثم جعل يتمرغ في الرمضاء، يكوي ظهره مرة وبطنه مرة، وجبهته مرة، فيقول:


يا نفس ذوقي.. فما عند الله عزّ وجلّ أعظم مما صنعت بك ورسول الله ينظر إلى ما يصنع.


ثم إن الرجل لبس ثيابه ثم أقبل، فأومأ إليه النبي (ص) بيده ودعاه فقال له:


 يا عبد الله لقد رأيتك صنعت شيئاً ما رأيت أحداً من الناس صنعه، فما حملك على ما صنعت؟


 حملني على ذلك مخافة الله عزّ وجلّ، وقلت لنفسي: يا نفسي ذوقي فما عند الله أعظم مما صنعت بك.


فقال النبي(ص) : "لقد خفت ربك حق مخافته، فإن ربَّك ليباهي بك أهل السماء".


ثم قال لأصحابه:


يا معاشر من حضر، أدنُوا من صاحبكم حتى يدعو لكم فدنوا منه، فدعا لهم، وقال لهم:


 اللهم إجمع أمرنا على الهدى واجعل التقوى زادنا والجنة مآبنا.

----------------------------------------------
(1) سورة القلم، الآية/36.


(2) سورة الجاثية، الآية/21.


(3) سورة آل عمران، الآية/185.


(4) سورة الأنبياء، الآية/34.

Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved